مقدمـة:

تحتفل المملكة العربية السعودية بالذكرى المئوية الأولى لدخول الملك عبدالعزيز مدينة الرياض مظفراً في 5 شوال 1319هـ، لقد كان ذلك الفتح هو النبتة التي نمت وكبرت وتفرعت حتى أصبحت شجرة طيبة وارفة الظلال ، أصلها ثابت ، وفرعها في السماء، لقد جاهد الملك عبدالعزيز ورجاله لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن ، حتى أبدل الله بالشتات والفرقة الوحدة ، وأبدل بالاضطراب والاحتراب الأمن الوارف ، وبالجهل والتخلف العلم والتقدم.

وإذا استثنينا عهد الرسول e والخلافة الراشدة فإنه يمكن القول: إن الأقاليم التي تكونت منها المملكة العربية السعودية لم تشهد في تاريخها دولة بهذا العز والتنظيم وبهذه الوحدة ، ومن ثم لم تشهد حقبة آمنة كالتي عاشتها وتعيشها في العقود الأخيرة منذ أن استقر البناء السياسي للمملكة العربية السعودية التي تمثل حجر الأساس والمعول عليه بعد الله للأمن الجماعي لدول شبه الجزيرة العربية ، وفي مقدمتها الدول الشقيقة الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

هذه الورقة تمثل إسهاماً متواضعاً واستعراضاً شاملاً لمؤسسات الأمن الوطني لهذا الكيان الزاهر وخلفيته التاريخية ومؤسساته وقضاياه، وغني عن القول أن الأمن الوطني للمملكة هو موضوع واسع مهم ومتشعب وحساس، وله أبعاده ومحدداته وخصوصياته، ولن تستطيع هذه الورقة إلاّ الإسهام بقدر ما تحمل في مضمونها من منهجية أو أفكار وتصورات واستقراء.

أما الأمن الوطني للمملكة العربية السعودية في إستراتيجيته وسياساته وتحليلاته فهو موضوع يحتاج إلى مراكز بحث إستراتيجية متخصصة ، تعقد من أجله الندوات، وتشجع البحوث، وتجمع المعلومات، وتتابع المستجدات، وتقدم الرأي والتحليل، وهو فوق ذلك موضوع يجب أن يجذب الباحثين من مختلف التخصصات والاهتمامات وبخاصة السياسية والاقتصادية والأمنية والدفاعية.

والأمن الوطني بطبعه موضوع متجدد بسبب ارتباطه بالمتغيرات السياسية وغير السياسية، وبسبب تبدل الظروف والمستجدات ونشوء الأزمات وتغير المصالح بين وقت وآخر.

هذه الورقة ليست إلاّ محاولة استقرائية بمنظور تصنيفي شامل لمؤسسات الأمن الوطني وقطاعاته في المملكة العربية السعودية .

والله الموفق .

 

1– مفاهيم أساسية :

لعل من المناسب تقديم بعض المفاهيم الأساسية قبل الدخول إلى جوهر موضوع هذه الورقة ، وذلك على النحو الآتي :

الأمــن :

الأمن نقيض الخوف ، ففي غياب الخطر والخوف لا معنى للحديث عن الأمن ، والخوف الذي يعتري النفوس والأفراد والمجتمعات يأتي من مصادر تهديد وأخطار متعددة.

والأمن – ونقيضه الخوف – حالة نفسية ، والفرد يكون خائفاً أو آمناً نسبة لما يتعرض له من تهديد في نفسه أو ماله أو عرضه أو عقله أو دينه، وكلما انحسر خوف النفوس زاد أمنها وطمأنينتها ، والعكس صحيح، ولا شك أن زوال خوف الفئات المنحرفة المجرمة من سلطة الولاية الشرعية  يجعلها تعيث في الأرض فساداً وإجراماً.

وقد وردت كلمة الخوف في القرآن الكريم في مواقع كثيرة ، وجاءت تقريباً بكل الألفاظ والمعاني المشتقة من الجذر " خاف " ، وجاء الخوف ابتلاء وعقوبة إلهية، يقول الله سبحانه وتعالى: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ }(1) ، ويقول سبحانه وتعالى : { وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً }(2) ، كما جاء الخوف في القرآن الكريم مقروناً بالحزن والهم والكربة ، ولا يحرر النفس البشرية من ذلك إلاّ الإيمان الراسخ بالله سبحانه وتعالى، والآيات في ذلك كثيرة ، منها قوله سبحانه وتعالى:{ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ }(3)، ويقول تعالى : { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ }(4) .

وجاء الخوف دائماً بمعناه المناقض للأمن والطمأنينة ، يقول تعالى: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}(5) ويقول تعالى: { رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً}(6)،

والخوف يكون إيجابيًا من ناحيتين فقط :

أولاً: إخافة من هم مصدر خطر على الأفراد والمجتمعات أمر إيجابي ؛ لأنه يولد الأمن ، ويمنع الاعتداءات ، ويقلل الأخطار.

ثانياً: خوف الأفراد والمجتمعات يجعلها تحتاط ، وتستعد للأخطار ، وهذا أمر إيجابي أيضاً.

وهنـاك مفهومـان أساسـان لـلأمن ، هـمـا :

 ‌أ -  الأمن الجنائي : وهو أمن الضرورات الخمس : النفس ، والعرض ، والمال ، والدين ، والعقل . وأمن المجتمع من أمن أفراده ، فبقدر ما يكون الأفراد آمنين بقدر ما يكون المجتمع آمناً ، ويلحظ أن أربعاً من هذه الضرورات(النفس والعرض والدين والعقل) مرتبطة بذات الإنسان ، أما الخامسة(المال) فهي خارجة عن ذات الإنسان.

‌ب -  الأمن الوطني: وهو مفهوم حديث ، بالرغم من أنه في الممارسة منذ استقرار الإنسان وتنظيم مجتمعه وتحضره ، ويقصد بالأمن الوطني أمن الدولة في عناصرها الأساسية: الشعب ، والأرض ، والسيادة ، ونظام الحكم ؛ من حيث حفظ حقوق مواطنيها الخاصة والعامة ، ومن حيث منع الاعتداءات على سيادة الدولة وكيانها من الفتن الداخلية والاعتداءات الخارجية.(وسنتطرق بشكل مفصل إلى الأمن الوطني في مكان آخر من هذه الورقة).

والأمن له جانبان :

 ‌أ -  جانب نفسي : يتمثل في تأرجح الأفراد والمجتمعات بين الأمن والخوف والطمأنينة والاضطراب نتيجة لما يواجهونه في أوقات الأزمات والكوارث الطبيعية وتزايد الاعتداءات المادية واحتمالاتها، إن انتشار جرائم الاغتصاب والسرقات وقطع الطرق تولّد رعباً وآلاماً نفسية في المجتمع ، ربما لا تقل عن تلك التي عانى منها من يعاني من هذه الجرائم فعلاً ، كما أن الأزمات الوطنية والحروب والفتن التي تهدد الأمن الوطني تولّد الخوف والرعب لدى فئات كثيرة من المجتمع حتى لو لم يتأثروا بها مباشرة.

‌ب -  جانب مادي : يتمثل في الآثار المادية للجرائم والكوارث والفتن والحروب والأزمات وفي الاستعدادات المادية لمنع الجريمة والاعتداءات قبل وقوعها. يمكننا القول: إن كثيراً من مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية بل السياسية وميزانياتها وتجهيزاتها هي الجزء الأهم للصورة المادية للأمن ، وكما هو واضح فإن هذا الجانب المادي يستغرق ويستهلك كثيراً من جهود الدولة الوطنية الحديثة وإمكاناتها ومواردها.

والجانبان النفسي والمادي للأمن متقاطعان، وكل منهما يمثل سبباً ونتيجة للآخر ؛ فأي اعتداء مادي على الأفراد أو المجتمعات أو الأرض أو الموارد لا بد أن يكون له آثار وانعكاسات نفسية عميقة ، كما أن الرعب والتوجس والهروب والتحصن وتخزين المواد الغذائية وتهريب الأموال والشك والتسلح بل الغلو في الوطنية لها أبعادها المادية الواضحة ، وفوق ذلك فإن نفسيات العاملين في قطاع الأمن الوطني وقياداتهم ومعنوياتهم وثباتهم وحكمتهم هي نفسها عوامل تؤثر في النتائج المادية لممارستهم لأعمالهم سلباً وإيجاباً.

الهدف الذي تسعى إليه الحكومات والدول هو إيجاد ذلك المزيج الإيجابي من الأمن النفسي والأمن المادي الذي ينعكس في بيئة أمنية تجعل المجتمع يعيش أفضل أيامه أمناً واقتصاداً وسياسة وقيماً وعقائد.

والردع الأمني المادي له انعكاسات نفسية مزدوجة ، فيفترض أن الردع يخيف مصادر الاعتداء ، وتقل الجريمة والفساد والحروب والفتن ، وفي الوقت نفسه يمنح المجتمع والفرد شعوراً بالأمن والطمأنينة، والمبالغة في الجانب المادي للأمن قد يكون لها آثار سلبية على حريات الناس وعلى الأموال العامة، وبالرغم من ذلك فإن الاستعداد للكوارث الطبيعية ومنع الجرائم والاعتداءات الخارجية أصبح من ضرورات الحياة.

ونظراً لتعقد المسألة الأمنية بكل أبعادها فإنها أصبحت في صلب اهتمامات الدول وفي رأس قائمة أولوياتها ، وأصبحت المجتمعات الحديثة تقوم على ثلاث ركائز :

 

الركيزة الأولى:  الركيزة السياسية ، وهي قدرة المجتمع على تنظيم نفسه سياسياً من خلال وجود نظام حكم واضح الخصائص راسخ الجذور ، يأخذ على نفسه تنظيم الظاهرة السياسية وتنميتها وتثبيت العلاقة الإيجابية بين الحاكم والمحكوم ، وبين المجتمع ومحيطه الإقليمي والدولي .

الركيزة الثانية: الركيزة الاقتصادية التي من خلالها يتحقق للمجتمع مستوى متقدم للمعيشة ونمو اقتصادي مضطرد ، إن وجود المجتمع في ظل الثالوث البغيض الفقر والجهل والمرض هو وجود ناقص يحط من قدر الإنسان وكرامته.

الركيزة الثالثة: الركيزة الأمنية التي هي شرط ضروري لتحقيق الظاهرتين السياسية والاقتصادية واستقرارهما في مسارات إيجابية ، دون الأمن لا يمكن الحديث عن استقرار وتقدم وتنمية سياسية أو اقتصادية .

إذن الأمن أصبح في وقتنا الحاضر مطلباً ملحاً في كل المجتمعات ؛ حتى تستقيم أسس الحياة الحديثة بقدر ربما يفوق المطلبين السياسي والاقتصادي أو يوازيهما ، والمطلوب هو تحقيق الأمن بما لا يعطل المسار الإيجابي لكل من الظاهرتين السياسية والاقتصادية .

 

الـوطـن :

عرف الوطن بأنه موطن الإنسان أو مكان إقامته ومحله ، ويشار عادة إلى المكان الذي ولد وربما نشأ فيه الإنسان بالوطن الأصلي ، هذا هو المعنى العام للوطن.

أما في الأدبيات السياسية فيعرف الوطن على أنه البلد الذي تسكنه أمة ذات حضارة وتاريخ وارتباط وثيق بالأرض التي يعيش عليها ، وتقيم عليه كيانها السياسي والحضاري وتمارس عليه نشاطها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي(7)

وقد جبل الإنسان وفطر على الارتباط ببقعة معينة ، ولد أو نشأ أو عاش عليها، ومصدر هذا الارتباط وأسبابه متعددة ، إلا أن من أهم هذه الأسباب حب التملك والتفرد والخوف من المجهول ومحدودية قدراته على التنقل الدائم ، وفوق ذلك كله ارتباطه الاقتصادي والاجتماعي بالأرض التي عليها يعمل ، ومن خيراتها يعيش، وفوقها يمارس حياته الاجتماعية ، وقوة الارتباط أو ضعفها تعود لعدة أسباب ، أهمها السببان الآتيان :

أولاً :  حجم الثـروات الطبيعية ونوعها، وتنـوع البيئة الاقتصادية ، فكلما منح الله بقعة معينة من الأرض مخزوناً ظاهراً أو باطناً من الثروات الطبيعية وكان المناخ جميلاً ومعتدلاً وكانت المياه متدفقة عذبة أحبها الإنسان ، وارتبط بها، ودافع عنها، والعكس صحيح.

ثانياً : قدرة الإنسان وتمكنه من ممارسة حريته العقدية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ، فالإنسان يرتبط أكثر بالبقعة التي تحقق ذاته المتفردة من خلال الحريات الأساسية.

الوطن يكتسب معاني أكبر وأوسع من مجرد بقعة على هذه البسيطة، عندما يمنح الله هذه البقعة من الطبيعة والثروة والجمال ما يفوق غيرها ، وعندما يوفق الله سكانها لإقامة نظام عادل يحفظ للإنسان كرامته ويمكنه من ممارسة حرياته الأساسية هنا يكون للوطن معنىً سامٍ، يقع من النفس موقع الرضى، ويجعل من ذلك الوطن نقطة مضيئة في تاريخ البشرية ، مثل هذه الأوطان – على تمايزها – هي الأجمل والأرقى دائماً وأبداً، وهذه الأوطان تتمتع بولاء سكانها وانتمائهم وحبهم الذي يتجلى في مفهوم حديث مرادف لمفهوم الوطن ، وهو مفهوم الوطنية.

الوطنية هي الارتباط العاطفي بالوطن والولاء والانتماء والتضحية التي تعبر عن تلك العاطفة وذلك الارتباط، إن حب الإنسان لوطنه هو امتداد لحب الإنسان لذاته وأسرته ومجتمعه، والوطنية في الاصطلاح الحديث تعني ولاء الإنسان الصادق وانتماءه الحقيقي للدولة التي يحمل جنسيتها ، ولعل من أفضل التعريفات للوطنية من منظور إسلامي ما قدمه الدكتور زيد الزيد ؛ إذ عرّف الوطنية بأنها : "قيام الفرد بحقوق وطنه المشروعة في الإسلام"(8) .

الـدولـة:

مع التكاثر السكاني وتضارب المصالح كان لابد أن تبدأ الجماعات الإنسانية في تنظيم نفسها، وتظهر من بينها الزعامات التي تقودها وتنظمها وتحمي مصالحها ، ثم تلا ذلك ظهور بعض أشكال المجتمعات المنظمة المستقرة المبنية على الارتباط بالأرض وإعمارها واستغلال ثرواتها.

هذه هي البذور والجذور الأولى لمفاهيم الدولة والسلطة العامة والقيادة السياسية والعسكرية في مواجهة الآخر ومنع التعديات بين أعضاء الجماعة نفسها، وقد ظهرت الدول والحضارات في الشرق قبل الغرب " حضارات العراق ومصر والصين وجزيرة العرب والشام" قبل قيام حضارات الغرب " الإغريقية والرومانية" ، أما تاريخنا الإسلامي فقد ترسخت فيه مفاهيم السلطة والسلطان منذ أن أسس الرسول e دولة الإسلام ثم الخلافة الراشدة فالدولة الأموية فالعباسية فالعثمانية وما عاصرها من دويلات وكيانات إسلامية في الشرق والغرب ، وأخيراً تبلور مفهوم الدولة الوطنية في القرن السابع عشر الميلادي ، وترسخ أكثر في القرن الحالي بعد أن انحسر الاستعمار الغربي المباشر ، واستقلت معظم شعوب الأرض ، وكونت دولها الوطنية.

وكان المفكرون الإغريق أكثر من اشتغل بالتنظيم السياسي ، ولعل أشهر تعريف تقليدي للدولة هو تعريف أفلاطون :

"جماعة من أناس متساوين أحرار ، يرتبطون فيما بينهم بأواصر الأخوة، ويطيعون لبقاء النظام في المدينة وللحكام المستنيرين أولي الرعاية والحزم الذين اتخذوهم رؤساء، ويخضعون للقوانين التي ليست إلاّ قواعد العدل ذاته"(9) .

وقد عني المفكرون على اختلاف مشاربهم بمفهوم الدولة وشكلها وتطورها ، وهناك تعريفــات متعددة واجتهادات متباينة قديماً وحديثاً ، ويهمنا الإشارة إلى أن ركائز الدولــــة في الإسلام تقوم على الشورى والعدل والمساواة بالمعنى الإسلامي لهذه المبـــــادئ(10) .

ولا شك أن الحديث عن مفهوم الدولة وأصول الحكم وأشكاله القانونية هو أمر متشعب، ليس هذا مكانه، ولعله يكفي هنا إعطاء نبذة موجزة عن الدولة الوطنية المعاصرة .

 

الدولة الوطنية :

ظهر مفهوم الدولة الوطنية Nation State في أعقاب اتفاقية ويستفاليا عام 1648م ، وهي اتفاقية السلام التي أعقبت حرب الثمانين سنة بين الأسبان والهولنديين وما تبعها من اتفاقيات أضعفت الحكومات المركزية وسيطرة الكنيسة مقابل الدولة الإقليمية التي تتمتع بتجانس سكاني وديني واجتماعي ، وعلى أثر ذلك بدأت أوروبا الحديثة تتكون على أساس قومي ديموقراطي علماني(11) .

ومن زاوية أخرى وضعت اتفاقية مونت فيديو الموقعة بين الدول الأمريكية عام 1933م شروطاً أربعة ؛ لكي تتمتع الدولة الوطنية بشخصيتها القانونية الدولية:

1– شعب دائم.

2– إقليم موحد.

3– حكومة تتولى السلطة.

4– أهلية الدخول في علاقات مع الدول الأخرى(12) .

ولقد تكاثرت الدول الوطنية بعد الحربين العالميتين وخصوصاً بعد الحرب الثانية ؛ إذ أدت حركات التحرر إلى استقلال كثير من مناطق العالم من السيطرة الاستعمارية، وناضلت الشعوب من أجل تكوين دولها الوطنية واكتساب الشرعية الدولية عن طريق إقامة العلاقات الخارجية والانتساب إلى المنظمات الدولية ، وفي مقدمتها الأمم المتحدة.

إذن فالدولة الوطنية تقوم على ثلاثة أركان:

الركن الأول : الأرض: وهي المساحة الجغرافية التي تقوم عليها الدولة بما لها من امتدادات مائية وجوية ، والتي تمارس الدولة فيها حقوق السيادة ، ويمارس الشعب نشاطه الاقتصادي والسياسي والاجتماعي ، والدولة الوطنية لها حدود جغرافية تثبت عن طريق الاتفاقيات الحدودية مع الدول المجاورة ، وتودع عادة لدى المنظمات الإقليمية والدولية من أجل اكتساب الشرعية الدولية ومنع الاعتداءات بين الدول ذات الحدود المشتركة.

الركن الثاني:  الشعب: ويتمثل بمجموع سكان الإقليم أو الأقاليم التي يقوم عليها كيان دولتهم ممن يحملون الهوية الوطنية ، ومن دعائم هذا الركن درجة التجانس الديني والعرقي والحضاري.

الركن الثالث: السيادة: وهي السلطة العامة العليا والمستقلة للدولة الوطنية على أراضيها وحقوقها وشعبها ، والحقوق والمسؤوليات والواجبات السيادية منوطة بحكومات الدول الوطنية بقدر ما لها من شرعية عقائدية وتاريخية وقبول سياسي داخل الدولة وخارجها، والحكومات تفرض الانصياع للقوانين الوطنية، كما تفرض الأمن والنظام، وتحفظ الحقوق الخاصة والعامة ،  وتمارس حقوق السيادة داخلياً وخارجياً ، ومن الواجبات المهمة للحكومات حماية شعبها وأراضيها ومياهها الإقليمية وأجوائها من الاعتداءات الخارجية ، ولا توجد سلطة عالمية عليا تفرض الأمن والنظام على مستوى العالم ، فلا سلطة أعلى من الحكومات الوطنية ، ولا يمكن إرغام الحكومات والشعوب على قبول ما لا يريدونه ، إلاّ أن المنظمات الإقليمية والدولية والقوى العالمية لها تأثير وإن كان محدوداً.

 

الأمـــن الوطني :

سبق الحديث عن الأمن والوطن والدولة الوطنية ، والحديث عن الأمن الوطني هو الحديث عن هذه المفاهيم مجتمعة ، بدأ ظهور مفهوم الأمن الوطني في العقود الأخيرة بعد أن ترسخ في التطبيق في الولايات المتحدة الأمريكية ، ثم في الدول الغربية المتقدمة، وتجربة الدول الغربية ومفاهيم الحكم فيها ربما لا تسمح باستعارة سياسات الأمن الوطني وتطبيقها في دول العالم الثالث ، أو تلك التي لم تستقر سياسياً ، ولم تضع قدمها على طريق التقدم السياسي والاقتصادي والتطور الاجتماعي.

يفرق بوزان بين الـدول الوطنيـة الضعيفـة جداً( الهشــــة ) والدول القويــة(المتماسكة )، وبينهما ألوان الطيف من الدول الوطنية ، والمقياس هنا ليس في عناصر القوة المعروفة مثل المساحة والسكان والموارد والقوات العسكرية، بل في جانبين مهمين:

        أ‌ -        قوة النظام السياسي السائد في الدولة وتماسكه وعدالته.

      ب‌ -      قوة المجتمع وتماسكه ودرجة قبوله للنظام السياسي.

     الدول الضعيفة – وهنا نذكر بأن الضعف ينصب على الأمن الوطني – تتميز بواحدة أو أكثر مما يأتي :

أ  الفتن الداخلية والعنف السياسي . 

ب – تغيير حديث في طبيعة النظام السياسي .     

ج – الاستخدام المتعمد للقوة في الحياة السياسية .

د  الاختلافات العقدية التي تنعكس في صراع سياسي داخلي .

هـ – عدم وجود إجماع شعبي عام على هوية وطنية متميزة وواضحة الخصائص.

و – عدم وضوح للهرمية السياسية وتوازن السلطات.

ز – صغر حجم الطبقة المتوسطة التي تكون عادة المحرك السياسي الواعي للمجتمع.

وكلما وجد عامل أو أكثر من هذه العوامل في دولة ما اقتربت من الضعف ، والعكس صحيح ، كلما اختفت هذه الظواهر كلياً أو جزائياً اقتربت الدولة من القوة ، والقوة والضعف ينعكسان بطبيعة الحال في حجم الأخطار والتهديدات التي يواجهها الأمن الوطني لدولة ما(13) .

دول العالم الثالث تتصف في تكوينها ووضعها الحالي بأكثر من عامل من عوامل الضعف السابقة ، وفوق ذلك فهي تعيش ضعفاً من نوع آخر يتمثل في هشاشتها الاقتصادية والاجتماعية ، وفي نزاعاتها الحدودية ، وفي سيطرة العالم الغربي المتقدم على التقنية والاقتصاد والأسواق والمنظمات الدولية ، بل إن الغرب يتدخل ويؤجج الصراعات الإقليمية والداخلية بدعوى حماية مصالحه وتعزيز أمنه الوطني ، إن الضعف يستدعي الضعف ، والقوة لا تستمد إلا من التماسك الداخلي وتعزيز عناصرها الداخلية أولاً.

سياسات الأمن الوطني في دول العالم الثالث تظهر الخصائص الآتية :

        أ‌ -        التركيز على الأخطار الخارجية.

      ب‌ -      التركيز على القوة العسكرية مقابل السياسات والمبادرات والإستراتيجيات .

      ت‌ -      استعارة مفهوم الأمن الوطني وتقنياته الغربية مع الفروق الكبيرة في البيئة الأمنية والخلفيات التاريخية والسياسية(14) .

والملحوظ أن معظم دول العالم الثالث تواجه بيئة وظروفاً أمنية داخلية وإقليمية مختلفة عن تلك السائدة في العالم الغربي المتقدم ؛ فمعظم هذه الدول ضعيفة في المحيط الدولي فرادى ومجتمعة ومتنازعة إقليمياً ، وتماسكها الداخلي مهدد.

إن عدم الاستقرار وهشاشة البيئة الأمنية تجعل معظم هذه الدول في مرحلة ما من تاريخها عرضة للسقوط في الدائرة المفرغة للقلاقل والفتن والخوف والتقلبات السياسية والتفكك السياسي والاجتماعي .

وفي مثل هذه الأوضاع السائدة في العالم الثالث فإنه يمكن القول: إن إستراتيجيات الأمن الوطني يجب أن تنصب على تحديد الأخطار التي تواجه هذه الدول ، ودرجة احتمال وقوعها وأهميتها للأمن الوطني، ثم تحديد القدرات والسياسات لمواجهة هذه الأخطار ، وهذا بلا شك أمر بدهي ومطلوب ، ليس فقط لدول العالم الثالث ، بل لجميع الدول ، ويشير أحد الكتاب إلى أهمية التفريق بين الوسائل والقدرات والإمكانــات الماديــة والعقيدة الإستراتيجيــة وبنيـة القوات العسكرية وخيارات التسليح(Hardware ) من جهة، والشرعيــــة السياسية والتكامل والتماســـــك والقدرة على وضــع السياسات(Software  ) من جهة أخرى(15) .

إن كل دولة لها بيئتها الأمنية داخلياً وإقليمياً ودولياً، ولها مقوماتها وظروفها التاريخية والاجتماعية والسياسية ، ومن البدهي أن كل دولة يجب أن تحدد مصالحها الوطنية ودرجة أهميتها وأولوياتها والأخطار الداخلية والخارجية المحتملة ودرجة احتمال وقوعها ، ثم تضع السياسات والخيارات لتعزيز أمنها الوطني وحماية مصالحها باستخدام كل الوسائل المتاحة. 

     إن تعريف مفهوم الأمن الوطني بأنه حماية الدول الوطنية من التهديد الخارجي هو تعريف قاصر وضيق وخادع ، والقوة العسكرية ليست دواءً عجيباً للقضايا الأمنية بالرغم من ضرورتها ، إن السياسات الداخلية لتعزيز الشرعية السياسية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية تعزز الأمن الوطني بقدر ما تحميه القوة العسكرية من الفتن والأخطار الداخلية والخارجية(16) .

العالم في تاريخنا المعاصر شهد متغيرات جديدة ، ويشهد متغيرات تستجد باستمرار مثل : تشابك المصالح الدولية ، والتطور التقني والصناعي والعلمي ، وتطور صناعة النقل والاتصالات ، وهيمنة الدول الكبرى ، وتغير النظام الدولي باستمرار ، وزيادة عدد الدول الوطنية ، وزيادة توقعات المواطنين ، وارتفاع وعيهم في كل الدول ، واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء ، وزيادة وتطور الجرائم العابرة للحدود ، وغيرها من المتغيرات(17).

وإستراتيجيات الأمن الوطني لها جانبان : الجانب الأول السعي الدائب لحماية المصالح وفتح الآفاق أمام الدولة وشعبها للتقدم والرفاه من خلال التفاعل الإيجابي الداخلي بين عناصر الدولة البشرية والمادية والخارجي إقليمياً ودولياً ،  أما الجانب الأخر فهو السعي لحماية كيان الدولة من الأخطار والتهديدات المحتملة داخلياً وخارجياً؛ فأي تهديد لأي من عناصر الدولة الثلاثة الشعب أو الأرض أو السيادة مجتمعة أو متفرقة هو تهديد للأمن الوطني بدرجة أو بأخرى.

وتقوم إستراتيجيات الأمن الوطني على مقومات أساسية ، أهمها:

أولاً – المقوم العقدي: ويقصد به : العقيدة ومنظومة القيم السائدة في المجتمع ، ومدى قبولها بين مختلف الفئات ، ومدى تمثلها في بقية المقومات الأخرى.

ثانياً  المقوم السياسي: ويقصد به : شكل الحكم ومؤسساته ، وقدرتها على تحديد الأهداف والمصالح الوطنية بدقة ، ثم وضع السياسات والإستراتيجيات والخطط، وتحديد الخيارات المتاحة لتحقيق هذه الأهداف وتعزيز المصالح الوطنية وحمايتها.

 ثالثاً    المقوم الاقتصادي: ويقصد به القاعدة الاقتصادية والموارد الطبيعية ودرجة التقدم وأسس النظام الاقتصادي المطبق وعوامل النمو والتطور.

رابعاً – المقوم الجغرافي – السياسي(الجيوبولوتيكي) – : ويقصد به الموقع والمساحة والتوزيع السكاني وأقاليم الدولة ووضعها بين جيرانها.

خامساً– المقوم الاجتماعي : ويقصد به الطبقات والفئات والطوائف المكونة للمجتمع ودرجة التجانس في المجتمع المعني .

سادساً– مقومات القوة: وفي مقدمتها القوة العسكرية ودرجة الاستفادة من المقومات السابقة.

إن هذه المقومات متداخلة فيما بينها ، ويؤثر بعضها على بعض ، وإذا اختل أي منها فإن ذلك يشكل ثغرة يمكن أن يؤتى منها الأمن الوطني ، وهي في الوقت نفسه تحدد قضايا الأمن الوطني وسياساته وإستراتيجياته.

ولإستراتيجيات الأمن الوطني ثلاثة مستويات :

‌أ -     المستوى الوطني : ومجاله الأمن الداخلي ، وأداته السياسة الداخلية .

‌ب - المستوى الإقليمي: ومجاله الأمن الإقليمي بالتعاون مع دول الجوار الجغرافي والإقليم الذي توجد فيه الدولة وأداته السياسية الخارجية الإقليمية .

‌ج - المستوى الدولي : ومجاله العلاقات الدولية والمنظمات الدولية والتعاون الثنائي أو الجماعي والأمن الدولي ، وأداته السياسة الخارجية الدولية.

  هذه المستويات والمتغيرات والمقومات تشكل الأسس والمنطلقات والمحددات والخيارات التي تبنى عليها إستراتيجية الأمن الوطني(18) .

 

 

 

2– المنجزات الكبرى للملك عبدالعزيز :

من الصعب الإحاطة بكل جوانب الإنجاز التاريخي الكبير لرجل مثل الملك عبدالعزيز ، ولكن لأغراض هذا البحث يمكن إيجاز هذه المنجزات على النحو الآتي :

المنجز الديني :

بسبب الجهل والتخلف انتشرت بعض البدع والخرافات في بعض مناطق الجزيرة العربية ، ولم يظهر في جزيرة العرب من يعيد للإسلام أثره في السياسة الشرعية ، ولولاية الأمـر أساسها الإسلامـي وهيبتها ، إلى أن جاءت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب  –يرحمه الله–  لتعيد للعقيدة الإسلامية صفاءها ونقاءها ، ثم جاء اتفاق الدرعية بين الشيخ والإمام محمد بن سعود – يرحمه الله – لتنهض بذلك الدولة السعودية المباركة.

ومن نافلة القول: إن الدولة السعودية في أدوارها المختلفة قامت على أساس الجهاد في سبيل الله والدعوة إلى عودة المسلمين إلى العقيدة الصحيحة والشريعة السمحة، كما جاء بها نبي الهدى عليه أفضل الصلاة والسلام ، والتركيز على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله القولية والفعلية والتقريرية أولاً ثم سيرة الصحابة  والتابعين وأئمة أهل السنة والجماعة والسلف الصالح ، لكن هذه الدعوة واجهت المصاعب والمشكلات والأعداء من داخل بلاد المسلمين نفسها ومن خارجها ، وكانت النتيجة تدميرية على الدولة السعودية في دورها الأول والثاني ، وبالرغم من أن هذه الدعوة بلغت كثيراً من الأقاليم ، وكان لها أصداء بل أتباع في جميع أقاليم الجزيرة وفي خارجها ، إلا أن الكيان السياسي الذي يحميها انهار مرتين متتاليتين لأسباب وعوامل وضغوط خارجية وداخلية.

وعندما نهض الملك عبدالعزيز ليؤسس الكيان المعاصر للملكة العربية السعودية كانت تحكمه المبادئ نفسها التي حكمت أسلافه ، وهي الدعوة والجهاد وإقامة دولته على أسس من الشريعة الإسلامية السمحة ، وقد نجح أيما نجاح ، لقد جاء هذا المنجز ليمثل حجراً أساساً ، أقام عليه عبدالعزيز مشروعه التاريخي ، وكانت أهم مظاهره ما يأتي :

أ – التفاف كثير من علماء البلاد ورجالاتها حول الملك عبدالعزيز منذ البداية من أجل هدف معلن ، هو إعلاء كلمة الله.

ب – إحياء رسالة المسجد في المجتمع ، وإقامة حلقات الذكر والدعوة لتصحيح ممارسات المجتمع المخالفة للعقيدة الصحيحة .

ج – إنشاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوعظ والإرشاد الديني ؛ ليعود مفهوم الحسبة الإسلامي مطبقاً في الواقع.

د – طباعة كتب العقيدة والحديث على نفقة الملك عبدالعزيز .

هـ – إحياء أثر القضاء الشرعي بعد أن لجأ المجتمع إلى الأعراف في وقت سيادة الجهل والفرقة والتخلف.

و – إحياء نظام العقوبات الشرعية من خلال الإصرار على تطبيق الحدود.

ز – إحياء  عقوبات التعزير وتطبيق حق ولي الأمر والحق العام للمجتمع على الجاني أو الجناة.

ح – إقامة القضاء وتعيين القضاة وإجراء الرواتب المجزية لهم، وإنشاء المحاكم الشرعية والمراقبة القضائية، وتعيين كتاب العدل، وإنشاء بيوت المال، ورئاسة القضاء والمحاكم التجارية.

ط – ولعل أهم الإنجازات في هذا المجال هو النجاح الكبير فيما يخص أمن الحج والحجاج والحرمين الشريفين وإعمارهما ، إن الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام الذي هو جامعة المسلمين السنوية ، إن أمن حجاج بيت الله وزوار مسجد نبيه e وأمن الأماكن والمشاعر المقدسة حظيت باهتمام بالغ ، وأخذت أولوية قصوى منذ انضمام الحجاز إلى حكم الملك عبدالعزيز.

لقد عاد للإسلام نقاؤه وصفاؤه ودولته في جزيرة العرب ، وهذا أهم إنجازات عبدالعزيز على الإطلاق ، الإسلام هو الأساس المتين والحصن الحصين والقاعدة الصلبة للأمن الوطني للمملكة العربية السعودية.

 

المنجز السياسي :

المنجز السياسي للملك عبدالعزيز إنجاز عظيم بكل المقاييس ؛ فقد أقام دولته الوطنية في قلب العالمين العربي والإسلامي في أقصر الأوقات بإمكانات محدودة جداً على أسس ومبادئ راسخة نابعة من العقيدة الإسلامية والشريعة السمحة التي هي عقيدة المجتمع العربي المسلم في جزيرة العرب موئل العروبة ومهبط الوحي ومهد آخر الرسالات ، لقد أقام دولته في زمن قصير نسبياً في مجتمع كان متخلفاً في السياسة والاقتصاد ومبتعداً عن عقيدته بسبب الجهل والتخلف.

إن أول عناصر الإنجاز السياسي للملك عبدالعزيز كان في إقامة نظام حكم يستند إلى مرجعية واضحة، وهي المرجعية العربية الإسلامية ، ولم ينطلق هذا من فراغ بل من خلفية تاريخية مرتبطة أشد الارتباط بالإسلام في نقائه وصفائه ، إنها خلفية آبائه وأجداده الذين ساندوا دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب يرحمه الله ، وبهذا أصبحت مرجعية نظام الحكم مستندة إلى شرعية تاريخية مبنية على روح الإسلام ومبادئه وأحكامه ، نظام الحكم هذا بدأه عبدالعزيز محارباً كأي محارب آخر من جنده ، وأكمل بناءه ملكاً متوجاً على عرش المملكة العربية السعودية.

أما ثاني عناصر الإنجاز السياسي فيتمثل في الوحدة السياسية الكبرى التي تحققت على يد الملك عبدالعزيز رحمه الله ، لم يكن عبدالعزيز من القادة الذين تغريهم انتصاراتهم ، فيتوسع إلى نقطة يجد نفسه فيها غير قادر على مواجهة الأعداء الداخليين والخارجيين ، ولكنه لم يكن ليقنع أيضاً بما دون الوحدة الكبرى للمناطق التي تشكلت منها المملكة العربية السعودية ، منجز الوحدة هو أهم عناصر الإنجاز السياسي.

إقامة الدولة الوطنية الحديثة هو العنصر الثالث من عناصر الإنجاز السياسي ، لقد كان ممكناً أن يكون الوطن أوطاناً ، والشعب شعوباً ، ونظام الحكم أنظمة، غير أن إصرار عبدالعزيز على وحدة الأرض والشعب ونظام الحكم هو الذي مكَّن عبدالعزيز من إقامة دولته الوطنية بأركانها الثلاثة، لقد كان الكيان يكبر ويتسع ، وقائد واحد يقف وراء كل ذلك هو الملك عبدالعزيز ، يسانده رجال صدقوا ما عاهدوا عليه، واستمرت فتوحاته حتى في زمن الاستقرار ، فقد كان يبني الأسس والمؤسسات ، حتى توفاه الله ، الدولة الوطنية بكامل مقوماتها وعمقها الإستراتيجي كانت الحصيلة والجائزة الكبرى لجهاد طويل لعبد العزيز وشعبه.

وتتمثل إنجازات عبدالعزيز السياسية أيضاً في اهتمامه بتثبيت حـدوده وتأمينها مع دول الجوار وإسهامه على المستوى العربي والإسلامي في دعم حركات التحرر من الاستعمـار ، وكان الملجأ والمعين الأول لزعمائها ، كما كان أول المهتمين بالقضية الفلسطينية ، وعلى المستوى الدولي وقف مع الحلفاء في الحربين العالميتين وخصوصاً الحرب العالمية الثانية ، في هذا ذكاء سياسي ؛ إذ إنه عرف بحسه وخبرته العسكرية والسياسية أن الحلفاء سيخرجون منتصرين ، وقد حظي بتقدير زعماء العالم الحر، وعلى رأسهم زعيما الحلفاء في حينه تشرشل وروزفلت.

ومن جهة أخرى فقد كان من المؤسسين للجامعة العربيـة علـى المستوى الإقليمي، وللأمم المتحدة على المستوى العالمي ، وقد عاش عبدالعزيز بن عبدالرحمن حتى رأى دولته الوطنية وهي تعيش مجداً سياسياً ومركزاً إقليمياً ودولياً قل نظيره.

إن البناء السياسي الذي أرسى قواعده الملك المؤسس يتمثل في النظام الملكي السعودي التاريخي الذي يستند على مرجعية عربية إسلامية واضحة ، ويحتل حجر الأساس للدولة الوطنية السعودية المعاصرة ، كما يتمثل في المؤسسات السياسية التي ترجع جذورها وبداياتها إلى عهد الملك عبدالعزيز يرحمه الله.

 

المنجــز الأمني :

مما لا شك فيه أن الأمن كان في رأس قائمة أولويات الملك عبدالعزيز ، وكان فقدانه دافعاً له، وتحقيقه هدفاً له، ولم يكن ذلك ليتحقق في غياب المنجزين الديني والسياسي، إن من أعظم ما كان يفخر به الملك عبدالعزيز هو إنجازه الأمني ، يقول عبدالله فيلبي: " وأعظم إنجازاته هو أنه في خلال خمسة وأربعين عاماً من مدة حكمه الطويلة حَوَّلَ واحداً من أكثر بلدان العالم اضطراباً إلى دولـة يسودها السلام والأمن والنظام "(19) .

إن إعلان الملك عبدالعزيز أنه سيقيم حكمه على مبادئ الشريعة الإسلامية ثم إصراره على تطبيقها في كل المجالات خصوصـاً في مجال الأمن كان له فعل السحر على الواقع الأمني ، لقد أمن الناس على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ، وبدؤوا يستشعرون مجدداً عظمة الإسلام ، كما أصبح المسافر يقطع الجزيرة طولاً وعرضاً من غير خوف .

إن تحقيـق الأمن نتيجة منطقية للمنجز الديني وللفعل المركزي السياسي عن طريق ممارسة الولاية الشرعية وتحكيم الشريعة في المنازعات والخصومات والحقوق وإقامة القضاء الشرعي وتحضير البادية وتوطينهم وتحريم الغزو للسلب والنهب وترسيخ حقوق الولاية نفسها وعلاقة الحاكم والمحكوم ، إضافة إلى الحزم في مواجهة الأحداث والجرائم التي ترتكب إما ضد الناس وممتلكاتهم وأعراضهم أو ضد عقولهم وعقيدتهم وولايتهم الشرعية .

لقد أمَّن الملك عبدالعزيز حدوده ضد الجرائم العابرة للحدود ، وذلك عن طريق المعاهدات مع دول الجوار، وفوق ذلك كله لقد جعل أجهزة الدولة ، وفي مقدمتها الإمارات أجهزه أمنية ، ثم أنشأ أجهزة أمنية على حسب مقتضيات الحال والظروف ، وطورها ؛ ليؤمن بلداً شاسعاً ضد الجهل والإفساد في الأرض والتعدي على الآمنين وعابري السبيل وحجاج بيت الله الحرام ، لقد كان الملك حازماً ، واستصنع رجالاً يثق في حكمتهم وحزمهم وتقديرهم للمواقف، فلم يترك للعاطفة مجالاً أمام عبث العابثين، وإن كان العفو من شيمه يرحمه الله .

إن من أهم وسائل الملك عبدالعزيز – رحمه الله – في الشأن الأمني اهتمامه الكبير بعقاب المجرم سواء كان مجرماً عادياً أو مثيراً للفتنة ، ولم يكن يغمض له جفن إلا وقد أمسك بالمجرم ، وأحاله للقضاء الشرعي ، وأطفأ نار الفتنة ، ولم يكن يستهين بأي تحد يواجهه أو يقف في وجه فرض الأمن والاستقرار ، فقد كان يعد للأمر عدته ، ويستنفر قوة تزيد على الحاجة لضمان سيطرته على الأمر وإنهاء التحدي ومنع الاختلالات الأمنية ، يقول الملك عبدالعزيز محدثاً المجتمعين في مؤتمر الشعراء في جمادى الأولى عام 1348هـ ، يصف فلول الخارجين على الولاية الشرعية : " خرجوا عن الطاعة ، وفارقوا الجماعة ، وظاهروا المارقين ، فخفروا ذمة المسلمين ، وأفسدوا في الأرض ، وقطعوا السابلة ، وأخافوا الأمن ، وقتلوا البريء "(20) ، وكان يحكم الشريعة في كل شيء، وعندما يكون للأمر بعداً سياسياً كان يسعى إلى إجماع الأمة في مواجهة الفتنة على أسس شرعية قوية.

ومن أهم الأسس التي قام عليها المنجز الأمني هو أنه عندما ينضم إقليم من أقاليم هذا الكيان الكبير صلحاً أو فتحاً كان الملك عبدالعزيز يبادر إلى فرض الأمن والنظام وتطبيق الشرع في ذلك الإقليم ، فنلحظ أن الملك عبدالعزيز – يرحمه الله – يبدأ بالأمير، فيعينه ، ويكلف معه فريق عمل ميداني هم الخويا الذين يحملون السلاح، ويفرضون هيبة الحكم الجديد ، ثم يعين القاضي والمرشد الديني الذي يكون له الاحترام والمقام الأرفع جنباً إلى جنب مع الأمير ، ثم يطلب من الأمير والقاضي وأعوانهم تطبيق شرع الله وفرض الأمن والنظام . إن هذا بحق هو حجر الأساس لبناء نظام أمن وطني مبني على شرع الله وعلى الولاية الشرعية .

لقد رفع الملك عبدالعزيز الأمن والمسؤولية الأمنية لولي الأمر والحكومة إلى مستوى قلَّ أن شهدته الجزيرة العربية في تاريخها.

 

المنجز الاقتصادي والاجتماعي :

 عندما تحرر الناس من الخوف وجَّهوا جهودهم لتحسين أحوالهم بدلاً من  المنازعات وإضاعة الجهود الموجهة للدفاع عن النفس والمال والعرض ، كما أن تحقق أمن القوافل والتجارة جعل التجارة الداخلية والخارجية  على ضعفها  تزدهر وتتنامى ، لقد استقر الناس، وزادت حركة تنقلهم ، مما أسهم في بعث روح اقتصادية ومبادرات فردية حسَّنت من دخول الناس ومستوى معيشتهم . إن أهم أسس المنجز الاقتصادي تتمثل  فيما يأتي :

‌أ - عدم تقييد الحريات عموماً ، وخصوصاً الحريات الاقتصادية، وهذا يتماشى مع روح الإسلام الذي حفظ للإنسان كرامته وفطرته في حب التملك المشروع .

‌ب -  إحياء دور الدولة في جباية الزكاة وإنفاقها في مصارفها الشرعية .