تحتفل المملكة العربية
السعودية بالذكرى المئوية الأولى لدخول الملك عبدالعزيز مدينة الرياض مظفراً في 5
شوال 1319هـ، لقد كان ذلك الفتح هو النبتة التي نمت وكبرت وتفرعت حتى أصبحت شجرة
طيبة وارفة الظلال ، أصلها ثابت ، وفرعها في السماء، لقد جاهد الملك عبدالعزيز
ورجاله لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن ، حتى أبدل الله بالشتات والفرقة الوحدة ،
وأبدل بالاضطراب والاحتراب الأمن الوارف ، وبالجهل والتخلف العلم والتقدم.
وإذا استثنينا عهد الرسول e
والخلافة الراشدة فإنه يمكن القول: إن الأقاليم التي تكونت منها المملكة العربية
السعودية لم تشهد في تاريخها دولة بهذا العز والتنظيم وبهذه الوحدة ، ومن ثم لم
تشهد حقبة آمنة كالتي عاشتها وتعيشها في العقود الأخيرة منذ أن استقر البناء
السياسي للمملكة العربية السعودية التي تمثل حجر الأساس والمعول عليه بعد الله
للأمن الجماعي لدول شبه الجزيرة العربية ، وفي مقدمتها الدول الشقيقة الأعضاء في
مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
هذه الورقة تمثل إسهاماً متواضعاً
واستعراضاً شاملاً لمؤسسات الأمن الوطني لهذا الكيان الزاهر وخلفيته التاريخية
ومؤسساته وقضاياه، وغني عن القول أن الأمن الوطني للمملكة هو موضوع واسع مهم
ومتشعب وحساس، وله أبعاده ومحدداته وخصوصياته، ولن تستطيع هذه الورقة إلاّ الإسهام
بقدر ما تحمل في مضمونها من منهجية أو أفكار وتصورات واستقراء.
أما الأمن الوطني للمملكة العربية السعودية
في إستراتيجيته وسياساته وتحليلاته فهو موضوع يحتاج إلى مراكز بحث إستراتيجية
متخصصة ، تعقد من أجله الندوات، وتشجع البحوث، وتجمع المعلومات، وتتابع المستجدات،
وتقدم الرأي والتحليل، وهو فوق ذلك موضوع يجب أن يجذب الباحثين من مختلف التخصصات
والاهتمامات وبخاصة السياسية والاقتصادية والأمنية والدفاعية.
والأمن الوطني بطبعه موضوع متجدد بسبب
ارتباطه بالمتغيرات السياسية وغير السياسية، وبسبب تبدل الظروف والمستجدات ونشوء
الأزمات وتغير المصالح بين وقت وآخر.
هذه الورقة ليست إلاّ محاولة استقرائية
بمنظور تصنيفي شامل لمؤسسات الأمن الوطني وقطاعاته في المملكة العربية السعودية .
والله الموفق .
1–
مفاهيم أساسية :
لعل من المناسب تقديم بعض المفاهيم الأساسية قبل الدخول إلى جوهر موضوع
هذه الورقة ، وذلك على النحو الآتي :
الأمــن :
الأمن نقيض الخوف ، ففي غياب الخطر والخوف
لا معنى للحديث عن الأمن ، والخوف الذي يعتري النفوس والأفراد والمجتمعات يأتي من
مصادر تهديد وأخطار متعددة.
والأمن – ونقيضه الخوف – حالة نفسية ،
والفرد يكون خائفاً أو آمناً نسبة لما يتعرض له من تهديد في نفسه أو ماله أو عرضه
أو عقله أو دينه، وكلما انحسر خوف النفوس زاد أمنها وطمأنينتها ، والعكس صحيح، ولا
شك أن زوال خوف الفئات المنحرفة المجرمة من سلطة الولاية الشرعية يجعلها تعيث في الأرض فساداً وإجراماً.
وقد وردت كلمة الخوف في القرآن الكريم
في مواقع كثيرة ، وجاءت تقريباً بكل الألفاظ والمعاني المشتقة من الجذر " خاف
" ، وجاء الخوف ابتلاء وعقوبة إلهية، يقول الله سبحانه وتعالى: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ
الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ
وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ }(1) ،
ويقول سبحانه وتعالى : {
وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً }(2) ،
كما جاء الخوف في القرآن الكريم مقروناً بالحزن والهم والكربة ، ولا يحرر النفس
البشرية من ذلك إلاّ الإيمان الراسخ بالله سبحانه وتعالى، والآيات في ذلك كثيرة ،
منها قوله سبحانه وتعالى:{
فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ }(3)، ويقول تعالى : { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ }(4) .
وجاء الخوف دائماً بمعناه المناقض
للأمن والطمأنينة ، يقول تعالى: {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ
مِنْ خَوْفٍ}(5) ويقول تعالى: { رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً
آمِناً}(6)،
والخوف يكون إيجابيًا من ناحيتين فقط :
أولاً: إخافة من هم مصدر خطر على الأفراد والمجتمعات أمر
إيجابي ؛ لأنه يولد الأمن ، ويمنع الاعتداءات ، ويقلل الأخطار.
ثانياً: خوف الأفراد والمجتمعات يجعلها تحتاط ، وتستعد
للأخطار ، وهذا أمر إيجابي أيضاً.
وهنـاك
مفهومـان أساسـان لـلأمن ، هـمـا :
أ - الأمن الجنائي :
وهو أمن الضرورات الخمس : النفس ، والعرض ، والمال ، والدين ، والعقل . وأمن
المجتمع من أمن أفراده ، فبقدر ما يكون الأفراد آمنين بقدر ما يكون المجتمع آمناً
، ويلحظ أن أربعاً من هذه الضرورات(النفس والعرض والدين والعقل) مرتبطة بذات
الإنسان ، أما الخامسة(المال) فهي خارجة عن ذات الإنسان.
ب - الأمن الوطني: وهو
مفهوم حديث ، بالرغم من أنه في الممارسة منذ استقرار الإنسان وتنظيم مجتمعه وتحضره
، ويقصد بالأمن الوطني أمن الدولة في عناصرها الأساسية: الشعب ، والأرض ، والسيادة
، ونظام الحكم ؛ من حيث حفظ حقوق مواطنيها الخاصة والعامة ، ومن حيث منع
الاعتداءات على سيادة الدولة وكيانها من الفتن الداخلية والاعتداءات الخارجية.(وسنتطرق
بشكل مفصل إلى الأمن الوطني في مكان آخر من هذه الورقة).
والأمن
له جانبان :
أ - جانب نفسي :
يتمثل في تأرجح الأفراد والمجتمعات بين الأمن والخوف والطمأنينة والاضطراب نتيجة
لما يواجهونه في أوقات الأزمات والكوارث الطبيعية وتزايد الاعتداءات المادية واحتمالاتها،
إن انتشار جرائم الاغتصاب والسرقات وقطع الطرق تولّد رعباً وآلاماً نفسية في
المجتمع ، ربما لا تقل عن تلك التي عانى منها من يعاني من هذه الجرائم فعلاً ، كما
أن الأزمات الوطنية والحروب والفتن التي تهدد الأمن الوطني تولّد الخوف والرعب لدى
فئات كثيرة من المجتمع حتى لو لم يتأثروا بها مباشرة.
ب - جانب مادي :
يتمثل في الآثار المادية للجرائم والكوارث والفتن والحروب والأزمات وفي
الاستعدادات المادية لمنع الجريمة والاعتداءات قبل وقوعها. يمكننا القول: إن
كثيراً من مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية بل السياسية وميزانياتها وتجهيزاتها هي
الجزء الأهم للصورة المادية للأمن ، وكما هو واضح فإن هذا الجانب المادي يستغرق
ويستهلك كثيراً من جهود الدولة الوطنية الحديثة وإمكاناتها ومواردها.
والجانبان النفسي
والمادي للأمن متقاطعان، وكل منهما يمثل سبباً ونتيجة للآخر ؛ فأي اعتداء مادي على
الأفراد أو المجتمعات أو الأرض أو الموارد لا بد أن يكون له آثار وانعكاسات نفسية
عميقة ، كما أن الرعب والتوجس والهروب والتحصن وتخزين المواد الغذائية وتهريب
الأموال والشك والتسلح بل الغلو في الوطنية لها أبعادها المادية الواضحة ، وفوق
ذلك فإن نفسيات العاملين في قطاع الأمن الوطني وقياداتهم ومعنوياتهم وثباتهم
وحكمتهم هي نفسها عوامل تؤثر في النتائج المادية لممارستهم لأعمالهم سلباً
وإيجاباً.
الهدف الذي تسعى إليه
الحكومات والدول هو إيجاد ذلك المزيج الإيجابي من الأمن النفسي والأمن المادي الذي
ينعكس في بيئة أمنية تجعل المجتمع يعيش أفضل أيامه أمناً واقتصاداً وسياسة وقيماً
وعقائد.
والردع الأمني المادي
له انعكاسات نفسية مزدوجة ، فيفترض أن الردع يخيف مصادر الاعتداء ، وتقل الجريمة
والفساد والحروب والفتن ، وفي الوقت نفسه يمنح المجتمع والفرد شعوراً بالأمن والطمأنينة،
والمبالغة في الجانب المادي للأمن قد يكون لها آثار سلبية على حريات الناس وعلى
الأموال العامة، وبالرغم من ذلك فإن الاستعداد للكوارث الطبيعية ومنع الجرائم
والاعتداءات الخارجية أصبح من ضرورات الحياة.
ونظراً
لتعقد المسألة الأمنية بكل أبعادها فإنها أصبحت في صلب اهتمامات الدول وفي رأس
قائمة أولوياتها ، وأصبحت المجتمعات الحديثة تقوم على ثلاث ركائز :
الركيزة الأولى:
الركيزة السياسية ، وهي قدرة المجتمع على تنظيم نفسه سياسياً من خلال وجود
نظام حكم واضح الخصائص راسخ الجذور ، يأخذ على نفسه تنظيم الظاهرة السياسية
وتنميتها وتثبيت العلاقة الإيجابية بين الحاكم والمحكوم ، وبين المجتمع ومحيطه
الإقليمي والدولي .
الركيزة
الثانية: الركيزة الاقتصادية التي من خلالها
يتحقق للمجتمع مستوى متقدم للمعيشة ونمو اقتصادي مضطرد ، إن وجود المجتمع في ظل
الثالوث البغيض الفقر والجهل والمرض هو وجود ناقص يحط من قدر الإنسان وكرامته.
الركيزة
الثالثة: الركيزة الأمنية التي هي شرط
ضروري لتحقيق الظاهرتين السياسية والاقتصادية واستقرارهما في مسارات إيجابية ، دون
الأمن لا يمكن الحديث عن استقرار وتقدم وتنمية سياسية أو اقتصادية .
إذن الأمن أصبح في وقتنا الحاضر مطلباً
ملحاً في كل المجتمعات ؛ حتى تستقيم أسس الحياة الحديثة بقدر ربما يفوق المطلبين
السياسي والاقتصادي أو يوازيهما ، والمطلوب هو تحقيق الأمن بما لا يعطل المسار
الإيجابي لكل من الظاهرتين السياسية والاقتصادية .
الـوطـن :
عرف
الوطن بأنه موطن الإنسان أو مكان إقامته ومحله ، ويشار عادة إلى المكان الذي ولد
وربما نشأ فيه الإنسان بالوطن الأصلي ، هذا هو المعنى العام للوطن.
أما
في الأدبيات السياسية فيعرف الوطن على أنه البلد الذي تسكنه أمة ذات حضارة وتاريخ
وارتباط وثيق بالأرض التي يعيش عليها ، وتقيم عليه كيانها السياسي والحضاري وتمارس
عليه نشاطها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي(7)
وقد جبل الإنسان وفطر
على الارتباط ببقعة معينة ، ولد أو نشأ أو عاش عليها، ومصدر هذا الارتباط وأسبابه
متعددة ، إلا أن من أهم هذه الأسباب حب التملك والتفرد والخوف من المجهول ومحدودية
قدراته على التنقل الدائم ، وفوق ذلك كله ارتباطه الاقتصادي والاجتماعي بالأرض
التي عليها يعمل ، ومن خيراتها يعيش، وفوقها يمارس حياته الاجتماعية ، وقوة
الارتباط أو ضعفها تعود لعدة أسباب ، أهمها السببان الآتيان :
أولاً : حجم
الثـروات الطبيعية ونوعها، وتنـوع البيئة الاقتصادية ، فكلما منح الله بقعة معينة
من الأرض مخزوناً ظاهراً أو باطناً من الثروات الطبيعية وكان المناخ جميلاً
ومعتدلاً وكانت المياه متدفقة عذبة أحبها الإنسان ، وارتبط بها، ودافع عنها،
والعكس صحيح.
ثانياً : قدرة الإنسان وتمكنه من ممارسة حريته العقدية
والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ، فالإنسان يرتبط أكثر بالبقعة التي تحقق ذاته
المتفردة من خلال الحريات الأساسية.
الوطن يكتسب معاني أكبر وأوسع من مجرد
بقعة على هذه البسيطة، عندما يمنح الله هذه البقعة من الطبيعة والثروة والجمال ما
يفوق غيرها ، وعندما يوفق الله سكانها لإقامة نظام عادل يحفظ للإنسان كرامته
ويمكنه من ممارسة حرياته الأساسية هنا يكون للوطن معنىً سامٍ، يقع من النفس موقع
الرضى، ويجعل من ذلك الوطن نقطة مضيئة في تاريخ البشرية ، مثل هذه الأوطان – على
تمايزها – هي الأجمل والأرقى دائماً وأبداً، وهذه الأوطان تتمتع بولاء سكانها
وانتمائهم وحبهم الذي يتجلى في مفهوم حديث مرادف لمفهوم الوطن ، وهو مفهوم
الوطنية.
الـدولـة:
مع التكاثر السكاني وتضارب المصالح كان
لابد أن تبدأ الجماعات الإنسانية في تنظيم نفسها، وتظهر من بينها الزعامات التي
تقودها وتنظمها وتحمي مصالحها ، ثم تلا ذلك ظهور بعض أشكال المجتمعات المنظمة
المستقرة المبنية على الارتباط بالأرض وإعمارها واستغلال ثرواتها.
هذه هي البذور والجذور الأولى لمفاهيم
الدولة والسلطة العامة والقيادة السياسية والعسكرية في مواجهة الآخر ومنع التعديات
بين أعضاء الجماعة نفسها، وقد ظهرت الدول والحضارات في الشرق قبل الغرب "
حضارات العراق ومصر والصين وجزيرة العرب والشام" قبل قيام حضارات الغرب
" الإغريقية والرومانية" ، أما تاريخنا الإسلامي فقد ترسخت فيه مفاهيم
السلطة والسلطان منذ أن أسس الرسول e دولة الإسلام ثم الخلافة الراشدة
فالدولة الأموية فالعباسية فالعثمانية وما عاصرها من دويلات وكيانات إسلامية في
الشرق والغرب ، وأخيراً تبلور مفهوم الدولة الوطنية في القرن السابع عشر الميلادي
، وترسخ أكثر في القرن الحالي بعد أن انحسر الاستعمار الغربي المباشر ، واستقلت
معظم شعوب الأرض ، وكونت دولها الوطنية.
وكان المفكرون الإغريق أكثر من اشتغل
بالتنظيم السياسي ، ولعل أشهر تعريف تقليدي للدولة هو تعريف أفلاطون :
"جماعة من أناس متساوين أحرار ،
يرتبطون فيما بينهم بأواصر الأخوة، ويطيعون لبقاء النظام في المدينة وللحكام
المستنيرين أولي الرعاية والحزم الذين اتخذوهم رؤساء، ويخضعون للقوانين التي ليست
إلاّ قواعد العدل ذاته"(9) .
وقد عني المفكرون على اختلاف مشاربهم
بمفهوم الدولة وشكلها وتطورها ، وهناك تعريفــات متعددة واجتهادات متباينة قديماً
وحديثاً ، ويهمنا الإشارة إلى أن ركائز الدولــــة في الإسلام تقوم على الشورى
والعدل والمساواة بالمعنى الإسلامي لهذه المبـــــادئ(10) .
ولا شك أن الحديث عن مفهوم الدولة وأصول الحكم وأشكاله القانونية هو
أمر متشعب، ليس هذا مكانه، ولعله يكفي هنا إعطاء نبذة موجزة عن الدولة الوطنية
المعاصرة .
الدولة الوطنية :
ظهر مفهوم الدولة الوطنية Nation State في
أعقاب اتفاقية ويستفاليا عام 1648م ، وهي اتفاقية السلام التي أعقبت حرب الثمانين
سنة بين الأسبان والهولنديين وما تبعها من اتفاقيات أضعفت الحكومات المركزية
وسيطرة الكنيسة مقابل الدولة الإقليمية التي تتمتع بتجانس سكاني وديني واجتماعي ،
وعلى أثر ذلك بدأت أوروبا الحديثة تتكون على أساس قومي ديموقراطي علماني(11) .
ومن زاوية أخرى وضعت اتفاقية مونت
فيديو الموقعة بين الدول الأمريكية عام 1933م شروطاً أربعة ؛ لكي تتمتع الدولة
الوطنية بشخصيتها القانونية الدولية:
1– شعب دائم.
2– إقليم موحد.
3– حكومة تتولى السلطة.
4– أهلية الدخول في علاقات مع الدول
الأخرى(12) .
ولقد تكاثرت الدول الوطنية بعد الحربين
العالميتين وخصوصاً بعد الحرب الثانية ؛ إذ أدت حركات التحرر إلى استقلال كثير من
مناطق العالم من السيطرة الاستعمارية، وناضلت الشعوب من أجل تكوين دولها الوطنية
واكتساب الشرعية الدولية عن طريق إقامة العلاقات الخارجية والانتساب إلى المنظمات
الدولية ، وفي مقدمتها الأمم المتحدة.
إذن فالدولة الوطنية تقوم على ثلاثة أركان:
الركن الأول : الأرض: وهي المساحة الجغرافية التي تقوم عليها الدولة بما لها من
امتدادات مائية وجوية ، والتي تمارس الدولة فيها حقوق السيادة ، ويمارس الشعب
نشاطه الاقتصادي والسياسي والاجتماعي ، والدولة الوطنية لها حدود جغرافية تثبت عن
طريق الاتفاقيات الحدودية مع الدول المجاورة ، وتودع عادة لدى المنظمات الإقليمية
والدولية من أجل اكتساب الشرعية الدولية ومنع الاعتداءات بين الدول ذات الحدود
المشتركة.
الركن الثاني: الشعب: ويتمثل
بمجموع سكان الإقليم أو الأقاليم التي يقوم عليها كيان دولتهم ممن يحملون الهوية
الوطنية ، ومن دعائم هذا الركن درجة التجانس الديني والعرقي والحضاري.
الركن الثالث: السيادة: وهي السلطة العامة العليا والمستقلة للدولة الوطنية على
أراضيها وحقوقها وشعبها ، والحقوق والمسؤوليات والواجبات السيادية منوطة بحكومات
الدول الوطنية بقدر ما لها من شرعية عقائدية وتاريخية وقبول سياسي داخل الدولة
وخارجها، والحكومات تفرض الانصياع للقوانين الوطنية، كما تفرض الأمن والنظام،
وتحفظ الحقوق الخاصة والعامة ، وتمارس
حقوق السيادة داخلياً وخارجياً ، ومن الواجبات المهمة للحكومات حماية شعبها
وأراضيها ومياهها الإقليمية وأجوائها من الاعتداءات الخارجية ، ولا توجد سلطة
عالمية عليا تفرض الأمن والنظام على مستوى العالم ، فلا سلطة أعلى من الحكومات
الوطنية ، ولا يمكن إرغام الحكومات والشعوب على قبول ما لا يريدونه ، إلاّ أن
المنظمات الإقليمية والدولية والقوى العالمية لها تأثير وإن كان محدوداً.
الأمـــن الوطني :
سبق
الحديث عن الأمن والوطن والدولة الوطنية ، والحديث عن الأمن الوطني هو الحديث عن
هذه المفاهيم مجتمعة ، بدأ ظهور مفهوم الأمن الوطني في العقود الأخيرة بعد أن ترسخ
في التطبيق في الولايات المتحدة الأمريكية ، ثم في الدول الغربية المتقدمة، وتجربة
الدول الغربية ومفاهيم الحكم فيها ربما لا تسمح باستعارة سياسات الأمن الوطني
وتطبيقها في دول العالم الثالث ، أو تلك التي لم تستقر سياسياً ، ولم تضع قدمها
على طريق التقدم السياسي والاقتصادي والتطور الاجتماعي.
يفرق
بوزان بين الـدول الوطنيـة الضعيفـة جداً( الهشــــة ) والدول القويــة(المتماسكة
)، وبينهما ألوان الطيف من الدول الوطنية ، والمقياس هنا ليس في عناصر القوة
المعروفة مثل المساحة والسكان والموارد والقوات العسكرية، بل في جانبين مهمين:
أ -
قوة النظام السياسي السائد في
الدولة وتماسكه وعدالته.
ب -
قوة المجتمع وتماسكه ودرجة
قبوله للنظام السياسي.
الدول الضعيفة – وهنا نذكر بأن الضعف ينصب على الأمن الوطني – تتميز بواحدة
أو أكثر مما يأتي :
ب – تغيير حديث في طبيعة النظام السياسي .
ج – الاستخدام المتعمد للقوة في الحياة السياسية .
د – الاختلافات
العقدية التي تنعكس في صراع سياسي داخلي .
هـ – عدم وجود إجماع شعبي عام على هوية وطنية متميزة
وواضحة الخصائص.
و – عدم وضوح للهرمية السياسية وتوازن السلطات.
ز – صغر حجم الطبقة المتوسطة التي تكون عادة المحرك
السياسي الواعي للمجتمع.
وكلما وجد عامل أو أكثر من هذه العوامل
في دولة ما اقتربت من الضعف ، والعكس صحيح ، كلما اختفت هذه الظواهر كلياً أو
جزائياً اقتربت الدولة من القوة ، والقوة والضعف ينعكسان بطبيعة الحال في حجم
الأخطار والتهديدات التي يواجهها الأمن الوطني لدولة ما(13) .
دول العالم الثالث تتصف في تكوينها
ووضعها الحالي بأكثر من عامل من عوامل الضعف السابقة ، وفوق ذلك فهي تعيش ضعفاً من
نوع آخر يتمثل في هشاشتها الاقتصادية والاجتماعية ، وفي نزاعاتها الحدودية ، وفي
سيطرة العالم الغربي المتقدم على التقنية والاقتصاد والأسواق والمنظمات الدولية ،
بل إن الغرب يتدخل ويؤجج الصراعات الإقليمية والداخلية بدعوى حماية مصالحه وتعزيز
أمنه الوطني ، إن الضعف يستدعي الضعف ، والقوة لا تستمد إلا من التماسك الداخلي
وتعزيز عناصرها الداخلية أولاً.
سياسات الأمن الوطني في دول العالم
الثالث تظهر الخصائص الآتية :
أ -
التركيز على الأخطار الخارجية.
ب -
التركيز على القوة العسكرية
مقابل السياسات والمبادرات والإستراتيجيات .
ت -
استعارة مفهوم الأمن الوطني
وتقنياته الغربية مع الفروق الكبيرة في البيئة الأمنية والخلفيات التاريخية
والسياسية(14) .
والملحوظ أن معظم دول العالم الثالث
تواجه بيئة وظروفاً أمنية داخلية وإقليمية مختلفة عن تلك السائدة في العالم الغربي
المتقدم ؛ فمعظم هذه الدول ضعيفة في المحيط الدولي فرادى ومجتمعة ومتنازعة
إقليمياً ، وتماسكها الداخلي مهدد.
إن عدم الاستقرار وهشاشة البيئة
الأمنية تجعل معظم هذه الدول في مرحلة ما من تاريخها عرضة للسقوط في الدائرة
المفرغة للقلاقل والفتن والخوف والتقلبات السياسية والتفكك السياسي والاجتماعي .
وفي مثل هذه الأوضاع السائدة في العالم
الثالث فإنه يمكن القول: إن إستراتيجيات الأمن الوطني يجب أن تنصب على تحديد
الأخطار التي تواجه هذه الدول ، ودرجة احتمال وقوعها وأهميتها للأمن الوطني، ثم
تحديد القدرات والسياسات لمواجهة هذه الأخطار ، وهذا بلا شك أمر بدهي ومطلوب ، ليس
فقط لدول العالم الثالث ، بل لجميع الدول ، ويشير أحد الكتاب إلى أهمية التفريق
بين الوسائل والقدرات والإمكانــات الماديــة والعقيدة الإستراتيجيــة وبنيـة
القوات العسكرية وخيارات التسليح(Hardware ) من جهة، والشرعيــــة السياسية
والتكامل والتماســـــك والقدرة على وضــع السياسات(Software
) من جهة أخرى(15) .
إن كل دولة لها بيئتها الأمنية داخلياً
وإقليمياً ودولياً، ولها مقوماتها وظروفها التاريخية والاجتماعية والسياسية ، ومن
البدهي أن كل دولة يجب أن تحدد مصالحها الوطنية ودرجة أهميتها وأولوياتها والأخطار
الداخلية والخارجية المحتملة ودرجة احتمال وقوعها ، ثم تضع السياسات والخيارات
لتعزيز أمنها الوطني وحماية مصالحها باستخدام كل الوسائل المتاحة.
إن تعريف مفهوم الأمن الوطني بأنه حماية الدول الوطنية من التهديد الخارجي
هو تعريف قاصر وضيق وخادع ، والقوة العسكرية ليست دواءً عجيباً للقضايا الأمنية
بالرغم من ضرورتها ، إن السياسات الداخلية لتعزيز الشرعية السياسية والتنمية
الاقتصادية والاجتماعية تعزز الأمن الوطني بقدر ما تحميه القوة العسكرية من الفتن
والأخطار الداخلية والخارجية(16) .
العالم في تاريخنا المعاصر شهد
متغيرات جديدة ، ويشهد متغيرات تستجد باستمرار مثل : تشابك المصالح الدولية ،
والتطور التقني والصناعي والعلمي ، وتطور صناعة النقل والاتصالات ، وهيمنة الدول
الكبرى ، وتغير النظام الدولي باستمرار ، وزيادة عدد الدول الوطنية ، وزيادة
توقعات المواطنين ، وارتفاع وعيهم في كل الدول ، واتساع الهوة بين الأغنياء
والفقراء ، وزيادة وتطور الجرائم العابرة للحدود ، وغيرها من المتغيرات(17).
وإستراتيجيات الأمن الوطني لها جانبان
: الجانب الأول السعي الدائب لحماية المصالح وفتح الآفاق أمام الدولة وشعبها للتقدم
والرفاه من خلال التفاعل الإيجابي الداخلي بين عناصر الدولة البشرية والمادية
والخارجي إقليمياً ودولياً ، أما الجانب
الأخر فهو السعي لحماية كيان الدولة من الأخطار والتهديدات المحتملة داخلياً
وخارجياً؛ فأي تهديد لأي من عناصر الدولة الثلاثة الشعب أو الأرض أو السيادة
مجتمعة أو متفرقة هو تهديد للأمن الوطني بدرجة أو بأخرى.
وتقوم إستراتيجيات الأمن الوطني على
مقومات أساسية ، أهمها:
أولاً – المقوم العقدي: ويقصد به : العقيدة ومنظومة القيم
السائدة في المجتمع ، ومدى قبولها بين مختلف الفئات ، ومدى تمثلها في بقية المقومات
الأخرى.
ثانياً – المقوم
السياسي: ويقصد به : شكل الحكم ومؤسساته ، وقدرتها على تحديد الأهداف والمصالح
الوطنية بدقة ، ثم وضع السياسات والإستراتيجيات والخطط، وتحديد الخيارات المتاحة
لتحقيق هذه الأهداف وتعزيز المصالح الوطنية وحمايتها.
ثالثاً
– المقوم الاقتصادي: ويقصد به
القاعدة الاقتصادية والموارد الطبيعية ودرجة التقدم وأسس النظام الاقتصادي المطبق
وعوامل النمو والتطور.
رابعاً – المقوم الجغرافي – السياسي(الجيوبولوتيكي) – :
ويقصد به الموقع والمساحة والتوزيع السكاني وأقاليم الدولة ووضعها بين جيرانها.
خامساً–
المقوم الاجتماعي : ويقصد به الطبقات والفئات والطوائف المكونة للمجتمع ودرجة
التجانس في المجتمع المعني .
سادساً–
مقومات القوة: وفي مقدمتها القوة العسكرية ودرجة الاستفادة من المقومات السابقة.
إن هذه المقومات متداخلة فيما بينها ، ويؤثر بعضها على بعض ، وإذا اختل
أي منها فإن ذلك يشكل ثغرة يمكن أن يؤتى منها الأمن الوطني ، وهي في الوقت نفسه
تحدد قضايا الأمن الوطني وسياساته وإستراتيجياته.
ولإستراتيجيات الأمن الوطني ثلاثة مستويات :
أ -
المستوى الوطني : ومجاله الأمن
الداخلي ، وأداته السياسة الداخلية .
ب -
المستوى الإقليمي: ومجاله الأمن
الإقليمي بالتعاون مع دول الجوار الجغرافي والإقليم الذي توجد فيه الدولة وأداته
السياسية الخارجية الإقليمية .
ج -
المستوى الدولي : ومجاله
العلاقات الدولية والمنظمات الدولية والتعاون الثنائي أو الجماعي والأمن الدولي ،
وأداته السياسة الخارجية الدولية.
هذه المستويات والمتغيرات والمقومات تشكل الأسس والمنطلقات والمحددات
والخيارات التي تبنى عليها إستراتيجية الأمن الوطني(18) .
2– المنجزات الكبرى للملك
عبدالعزيز :
من الصعب الإحاطة بكل جوانب الإنجاز التاريخي الكبير لرجل
مثل الملك عبدالعزيز ، ولكن لأغراض هذا البحث يمكن إيجاز هذه المنجزات على النحو
الآتي :
المنجز
الديني :
بسبب الجهل والتخلف انتشرت بعض البدع
والخرافات في بعض مناطق الجزيرة العربية ، ولم يظهر في جزيرة العرب من يعيد
للإسلام أثره في السياسة الشرعية ، ولولاية الأمـر أساسها الإسلامـي وهيبتها ، إلى
أن جاءت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب
–يرحمه الله– لتعيد للعقيدة
الإسلامية صفاءها ونقاءها ، ثم جاء اتفاق الدرعية بين الشيخ والإمام محمد بن سعود
– يرحمه الله – لتنهض بذلك الدولة السعودية المباركة.
ومن نافلة القول: إن الدولة السعودية
في أدوارها المختلفة قامت على أساس الجهاد في سبيل الله والدعوة إلى عودة المسلمين
إلى العقيدة الصحيحة والشريعة السمحة، كما جاء بها نبي الهدى عليه أفضل الصلاة
والسلام ، والتركيز على ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله القولية والفعلية
والتقريرية أولاً ثم سيرة الصحابة
والتابعين وأئمة أهل السنة والجماعة والسلف الصالح ، لكن هذه الدعوة واجهت
المصاعب والمشكلات والأعداء من داخل بلاد المسلمين نفسها ومن خارجها ، وكانت
النتيجة تدميرية على الدولة السعودية في دورها الأول والثاني ، وبالرغم من أن هذه
الدعوة بلغت كثيراً من الأقاليم ، وكان لها أصداء بل أتباع في جميع أقاليم الجزيرة
وفي خارجها ، إلا أن الكيان السياسي الذي يحميها انهار مرتين متتاليتين لأسباب
وعوامل وضغوط خارجية وداخلية.
وعندما نهض الملك عبدالعزيز ليؤسس
الكيان المعاصر للملكة العربية السعودية كانت تحكمه المبادئ نفسها التي حكمت
أسلافه ، وهي الدعوة والجهاد وإقامة دولته على أسس من الشريعة الإسلامية السمحة ،
وقد نجح أيما نجاح ، لقد جاء هذا المنجز ليمثل حجراً أساساً ، أقام عليه عبدالعزيز
مشروعه التاريخي ، وكانت أهم مظاهره ما يأتي :
أ – التفاف كثير من علماء البلاد ورجالاتها حول الملك
عبدالعزيز منذ البداية من أجل هدف معلن ، هو إعلاء كلمة الله.
ب – إحياء رسالة المسجد في المجتمع ، وإقامة حلقات
الذكر والدعوة لتصحيح ممارسات المجتمع المخالفة للعقيدة الصحيحة .
ج – إنشاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوعظ
والإرشاد الديني ؛ ليعود مفهوم الحسبة الإسلامي مطبقاً في الواقع.
د – طباعة كتب العقيدة والحديث على نفقة الملك
عبدالعزيز .
هـ – إحياء أثر القضاء الشرعي بعد أن لجأ المجتمع إلى
الأعراف في وقت سيادة الجهل والفرقة والتخلف.
و – إحياء نظام العقوبات الشرعية من خلال الإصرار على
تطبيق الحدود.
ز – إحياء
عقوبات التعزير وتطبيق حق ولي الأمر والحق العام للمجتمع على الجاني أو
الجناة.
ح – إقامة القضاء وتعيين القضاة وإجراء الرواتب
المجزية لهم، وإنشاء المحاكم الشرعية والمراقبة القضائية، وتعيين كتاب العدل،
وإنشاء بيوت المال، ورئاسة القضاء والمحاكم التجارية.
ط – ولعل أهم الإنجازات في هذا المجال هو النجاح
الكبير فيما يخص أمن الحج والحجاج والحرمين الشريفين وإعمارهما ، إن الحج هو الركن
الخامس من أركان الإسلام الذي هو جامعة المسلمين السنوية ، إن أمن حجاج بيت الله
وزوار مسجد نبيه e وأمن الأماكن والمشاعر المقدسة حظيت باهتمام بالغ ، وأخذت أولوية
قصوى منذ انضمام الحجاز إلى حكم الملك عبدالعزيز.
لقد عاد للإسلام نقاؤه وصفاؤه ودولته
في جزيرة العرب ، وهذا أهم إنجازات عبدالعزيز على الإطلاق ، الإسلام هو الأساس
المتين والحصن الحصين والقاعدة الصلبة للأمن الوطني للمملكة العربية السعودية.
المنجز السياسي :
المنجز السياسي للملك عبدالعزيز إنجاز
عظيم بكل المقاييس ؛ فقد أقام دولته الوطنية في قلب العالمين العربي والإسلامي في
أقصر الأوقات بإمكانات محدودة جداً على أسس ومبادئ راسخة نابعة من العقيدة الإسلامية
والشريعة السمحة التي هي عقيدة المجتمع العربي المسلم في جزيرة العرب موئل العروبة
ومهبط الوحي ومهد آخر الرسالات ، لقد أقام دولته في زمن قصير نسبياً في مجتمع كان
متخلفاً في السياسة والاقتصاد ومبتعداً عن عقيدته بسبب الجهل والتخلف.
إن أول عناصر الإنجاز السياسي للملك
عبدالعزيز كان في إقامة نظام حكم يستند إلى مرجعية واضحة، وهي المرجعية العربية
الإسلامية ، ولم ينطلق هذا من فراغ بل من خلفية تاريخية مرتبطة أشد الارتباط
بالإسلام في نقائه وصفائه ، إنها خلفية آبائه وأجداده الذين ساندوا دعوة الشيخ
محمد بن عبدالوهاب يرحمه الله ، وبهذا أصبحت مرجعية نظام الحكم مستندة إلى شرعية
تاريخية مبنية على روح الإسلام ومبادئه وأحكامه ، نظام الحكم هذا بدأه عبدالعزيز
محارباً كأي محارب آخر من جنده ، وأكمل بناءه ملكاً متوجاً على عرش المملكة
العربية السعودية.
أما ثاني عناصر الإنجاز السياسي فيتمثل
في الوحدة السياسية الكبرى التي تحققت على يد الملك عبدالعزيز رحمه الله ، لم يكن
عبدالعزيز من القادة الذين تغريهم انتصاراتهم ، فيتوسع إلى نقطة يجد نفسه فيها غير
قادر على مواجهة الأعداء الداخليين والخارجيين ، ولكنه لم يكن ليقنع أيضاً بما دون
الوحدة الكبرى للمناطق التي تشكلت منها المملكة العربية السعودية ، منجز الوحدة هو
أهم عناصر الإنجاز السياسي.
إقامة الدولة الوطنية الحديثة هو
العنصر الثالث من عناصر الإنجاز السياسي ، لقد كان ممكناً أن يكون الوطن أوطاناً ،
والشعب شعوباً ، ونظام الحكم أنظمة، غير أن إصرار عبدالعزيز على وحدة الأرض والشعب
ونظام الحكم هو الذي مكَّن عبدالعزيز من إقامة دولته الوطنية بأركانها الثلاثة،
لقد كان الكيان يكبر ويتسع ، وقائد واحد يقف وراء كل ذلك هو الملك عبدالعزيز ،
يسانده رجال صدقوا ما عاهدوا عليه، واستمرت فتوحاته حتى في زمن الاستقرار ، فقد
كان يبني الأسس والمؤسسات ، حتى توفاه الله ، الدولة الوطنية بكامل مقوماتها
وعمقها الإستراتيجي كانت الحصيلة والجائزة الكبرى لجهاد طويل لعبد العزيز وشعبه.
وتتمثل إنجازات عبدالعزيز السياسية
أيضاً في اهتمامه بتثبيت حـدوده وتأمينها مع دول الجوار وإسهامه على المستوى
العربي والإسلامي في دعم حركات التحرر من الاستعمـار ، وكان الملجأ والمعين الأول
لزعمائها ، كما كان أول المهتمين بالقضية الفلسطينية ، وعلى المستوى الدولي وقف مع
الحلفاء في الحربين العالميتين وخصوصاً الحرب العالمية الثانية ، في هذا ذكاء سياسي
؛ إذ إنه عرف بحسه وخبرته العسكرية والسياسية أن الحلفاء سيخرجون منتصرين ، وقد
حظي بتقدير زعماء العالم الحر، وعلى رأسهم زعيما الحلفاء في حينه تشرشل وروزفلت.
ومن جهة أخرى فقد كان من المؤسسين
للجامعة العربيـة علـى المستوى الإقليمي، وللأمم المتحدة على المستوى العالمي ،
وقد عاش عبدالعزيز بن عبدالرحمن حتى رأى دولته الوطنية وهي تعيش مجداً سياسياً
ومركزاً إقليمياً ودولياً قل نظيره.
إن البناء السياسي الذي أرسى قواعده
الملك المؤسس يتمثل في النظام الملكي السعودي التاريخي الذي يستند على مرجعية
عربية إسلامية واضحة ، ويحتل حجر الأساس للدولة الوطنية السعودية المعاصرة ، كما
يتمثل في المؤسسات السياسية التي ترجع جذورها وبداياتها إلى عهد الملك عبدالعزيز
يرحمه الله.
المنجــز الأمني :
مما لا شك فيه أن الأمن كان في رأس قائمة
أولويات الملك عبدالعزيز ، وكان فقدانه دافعاً له، وتحقيقه هدفاً له، ولم يكن ذلك
ليتحقق في غياب المنجزين الديني والسياسي، إن من أعظم ما كان يفخر به الملك
عبدالعزيز هو إنجازه الأمني ، يقول عبدالله فيلبي: " وأعظم إنجازاته هو أنه
في خلال خمسة وأربعين عاماً من مدة حكمه الطويلة حَوَّلَ واحداً من أكثر بلدان
العالم اضطراباً إلى دولـة يسودها السلام والأمن والنظام "(19) .
إن إعلان الملك عبدالعزيز أنه سيقيم
حكمه على مبادئ الشريعة الإسلامية ثم إصراره على تطبيقها في كل المجالات خصوصـاً
في مجال الأمن كان له فعل السحر على الواقع الأمني ، لقد أمن الناس على أنفسهم
وأموالهم وأعراضهم ، وبدؤوا يستشعرون مجدداً عظمة الإسلام ، كما أصبح المسافر يقطع
الجزيرة طولاً وعرضاً من غير خوف .
إن تحقيـق الأمن نتيجة منطقية للمنجز
الديني وللفعل المركزي السياسي عن طريق ممارسة الولاية الشرعية وتحكيم الشريعة في
المنازعات والخصومات والحقوق وإقامة القضاء الشرعي وتحضير البادية وتوطينهم وتحريم
الغزو للسلب والنهب وترسيخ حقوق الولاية نفسها وعلاقة الحاكم والمحكوم ، إضافة إلى
الحزم في مواجهة الأحداث والجرائم التي ترتكب إما ضد الناس وممتلكاتهم وأعراضهم أو
ضد عقولهم وعقيدتهم وولايتهم الشرعية .
لقد أمَّن الملك عبدالعزيز حدوده ضد
الجرائم العابرة للحدود ، وذلك عن طريق المعاهدات مع دول الجوار، وفوق ذلك كله لقد
جعل أجهزة الدولة ، وفي مقدمتها الإمارات أجهزه أمنية ، ثم أنشأ أجهزة أمنية على
حسب مقتضيات الحال والظروف ، وطورها ؛ ليؤمن بلداً شاسعاً ضد الجهل والإفساد في
الأرض والتعدي على الآمنين وعابري السبيل وحجاج بيت الله الحرام ، لقد كان الملك
حازماً ، واستصنع رجالاً يثق في حكمتهم وحزمهم وتقديرهم للمواقف، فلم يترك للعاطفة
مجالاً أمام عبث العابثين، وإن كان العفو من شيمه يرحمه الله .
إن من أهم وسائل الملك عبدالعزيز –
رحمه الله – في الشأن الأمني اهتمامه الكبير بعقاب المجرم سواء كان مجرماً عادياً
أو مثيراً للفتنة ، ولم يكن يغمض له جفن إلا وقد أمسك بالمجرم ، وأحاله للقضاء
الشرعي ، وأطفأ نار الفتنة ، ولم يكن يستهين بأي تحد يواجهه أو يقف في وجه فرض
الأمن والاستقرار ، فقد كان يعد للأمر عدته ، ويستنفر قوة تزيد على الحاجة لضمان
سيطرته على الأمر وإنهاء التحدي ومنع الاختلالات الأمنية ، يقول الملك عبدالعزيز
محدثاً المجتمعين في مؤتمر الشعراء في جمادى الأولى عام 1348هـ ، يصف فلول
الخارجين على الولاية الشرعية : " خرجوا عن الطاعة ، وفارقوا الجماعة ،
وظاهروا المارقين ، فخفروا ذمة المسلمين ، وأفسدوا في الأرض ، وقطعوا السابلة ،
وأخافوا الأمن ، وقتلوا البريء "(20) ، وكان يحكم
الشريعة في كل شيء، وعندما يكون للأمر بعداً سياسياً كان يسعى إلى إجماع الأمة في
مواجهة الفتنة على أسس شرعية قوية.
ومن أهم الأسس التي قام عليها المنجز
الأمني هو أنه عندما ينضم إقليم من أقاليم هذا الكيان الكبير صلحاً أو فتحاً كان
الملك عبدالعزيز يبادر إلى فرض الأمن والنظام وتطبيق الشرع في ذلك الإقليم ، فنلحظ
أن الملك عبدالعزيز – يرحمه الله – يبدأ بالأمير، فيعينه ، ويكلف معه فريق عمل
ميداني هم الخويا الذين يحملون السلاح، ويفرضون هيبة الحكم الجديد ، ثم يعين
القاضي والمرشد الديني الذي يكون له الاحترام والمقام الأرفع جنباً إلى جنب مع
الأمير ، ثم يطلب من الأمير والقاضي وأعوانهم تطبيق شرع الله وفرض الأمن والنظام .
إن هذا بحق هو حجر الأساس لبناء نظام أمن وطني مبني على شرع الله وعلى الولاية
الشرعية .
لقد رفع الملك عبدالعزيز الأمن
والمسؤولية الأمنية لولي الأمر والحكومة إلى مستوى قلَّ أن شهدته الجزيرة العربية
في تاريخها.
المنجز الاقتصادي والاجتماعي :
عندما تحرر الناس من الخوف وجَّهوا جهودهم
لتحسين أحوالهم بدلاً من المنازعات وإضاعة
الجهود الموجهة للدفاع عن النفس والمال والعرض ، كما أن تحقق أمن القوافل والتجارة
جعل التجارة الداخلية والخارجية على
ضعفها تزدهر وتتنامى ، لقد استقر الناس،
وزادت حركة تنقلهم ، مما أسهم في بعث روح اقتصادية ومبادرات فردية حسَّنت من دخول
الناس ومستوى معيشتهم . إن أهم أسس المنجز الاقتصادي تتمثل فيما يأتي :
أ -
عدم تقييد الحريات عموماً ،
وخصوصاً الحريات الاقتصادية، وهذا يتماشى مع روح الإسلام الذي حفظ للإنسان كرامته
وفطرته في حب التملك المشروع .
ب -
إحياء دور الدولة في جباية
الزكاة وإنفاقها في مصارفها الشرعية .
ج -
الاهتمام بالركائز الأساسية
لنظام اقتصادي حديث ؛ ليمثل مقوماً أساسياً لدولته الوطنية ، ومن أهم ما أنجزه
الملك الاهتمام بالمالية العامة ، وإنشاء وزارة المالية والاقتصادي الوطني، وإصدار
العمـلة الوطنية المتميزة، وإنشاء مؤسسة النقد العربي السعودي ، وغيرها من
الإنجازات .
ومن كرم الله على عبدالعزيز بن عبدالرحمن وعلى شعبه ودولته وكيانه أن
فتحت له خزائن الأرض ، فلقي عبدالعزيز ربه وهو مطمئن أن الله قد أنعم على الكيان كله
بمستقبل اقتصادي زاهر لكل الأجيال من بعده.
هذه المنجزات شكلت الأسس التي بني عليها أمن الوطن والمواطن ، لقد ترك
عبدالعزيز إرثاً عظيماً يتمثل في الدولة الوطنية والمبادئ التي قامت عليها، وبدأ
في إنشاء مؤسسات الدولة الرئيسة التي تقوم برسم إستراتيجيات الأمن الوطني للمملكة
العربية السعودية وتنفيذ سياساته.
3– مؤسسات الأمن الوطني
في المملكة العربية السعودية :
مؤسسات الأمن الوطني في المملكة
العربية السعودية مثل أي دولة وطنية أخرى لها مستويان :
المستوى الأول : هو المستوى السياسي
والإستراتيجي ومستوى الحكم ، ويقف على رأس هرم هذا المستوى في النظام الملكي
السعودي ملك البلاد ؛ إذ يندرج تحت هذا المستوى مجلس الوزراء ومجلس الشورى وبعض
الهيئات والمجالس والمؤسسات التخصصية ، ولرؤساء الحرس والدفاع والداخلية والخارجية
لكونها مؤسسات سيادية أهميةٌ خاصةٌ من زاوية الأمن الوطني في مقابل مؤسسات
الخدمات(مثل الصحة والتعليم وغيرها) التي تخف الصفة السياسية فيها كثيراً.
والمستوى الثاني : هو المستوى التنفيذي
، ويتمثل في وحدات الحرس الوطني ووزارة الدفاع والطيران وقطاعات قوى الأمن الداخلي
وأجهزة وزارة الخارجية والاستخبارات العامة، ومعلوم أن رؤساء هذه المؤسسات
التنفيذية ووزراءها يمارسون عملاً مزدوجاً من حيث كونهم أعضاء في مجلس
الوزراء(مصدر القرار) ، وفي الوقت نفسه يديرون هذه الأجهزة التنفيذية ، ويشرفون
على أعمالها في الأوقات العادية وفي أوقات الأزمات والطوارئ.
على المستوى السياسي يتم
وضع الإستراتيجيات والسياسات المتعلقة بالأمن الوطني، ويتم إصدار الأنظمة واللوائح
واتخاذ القرارات في السلم والحرب ، ولا شك أن بعض الأجهزة التنفيذية تسهم
بالدراسات والاقتراحات والآراء والمشورة ، إلاّ أن عملها الأساس هو تنفيذ
إستراتيجية الأمن الوطني والسياستين الداخلية والخارجية والاستعداد الدائم لأي
طارئ ومتابعة برامج التطوير والتحديث لمتابعة المستجدات والمتغيرات ذات الآثار
السلبية أو الإيجابية على الأمن الوطني.
والعلاقة بين المستوى
السياسي والمستوى التنفيذي من زاوية الأمن الوطني علاقة هرميـــة : على المستوى
السياسي يتم اتخاذ القرار ، وعلى المستوى التنفيذي يكون التنفـــيذ ، وهناك علاقات
أفقية ورأسية لا تخفى على المطلع.( انظر الرسم في الصفحة 356 ).
مسؤوليات مؤسسات الأمن الوطني :
تقوم مؤسسات الأمن الوطني
في المملكة العربية السعودية بواجب مشترك هو تعزيز الأمن الوطني والمصالح الوطنية
للمملكة العربية السعودية ، وتقوم هذه المؤسسات بواجبها هذا بحكم مسؤولياتها
واختصاصاتها من خلال العلاقات الأفقية والرأسية في أوقات السلم والحرب والأزمات
الداخلية والخارجية.
تقوم المؤسسات
السياسية – وعلى رأسها الملك(رئيس مجلس الوزراء ) –
بتحديد
المصالح الحيوية ودرجة أهميتها والأخطار والتهديدات ودرجة احتمالها ، ثم ترسم
السياسات والإستراتيجيات لحماية هذه المصالح أو درء هذه الأخطار وتحديد الإمكانات
والخيارات المتاحة ، ثم اتخاذ القرار المناسب ، ومعلوم أن المؤسسات السياسية تتلقى
التقارير والمعلومات الموثقة من الأجهزة التنفيذية مصحوبة بالتحليلات والتوقعات
والإمكانات والآراء والمقترحات والحلول الممكنة وسلبياتها وإيجابياتها.
يفترض من الأجهزة
الأمنية والدفاعية أن تكون في كامل جاهزيتها دائماً مستعدة لأي طارئ ومنفذة للقرار
السياسي ، معظم القضايا ربما لا تستدعي استخدام القوة بقدر ما تستلزم المبادرة
السياسية والإدارية قبل استفحال الظواهر ونشوء الأزمات العنيفة.
المؤسسات السياسية
معنية إذن بإدارة الأزمات ذات الطابع السياسي والأبعاد الإستراتيجية سواءً من حيث
منعها قبل حدوثها أو مواجهتها ومعالجتها بعد نشوبها ، كما أنها معنية دائماً
بحماية المصالح الوطنية.
وبالمقابل تقوم
الأجهزة التنفيذية بالاستعداد الدائم والجاهزية الكاملة بتنفيذ القرارات التي تتخذ
على المستوى السياسي ، وهنا نفرق بين القضايا ذات البعد الخارجي والقضايا ذات
الأبعاد الداخلية.
القضايا
ذات البعد الخارجي لها جانبان :
-
جانب سياسي: تتولاه وزارة الخارجية بالدرجة الأولى.
-
جانب دفاعي
إذا لزم الأمر : تتولاه وزارة الدفاع والطيران ، يساندها الحرس الوطني.
هذان الجانبان هما مجال
السياستين الخارجية والدفاعية ، هذه الجبهة الخارجية يجب أن تستند دائماً إلى جبهة
داخلية متماسكة ، تقوم على السياسة الداخلية الرشيدة وعلى جهود وزارة الداخلية
وأجهزة الدولة والمؤسسات الاجتماعية الأخرى.
أما القضايا ذات
الأبعاد الداخلية فهي مجال السياسة الداخلية، وتأتي انعكاساً لها في أغلب الأحيان
، وهي من اختصاص وزارة الداخلية ومن مسؤولياتها ، يساندها في ذلك قطاعات الحرس
الوطني وربما قطاعات وزارة الدفاع والطيران إذا استدعى الأمر.

المؤسسات السياسية :
بالرغم من أن الملك
عبدالعزيز كان عقلاً سياسياً وإستراتيجياً متقدماً على عصره ومجتمعه إلاّ أن ظروف
الحقبة الأولى وأحداثها من جهوده لإعادة توحيد البلاد لم تسمح له بإنشاء المؤسسات
السياسية إلاّ بعد أن اقترب مشروعه على الاكتمال في أواسط الأربعينيات الهجرية من القرن
الماضي ، وطوال مدة التأسيس كان الهدف الأساس هو توحيد البلاد بالسياسة أو بالقوة.
ومنذ عام 1343هـ بدأت
الخطوات الأولى لإنشاء المؤسسات السياسية بإنشاء بعض المجالس والهيئات واللجان ثم
مجلس الشورى في مكة المكرمة، كما بدأ الملك عبدالعزيز – يرحمه الله – في إنشاء
الوزارات الرئيسة بدءاً بالخارجية ثم المالية ثم الداخلية والدفاع، في الوقت الذي
بدأ ديوان الملك عبدالعزيز يأخذ مكانه مؤسسةً سياسيةً أولى بما في ذلك الشعبة
السياسية ، وقد استقطب الملك عبدالعزيز مجموعة من الرجال من أبناء دولته، وكذلك من
أبناء العرب المؤهلين ممن رأوا فيه أملاً عربياً إسلامياً، وكان الملك عبدالعزيز –
يرحمه الله – هو مصدر القرار الرئيس في السياستين الداخلية والخارجية.
ويمكن القول: إن تطور
تنظيمات الدولة كانت تحت فرعين رئيسين :
الفرع الأول: كان في
الحجاز ، ويتكون من الأجهزة الإدارية الموجودة أصلاً في المدن الرئيسة ، خصوصاً في
مكة المكرمة وجدة ، وقد أناب الملك عبدالعزيز ابنه الأمير فيصل بن عبدالعزيز في
إدارة كل شؤون الدولة الداخلية في منطقة الحجاز والمناطق الجنوبية الغربية تحت اسم
النيابة العامة ، إضافة إلى كونه أول وزير خارجية في المملكة العربية السعودية.
أما الفرع الثاني فقد
بدأ يتكون في الرياض حول ديوان الملك عبدالعزيز وإدارة نجد والأحساء وحائل وغيرها
من المناطق التي يتولاها ولي العهد الأمير سعود بن عبدالعزيز، واستمرت الأجهزة
السياسية والإدارية تتوسع عدداً وحجماً في مختلف أقاليم البلاد، وقد تركز هذا
التوسع حول إمارات المناطق وأجهزة الخدمات والأجهزة الأمنية والتوسع في العلاقات
الخارجية عن طريق فتح السفارات والممثليات في الخارج ، ولم يلق الملك عبدالعزيز –
يرحمه الله – وجه ربه إلاّ بعد أن أنشأ مجلس الوزراء عام 1373هـ.
في عهد الملك
عبدالعزيز ترسخ الملك والنظام الملكي ، وأُنشئ مجلس الشورى ومجلس الوزراء ووزارات
الخارجية والمالية والداخلية والدفاع وكثير من أجهزة الخدمات، وتبلورت شخصية
المملكة العربية السعودية السياسية والمبادئ التي تقوم عليها سياستها الداخلية
والخارجية.
ويمكن القول: إن معظم
الأسس والمؤسسات السياسية الحالية ليست إلاّ امتداداً وتطويراً للقواعد والمبادئ
والمؤسسات التي أرساها وأنشأها الملك المؤسس ، وقد جاء أبناؤه من بعده ليكملوا
البناء ، ويواكبوا روح العصر والمتغيرات والمستجدات . وفيما يأتي استعراض للمؤسسات السياسية وتطورها
:
الملـك
والنظـام الملـكي :
منذ أن اتخذ الإمام
المؤسس محمد بن سعود قراره التاريخي بمناصرة دعوة الشيخ محمد ابن عبدالوهاب –
يرحمه الله – والبيت السعودي الكريم يعيش في صلب الأحداث السياسية في جزيرة العرب
، ينتصر للإسلام ، وينتصر به ، ولقد تكالب الأعداء من الداخل والخارج على الدولة
السعودية ، ولكنها دولة أعزها الله بالإسلام ، لا تلبث أن تقوم من كبوتها بأقوى
مما كانت عليه ، ولقد كان قيام الكيان السعودي المعاصر على يد الملك المؤسس
عبدالعزيز – يرحمه الله – ثمرة لجهاد هذا البيت الكريم.
ومعلوم أن اسم الملك
لم يكن معروفاً في الدولة السعودية في دوريها الأول والثاني إلى أن ترسخ الكيان ،
وتوج عبدالعزيز ملكاً ، ثم تعاقب أبناؤه الملوك من بعده ؛ لتكون الملكية السعودية
أهم مؤسسة سياسية في البلاد.
المملكة العربية
السعودية دولة إسلامية ، تحكم الإسلام في جميع شؤونها ، والملك بصفته ملكاً ورئيساً لمجلس الوزراء وولياً
للأمر في مهبط الوحي يقف على قمة الهرم السياسي والإداري في البلاد ، وهو مصدر
القرار الرئيس في جميع الشؤون السياسية والإدارية ، وعلى عاتقه تقع مسؤوليات الحكم
والإدارة ، وهذا أمر يتوافق مع الرؤية الإسلامية في الحكم التي تعطي لولي الأمر
سلطات واسعة ، كما تحمله مسؤوليات جسام، وتلزمه بالعدل والشورى والمساواة وتحكيم
الشرع ، كما تلزم المحكومين بالبيعة والطاعة المقيدة.
وإن قراءة متأنية في
النظام الأساسي للحكم تبين حجم مسؤولية الملك وسلطاته وحقوقه وواجباته ولياً للأمر
في المملـكة العربية السعودية ، كما تبين – وهذا ما يهمنا هنــا – الأسس الثابتة
التي وضعها هذا النظام للحفاظ على الأمن الوطني للمملكة.
تنص المادة الخامسة من
النظام الأساسي للحكم على أن نظام الحكم في المملكة العربية السعودية نظام ملكي ،
يقوم على البيعة الشرعية للملك على كتاب الله تعالى وسنة رسوله e ، وعلى حق الملك في تعيين ولي عهده ، وأن البيعة بالحكم للأصلح من
أبناء الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود وأبناء الأبناء . هذه
المادة من نظام الحكم وضعت أساساً ثابتاً من أسس تركيز السيادة(الركن الثالث من
أركان الدولة) ، فقد حددت شكل الحكم وحق الحكم وترتيب الخلافة ، وهذا أمر في غاية
الأهمية فيما يتعلق بتثبيت دعائم الحكم وأسسه بما يعزز الأمن الوطني في الجانب
السياسي.
كما بينت المواد
الأولى والسادسة والسابعة والثامنة الأسس التي يقوم عليها الحكم في المملكة
العربية السعودية ؛ من حيث إنها دولة عربية إسلامية ذات سيادة تامة ، ودينها
الإسلام ، تعتمد على مبادئ العدل والشورى والمساواة.
أما المواد الخمسون
والثانية والخمسون والخامسة والخمسون والسادسة والخمسون والسابعة والخمسون فتحدد
حقوق الملك وواجباته في تنفيذ الأحكام القضائية، وتعيين القضاة، وإنهاء خدماتهم،
وفي سياسة الأمة سياسة شرعية، ورئاسة مجلس الوزراء، وحقه في تعيين نواب مجلس
الوزراء ونواب الوزراء وموظفي المرتبة الممتازة وإعفائهم من مناصبهم.
كما تحدد المواد
الستون والحادية والستون والثانية والستون أن الملك هو القائد الأعلى لجميع القوات
المسلحة، وأنه هو الذي يعين الضباط، وينهي خدماتهم ، ويعلن حالة الطوارئ والتعبئة
العامة ، وأن له جميع الصلاحيات، وعليه تقع مسؤولية ما يكفل مواجهة أي خطر يهدد
سلامة المملكة ووحدة أرضها وأمن شعبها ومصالحه.
كما تحدد المواد
الخامسة والستون والسادسة والستون والثامنة والستون والتاسعة والستون والسبعون حق
الملك في تفويض بعض الصلاحيات لولي العهد، وإنابته عنه في حال سفره، وحقه في حل
مجلس الشورى، ودعوة المجلس للانعقاد، وطريقة اعتماد الأنظمة والمعاهدات
والاتفاقيات الدولية وإصدارها.
هذه المواد وغيرها من
مواد النظام الأساسي للحكم أعطت الملك الصلاحيات والحقوق والمسؤوليات والواجبات
التي ناطها الشرع الإسلامي بولي الأمر، ولاشك أن هذه مسؤولية كبيرة جداً تقع على
عاتق الملك ، يسانده في ذلك مجلس الوزراء ومجلس الشورى ، وهذه المواد والأنظمة في
مجموعها وفي أحكامها وقواعدها تشكل دعامات قوية وأسساً ثابتة لإستراتيجيات الأمن
الوطني وسياساته للمملكة العربية السعودية. الملك والنظام الملكي في المملكة
العربية السعودية هما الأساس المتين للوحدة الوطنية، يقول الدكتور تركي الحمد:
" وعلى ذلك فإن النظام الملكي السعودي بالإضافة إلى أنه يشكل جوهر النظام
السياسي في المملكة العربية السعودية فإنه أيضاً – وهذا هو الأهم – رمز
لوحدة الكيان وتاريخيته ، لقد تحولت الملكية السعودية إلى مؤسسة تلتقي وتتجسد فيها
محددات الكيان الرئيسة الثلاثة: الوحدة ، والرمز ، والعقيدة(21)
نعم ، النظام الملكي
السعودي هو مؤسسة تاريخية، تعود جذورها إلى ما يزيد على مائتين وخمسين عاماً، أعاد
تأسيسها الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود ، تمثل قاعدة صلبة وركناً أساساً للكيان
الكبير بمرجعيته العربية والإسلامية.
مجلــس الوزراء :
يعد مجلس الوزراء المؤسسة
السياسية الأولى في المملكة العربية السعودية فيما دون الملك ، وقد أصـدر الملك
عبدالعزيز الأمـــر الملكي الكريم رقم 5/19/4288 وتاريخ 1/2/1373هـ بإنشاء مجلس
الوزراء لأول مرة ، وعيَّن ولي العهد رئيساً له ، إلاّ أن المجلس لم يباشر عمله
ويمارس اختصاصاته إلاّ بعد وفاة الملك المؤسس – يرحمه الله – عندما صدر أمر ملكي
في 12/7/1373هـ، أعيد بموجبه تنظيم المجلس واختصاصاته وطريقة عمله ، ثم صدر نظام
مجلس الوزراء بالمرسوم الملكي رقم 38 وتاريخ 22/10/1377هـ الذي نظر له
بعضهم على أنه النظام الأساس للمملكة العربية السعودية ، نظراً لتشابه مواده مع
القواعد التي تقوم عليها معظم دساتير الدول الحديثة ، وقد صدرت تعديلات متعددة على
هذا النظام ، كان آخرها عام 1384هـ الذي استقرت فيه رئاسة الملك للمجلس بشكل نهائي(22)
واستمر هذا النظام والتعديلات التي أجريت عليه حتى عام 1414هـ عندما
صدر نظام مجلس الوزراء بالمرسوم الملكي رقم أ/13 وتاريخ 3/3/1414هـ ؛ ليحل محل
نظام عام 1377هـ ، ومن المهم هنا أن نشير إلى أنه في الوقت الذي كان ينظر فيه
لنظام المجلس عام 1377هـ على أنه بمثابة النظام الأساس في المملكة فإن نظام المجلس
الجديد جاء في ظل نظام أساس للحكم وفي وجود مجلس الشورى في مرحلته المطورة ، ولا
شك أن إصدار هذه الأنظمة يمثل نقلة مهمة في طريق التنمية السياسية واستكمال بناء
المؤسسات السياسية على مبادئ وأسس وقواعد وخصوصيات وخلفية تاريخية متميزة للمملكة
العربية السعودية.
تتركز السلطتان التنفيذية والتنظيمية
في مجلس الوزراء بصفته المؤسسة السياسية الرئيسة في البلاد ؛ إذ يقرر نظام مجلس
الوزراء أن "المجلس هيئة نظامية يرأسها الملك" ، وأنه " الذي يرسم
السياسة الداخلية والخارجية والمالية والاقتصادية والتعليمية والدفاعية وجميع
الشؤون العامة للدولة ، ويشرف على تنفيذها ، وينظر في قرارات مجلس الشورى ، وله
السلطة التنفيذية ، وهو المرجع للشؤون المالية والإدارية في سائر الوزارات
والأجهزة الحكومية الأخرى"(المادتان الأولى والتاسعة عشرة من نظام المجلس) .
أما السلطة القضائية التي تخف الصفة
السياسية فيها قليلاً فهي سلطة مستقلة على أسسها الشرعية الإسلامية ، وترتبط بولي
الأمر للمصادقة والتوجيه بالتنفيذ . ويمكن الإشارة هنا إلى أن وزارة العدل من حيث
كونها وزارة تشارك في مجلس الوزراء هي جزء من السلطة التنفيذية.
إن القرار السياسي والإستراتيجي منوط
برئيس مجلس الوزراء ملك البلاد، وبمجلس الوزراء المؤسسة السياسية ، والقرار
السياسي بطبيعته في الممارسة هو أمر يتجاوز ويفوق في الأهمية التقسيم التقليدي
للسلطات.
ولا شك أن لمؤسسات السيادة ووزاراتها(
الحرس ، الدفاع ، الداخلية ، الخارجية، الاستخبارات العامة ) أهمية خاصة في
الأزمات الداخلية والخارجية ، ليس فقط في المملكة العربية السعودية ، بل في معظم
دول العالم ، فبالإضافة إلى مسؤولياتها وواجباتها التنفيذية سواء في الأزمات أو
الأوقات العادية فإنها تعد معنية بالشأن الأمني في أبعاده التخطيطية والإستراتيجية
والسياسية ، وهي فوق ذلك المؤسسات المعنية بإدارة الأزمات ذات الطبيعة الأمنية
والعسكرية.
ورؤساء السيادة ووزراؤها يشكلون بطبيعة
الأمر أغلب أعضاء مجلس الأمن الوطني في أي دولة إن لم يكن كلهم ، وهذا يصدق أيضاً
على المملكة العربية السعودية.
مجلــس
الشــورى :
عندما ظهرت بوادر
اكتمال مشروعه التاريخي للوحدة أعاد الملك المؤسس للشورى مكانها ومكانتها الحقيقية
في الدولة الإسلامية، ويجب القول هنا: إن الملك عبدالعزيز كان يضع للرأي والمشورة
مكانة مهمة، وخير شاهد على ذلك هو مبادرته منذ دخوله لمكة المكرمة عام 1343هـ إلى
تشكيل المجالس الأهلية والبلدية والهيئات الاستشارية إضافة إلى الاستعانة
بالمستشارين وباللجان المتخصصة وأهل العلم والتقى والأعيان وشيوخ القبائل.
واستمراراً
لهذا التوجه صدر أول "تنظيم رسمي لمجلس الشورى عام 1345هـ ، ثم صدر الأمر
الملكي الكريم رقم 37 في 9/1/1346هـ بتشكيل أول مجلس للشورى ، وقد افتتح الملك
عبدالعزيز يرحمه الله المجلس ، وترأس جلسته الأولى يوم الأحد
17/1/1346هـ(23)
ثم صدر مرسوم النظام
الأساسي لمجلس الشورى عام 1347هـ(24)، واستمر المجلس يؤدي عمله ،
وتزداد عضويته ، وكان يتم التجديد أو تشكيل المجلس كل سنة حتى عام 1373هـ عندما شكل
أول مجلس للوزراء ، وانتقلت معظم صلاحيات مجلس الشورى ومسؤولياته إليه.
ثم جاء نظام مجلس
الوزراء عام 1377هـ وما تبعه من تعديلات ؛ ليكون بمثابة النظام الأساسي للمملكة
العربية السعودية ، وليمارس السلطتين التنظيمية والتنفيذية ، وقد أنجز مجلس الشورى
الكثير في تلك المرحلة ، وبخاصة في الجانب التنظيمي ؛ إذ صدرت أنظمة وقوانين
وضوابط كثيرة لتنظيم المصالح والحقوق والشؤون العامة(25) .
واستمر التوجه نحو
الشورى كما أكد ذلك ملوك البلاد ممن تعاقبوا على الحكم بعد الملك المؤسس يرحمهم
الله جميعاً، وكانت التجربة تُدرس وتُقَوَّم ، والأنظمة تصاغ ، ويعاد صياغتها ،
حتى أصدر خادم الحرمين الشريفين النظام الأساسي للحكم ونظام مجلس الشورى ونظام
المناطق عام 1412هـ ، ثم صدر النظام الجديد لمجلس الوزراء عام 1414هـ ؛ لتكتمل
بذلك منظومة دستورية فريدة ومتميزة تتناسب وموقع الملك(ولي الأمر) وموقع الأمة
ومكانة البيعة والشورى والمشاركة في النظرية الإسلامية للحكم(26) .
صدر نظام مجلس الشورى
الجديد بالمرسوم الملكي رقم أ/91 وتاريخ 27/8/1412هـ؛ ليحل محل النظام السابق
الصادر بالأمر الملكي عام 1347هـ في ظل نظام الحكم الأساسي الصادر بالمرسوم الملكي
رقم أ/90/1412هـ، وتاريخ 27/8/1412هـ ولقد بين هذا النظام الأسس
والمبادئ الإسلامية التي تقوم عليها الشورى في دولة إسلامية مثل المملكة العربية
السعودية وهيئة المجلس العامة ، وحدد أعضاؤه بستين عضواً وشروط العضوية ، كما حدد
مدة كل دورة بأربع سنوات ، بعدها تشكيل مجلس جديد مع جواز التجديد لبعض الأعضاء
بما لا يزيد على النصف(27)، كما بيَّن النظام اختصاصات المجلس ، وحددها في المادة
الخامسة عشرة التي تنص على ما يأتي :
يبدي مجلس الشورى
الرأي في السياسات العامة التي تحال إليه من رئيس مجلس الوزراء ، وله على وجه
الخصوص ما يأتي:
أ
-
مناقشة
الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وإبداء الرأي نحوها.
ب
- دراسة
الأنظمة واللوائح والمعاهدات والاتفاقيات الدولية والامتيازات واقتراح ما يراه
بشأنها.
ج
- تفسير
الأنظمة.
د
-
مناقشة
التقارير السنوية التي تقدمها الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى واقتراح ما يراه
حيالها.
كما بيَّن النظام أن
الأنظمة والمعاهدات والاتفاقيات الدولية والامتيازات تصدر بموجب مراسيم ملكية بعد
دراستها من مجلس الشورى ، كما بيّن النظام طريقه عمل المجلس ولجانه وحق اقتراح
مشاريع الأنظمة الجديدة أو تعديل أنظمة نافذة من قبل عشرة أعضاء فأكثر ، وأن على
المجلس رفع تقرير سنوي إلى الملك عن أعمال المجلس في السنة الماضية.
إن المؤسسات السياسية
في المملكة العربية السعودية هي الأساس المتين ومصدر القرار المتعلق بالأمن الوطني
، والملك هو متخذ القرار الرئيس ، وهو الذي يملك حق إقرار السياسات والإستراتيجيات
التي تناقشها وترسمها وتقدمها المؤسسات السياسية ، وما على أجهزة الدولة الأخرى
إلاّ تنفيذها وتقديم التقارير والمعلومات والرأي والمشورة فقط.
المؤسسات الأمنية
والدفاعية(المستوى التنفيذي) :
في عام 1351هـ عقد مؤتمر لنزع السلاح ،
وقدم وفد المملكة مذكرة إيضاحية للمؤتمر ، جاء فيها :" ليس من شك في أن إحداث
تشكيلات عسكرية لحفظ النظام الداخلي فقط في هذه البلاد الشاسعة على أساس التشكيلات
المتبعة في الدول المعاصرة أمر يستغرق ميزانية الدولة ، وتعجز عنه مقدرتها المالية
على تحمل هذه التبعات ، ولكن الحكومة عملت على طراز مخصوص يجمع ضعف المقدرة
المالية وضرورة تأمين الأمن ، وقد اعتمدت إلى أقصى حد ممكن على الهيبة الحكومية،
واستفادت منها كل الاستفادة، ولولا ذلك لما كان لها من مواردها ما يكفي لإكمال
تسليحها على الطراز الحديث ، كما أنه لم يمض عليها الوقت الكافي لإحداث هذه التشكيلات
، ومن أجل ذلك كله أحب أن أوضح بصراحة أن التشكيلات المالية في البلاد لا يمكن بأي
حال من الأحوال أن تعبر عما يجب أن يكون موجوداً ولا عن التي تكفي فعلاً لحفظ
الأمن الداخلي والاستعداد للطوارئ"(28) .
ليت عبدالعزيز يعلم أن نظرته
المستقبلية لأمن الكيان الذي بناه والبلاد التي وحدها قد تحققت ، فأحدثت التشكيلات
، وحددت المسؤوليات ، واستكمل البناء ، فهذا الحرس الوطني وهذه وزارتا الدفاع
والطيران والداخلية وغيرها من قطاعات الدولة تقوم بمسؤولياتها وواجباتها الأمنية
والدفاعية ، بل تتجاوز ذلك ؛ لتسهم بعمل
أساس في تسريع عجلة التنمية.
الحــرس الوطنـي :
يعد الحرس الوطني من أهم
مؤسسات الأمن الوطني في المملكة العربية السعودية ، وهو جهاز أمني دفاعي له خلفيته
التاريخية سواء من حيث قربه المعنوي من جيش الملك عبدالعزيز التقليدي أم من حيث مراحل
تطوره بقطاعاته المختلفة ، إن جذور الحرس الوطني ترجع – بلا شك – إلى جيش الفتح والتأسيس منذ السنوات
الأولى لانطلاقة المشروع التوحيدي العظيم.
الحرس الوطني وإن جاء تأسيسه بعد وفاة الملك
عبدالعزيز ليس إلاّ استمراراً لذلك الجيش ، وما طرأ أو يطرأ على هذه المؤسسة
الأمنية والدفاعية وعلى غيرها من مؤسسات هذا الكيان ما هو إلاّ ما تتطلبه ظروف
المرحلة المعاصرة بما يجعل هذه المؤسسة بعبقها التاريخي مؤسسة متطورة تواكب طبيعة
المتغيرات والأزمات المعاصرة التي تواجه الدول الوطنية.
لقد مر الحرس الوطني بمرحلتين متمايزتين : المرحلة الأولى هي مرحلة
التأسيس للمدة من 1374هـ إلى 1384هـ، ثم أعقبتها المرحلة الثانية إلى يومنا هذا .
وسنستعرض فيما يأتي هاتين المرحلتين مع إشارة إلى الأثر الحضاري المهم الذي يقوم
به الحرس الوطني :
المرحلة الأولى :
منذ السنوات الأولى للجهاد الموفق للملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن أنشئ
مكتب في ديوانه ، وهو مكتب "أهل الجهاد والمجاهدين"، وقد أوكل إلى هذا
المكتب مهمة أساسية، وهي العناية بأهل الجهاد والمجاهدين وتنظيم شؤونهم والإشراف
على سجلاتهم وأعطياتهم وعوائدهم السنوية وغير ذلك مما يخص الغزو والجهاد، واستمر
الأمر على هذا النحو حتى في سنوات الاستقرار ، بل إلى ما بعد وفاة الملك
عبدالعزيز يرحمه الله .
وفي بداية عهد الملك سعود – يرحمه الله– وتحديداً في 10/9/1374هـ صدر الأمر الملكي بتشكيل الحرس الوطني وتخصيص
ميزانية مستقلة له ، وقد انضم إلى هذا التشكيل في أشهره الأولى عدة آلاف من
المجاهدين ، وأصبح لهم رتبهم ومراتبهم ورواتبهم الشهرية ، وكلفوا بالعمل في
أفواجهم وألويتهم التي وضع عليها رجال ممن عركتهم الحياة ، وشاركوا في الجهاد مع
الملك عبدالعزيز(29)
.
" استمر الحرس الوطني يسير سيراً رتيباً بوتيرة عادية طوال مرحلة
البداية والتأسيس، وكان ينمو ، وتكبر كتلته وحجمه ، وتتضاعف مهامه ، ويزداد
الإقبال عليه من أبناء شعبه ومواطنيه ، ولكنه بقي يتحرك في إطاره التقليدي"(30) .
تلك كانت المرحلة الأولى من مراحل تقدم الحرس الوطني .
المرحلة الثانية
:
وإذا كان عام 1374هـ هو عام التأسيس وإذا كانت عشر السنوات الأولى من
عمر الحرس الوطني هي مرحلة البداية والانطلاقة الأولى فإن انطلاقة من نوع آخر بدأت
عام 1384هـ عندما صدر الأمر الملكي الكريم بتعيين صاحب السمو الملكي الأمير
عبدالله ابن عبدالعزيز رئيساً للحرس الوطني .
وبدأت المسيرة الحديثة للحرس الوطني ؛ إذ دعمت تشكيلاته السابقة ،
وحدثت إدارتها وتنظيمها بما يحافظ على المأثور التاريخي والتراث التقليدي لجيش
المؤسس عبدالعزيز بن عبد الرحمن ، وفي
الوقت نفسه أحدثت تشكيلات عسكرية حديثة ، تدعم قطاعات القوات المسلحة السعودية
الأخرى ، لقد كانت خطة التطوير هذه تشمل:
أ -
إعادة تأسيس الفكر الموجه للحرس الوطني وتوضيحه والتأكيد على أثر
ومهماته وواجباته في الحفاظ على أمن المملكة العربية السعودية في وثبتها المعاصرة
.
ب -
إعادة التنظيم الشامل
والمستمر لرئاسة الحرس الوطني نفسها وقطاعاته التقليدية المختلفة، مع فتح الآفاق
لنمو هذا الجهاز وتوسعه ؛ ليستوعب المعطيات الحديثة.
ج -
بناء القوة العسكرية الحديثة قيادةً وتنظيماً وتسليحاً وتجهيزاً
وتدريباً.
د -
التأكيد على الأثر الحضاري الممكن للحرس الوطني ورسم هذا العمل وتحديده
ودعمه؛ ليتلاءم هذا القطاع وينفتح على مجتمعه بما يجعله محط الأنظار ومقصد الآمال.
وخلال العقود الماضية شهد الحرس الوطني تقدماً هائلاً، وأصبح التحديث
والتنظيم والانضباط هي الصورة الماثلة في أذهان المراقبين لتطوره ومسيرته(31) .
القطاعات
العسكرية بالحرس الوطني :
في المرحلة الأولى(1374 –
1384هـ) كانت تشكيلات الحرس الوطني لا تتعدى تلك الألوية والأفواج الجهادية التي
انضمت للحرس ، وربما تم تأسيس وإنشاء ألوية وأفواج على النمط نفسه ، إلاّ أن السمة
الأساسية لتلك المرحلة هي الركود وعدم التحديث والإدارة والقيادة التقليديتين ،
ولا بد من الإشارة إلى أن قطاعات الدولة الأخرى وإن شهدت قفزات نوعية حديثة إلاّ
أنها قفزات متقطعة وبطيئة ، وما يميز الحرس الوطني في تلك المرحلة هو أنه استمرار
للجيش التقليدي بطريقة أو بأخرى ، ولم يشهد أي خطوات تحديثية في هذه المرحلة.
وابتداءً من العام 1384هـ بدأ القطاع العسكري الحديث في الحرس الوطني
يأخذ حجماً متزايداً من ملاك القوة العسكرية لهذا الجهاز المهم، وأصبح هذا القطاع
الحديث يمارس عملاً فاعلاً في تنفيذ المهمات والواجبات الأمنية والدفاعية المنوطة
بالحرس الوطني ، وفيما يأتي استعراض لهذين القطاعين المتمايزين :
القطاع الأول: ويتكون من أفواج
المجاهدين وألويتهم التي تحمل عبق تاريخ هذا الكيان ، وهي استمرار لألوية
المجاهدين الأولى التي كانت تحت رعاية مكتب أهل الجهاد والمجاهدين ومظلته في ديوان
الملك عبدالعزيز - يرحمه الله -، وهذا القطاع هو القطاع الأساس الذي تشكل منه
الحرس الوطني عند تأسيسه عام 1374هـ، ولا يزال هذا القطاع ناشطاً وموجوداً ؛ إذ
تنتشر هذه الألوية في مختلف مناطق المملكة، إن هذا القطاع يمثل الرعيل الأول
ومرحلة أولى من مراحل تطور الحرس الوطني، أما منسوبو هذه الأفواج والألوية فقد
كانوا في البداية من المجاهدين وأهل الجهاد ممن أدرك مرحلة التأسيس ثم مرحلة
الاستقرار في عهد الملك عبدالعزيز ، ثم جاء أبناء هؤلاء من بعدهم يتوارثون تراثاً
خالداً ومجداً تليداً.
القطاع الثاني: وهو القطاع العسكري الحديث ، فبعد أن تولى صاحب السمو
الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز رئاسة الحرس الوطني رأى أنه لا بد من التحديث
والأخذ بالأساليب الإدارية والتنظيمية الحديثة على مستوى الرئاسة نفسها، وعلى
مستوى الوحدات ، ورأى أن هذا يجب ألا يكون على حساب القطاع التقليدي المتمثل في
أفواج المجاهدين وألويتهم، بل أن هذه الوحدات التقليدية نفسها تحتاج إلى الأخذ
بالأساليب الحديثة من اتصالات وآليات وتسليح وغيره .
وهكذا بدأ الحرس الوطني انطلاقة جديدة بتشكيل وحدات عسكرية حديثة
التنظيم والتسليح :" بدأ تشكيل جيل ثانٍ من الوحدات العسكرية ، هو جيل فرق
الفدائيين المحمولة ؛ لتعمل وفق تصورات جديدة وخطط مبتكرة إلى جانب ألوية الحرس
الوطني السابقة عليها في الوجود، وتتابع تشكيل هذه الفرق على هيئة كتائب مشاة
محمولة ، وقد جهزت تجهيزاً حديثاً في مجالات التسليح والمعدات والأسلحة المساندة والسيارات
، وكذلك لم تترك ألوية الحرس الوطني على ما كانت عليه ، بل مست يد التغيير كل
نواحيها"(32) .
إن هذه نقلة نوعية مهمة في الإدارة والتنظيم والأهداف ، فلم يعد الحرس
الوطني مظلة إدارية لتراث جيش عبدالعزيز وألوية المجاهدين ، بل قررت القيادة
السياسية لهذا البلد أن يكون الحرس الوطني قوة عسكرية حديثة التنظيم والتسليح ،
إذن هذه هي المرحلة الثانية من مراحل تطور الحرس الوطني التي بدأت في أواسط
الثمانينيات، وبلغت ذروتها في أواخر التسعينيات الهجرية من القرن الماضي.
" ومضى عقد من الزمان ، وانجلت القفزة الأولى للحرس الوطني عن
قوات أقوى تسليحاً وأفضل تدريباً وأحدث تنظيماً وأقرب لأساليب العصر وأرسخ في
قواعد الانضباط، وانتشرت فرق الفدائيين ، وتكتبت ألوية الحرس الوطني في جميع أرجاء
المملكة العربية السعودية تحرس مصالحها الحيوية ، وتسهر على ثرواتها وأمنها وتشجيع
البناء والنهضة حيثما حلت، وعندما مضى ذلك العقد من الزمان كانت إحدى ذرى النهضة
قد بلغت أقصى ارتفاعها ، وسمت شاهقة عالية"(33).
وفي عام 1394هـ شهد الحرس الوطني نقلة في العدد والعدة ، هي بحق نقلة
نوعية كبرى عندما تقرر تشكيل جيل ثالث من الوحدات العسكرية ، هي فرق الأسلحة المشتركة
التي تشمل تشكيلاتها :
– المدرعات.
– الدفاع الجوي.
– نظم الدفاع ضد الدبابات.
– المدفعية.
– نظم التموين المتقدمة.
وقد كانت الحصيلة تشكيل اللواء الآلي الأول ثم اللواء الآلي الثاني
اللذين هما بحق قوتان ضاربتان يحسب لهما حسابهما ، وقد شهدت هذه الوحدات العسكرية
نمواً مضطرداً وتقدّماً كبيراً في التسليح والتدريب ؛ إذ تضاعفت العناصر المشاركة
في المناورات السنوية بين عام 1399 و 1405 هـ
400%(34) .
ولا شك أن الحرس الوطني في قطاعه العسكري الحديث شهد تقدماً هائلاً ،
حتى أصبح جيشاً برياً متكاملاً من حيث التجهيز والتسليح والنقل والصيانة
والاتصالات ومراكز القيادة والسيطرة ، ومن حيث الخطط والعمليات، وقد قام – ولا
يزال – بمهماته وواجباته في تحقيق الأمن الوطني للمملكة العربية السعودية وترسيخه
بأبعاده الداخلية والخارجية، وهو يمارس هذا الأثر المهم بفاعلية وكفاءة بتكامل منظم
مع قطاعات القوات المسلحة السعودية التابعة لوزارتي الدفاع والطيران والداخلية،
والتاريخ الحديث خير شاهد على ذلك(35) .
وترتبط رئاسة الجهاز العسكري بسمو الرئيس وسمو نائبه ، وهي بمثابة
رئاسة الأركان ، ولها تنظيماتها الحديثة التي تشمل العمليات والتموين والتدريب
والإشارة والنقل والصيانة(36) .
الأثر الحضاري
والتنموي للحرس الوطني:
الحرس الوطني في انطلاقته
الحديثة لا يقف دوره عند مهماته الأمنية والدفاعية فقط، بل يمارس عملاً تنموياً
وحضارياً لا يمكن إغفاله ، لقد كان أحد الأسس التي بنيت عليها خطوط تطوير هذا
الجهاز الأمني والدفاعي هو تأصيل الفكر الموجه والحاكم لمسيرته التطويرية من أجل
التفاعل مع المجتمع وتأكيد حضور تاريخنا الحديث في جوانبه المختلفة(37)؛ ولذلك نرى أن من المهمات الجليلة التي
يقوم بها هذا الجهاز مهمة الحفاظ على التراث وترسيخ الانتماء من خلال برامج مختلفة
. ومن أهم إنجازات الحرس الوطني الحضارية الإعداد والإشراف على المهرجان السنوي
للتراث والثقافة الذي هو مهرجان ثقافي وتراثي متعدد الأنشطة ، يأتي في مقدمتها
الاهتمام بالقضايا الوطنية والفكرية ، وأصبح يتنادى له المثقفون العرب والمسلمون ،
ويدعى له أرباب الفكر العالميين .
والحرس الوطني فوق ذلك هو
المعول عليه – بعد الله – في حفظ تراث الجزيرة العربية، وبخاصة في إشرافه على
أندية الفروسية والخيول العربية ، بل إن من أهم وحداته العسكرية سلاح الفرسان ،
إضافة إلى الاهتمام بالإبل والهجن وسباقاتها وعروضها الدورية ، والحرس الوطني يشرف
على مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بدعم من صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن
عبدالعزيز وتوجيهه، ولهذه المكتبة جهود متكاملة مع مكتبة الملك فهد في رصد
المطبوعات والمخطوطات وحفظها وتقديم خدمات ممتازة للباحثين وعامة القراء.
أما العمل التنموي للحرس
الوطني فيصعب رصده هنا لاتساع مجالاته ، إلا أنه يمكن القول: إن جهود الحرس الوطني
في المجالات التعليمية العامة والصحة والإسكان هي جهود كبيرة بحق ، يستفيد منها
منسوبوه ومن يعولونهم ، وبعض هذه الخدمات متاحة لعامة المواطنين ، بل المقيمين على
أرض المملكة العربية السعودية .
إن هذا الجهاز يعد بحق
مفخرة للوطن ، وهو من الأجهزة العسكرية النادرة في العالم التي خرجت من ضيق الأفق
العسكري إلى رحابة المجتمع والتنمية . وأخيراً فإنه يمكن الإشارة إلى تطور نوعي
مهم صاحب مشروع التطوير والتحديث الذي مر به الحرس الوطني ولا يزال ، وهو الانفتاح
على المجتمع والتفاعل معه ، فقد استقطب كل فئات المجتمع ، وأصبح الباب مفتوحاً لمن
أراد أن ينضم إلى المسيرة الحضارية لهذه المؤسسة سواء في جانبها الأمني والدفاعي
أو في جانبها التنموي.
والحرس الوطني مؤسسة مهمة
من مؤسسات الأمن الوطني في المملكة العربية السعودية ، وتنبع أهمية هذه المؤسسة من
أنها تقوم بواجب مزدوج ؛ فالحرس الوطني بجميع قطاعاته يقوم بعمل مهم في حفظ الأمن
الداخلي وحماية المنشآت المهمة في الأوقات العادية، ويقوم بعمل إسنادي فعال في
مجالات الأمن المختلفة في أوقات الأزمات ، خصوصاً في الدوريات داخل المدن وخارجها
وفي التفتيش والمطاردة وتعقب المخلين بالأمن.
وفي الوقت نفسه فإن تشكيلات
الحرس الوطني – خصوصاً الحديثة منها – هي تشكيلات دفاعية أصلاً ، وهذا يمكنها من
القيام بالواجب الآخر ، وهو إسناد القوات البرية وقوات الدفاع الجوي الملكية
السعودية التابعة لوزارة الدفاع والطيران في أوقات الحروب لصد الاعتداءات الخارجية
وحماية حدود الدولة البرية.
الحرس الوطني مؤسسة أمنية
دفاعية تقوم بعمل مهم جداً في الحفاظ على الأمن الوطني للمملكة العربية السعودية.
وزارة الدفاع والطيران:
بعد استكمال المعارك الرئيسة لتوحيد
البلاد بضم الحجاز إلى الكيان الكبير عام 1344هـ قرر الملك عبدالعزيز – يرحمه الله
– المضي قدماً في إنشاء جيش حديث التسليح والتنظيم ؛ ليعول عليه بعد الله في حماية
دولته الوطنية، وقد كانت نقطة البداية إنشاء إدارة الأمور العسكرية عام 1348هـ ،
وبعدها بعام واحد جرى في جدة أول استعراض عسكري أمام الملك عبدالعزيز ، وكانت
القوة المستعرضة تتكون من فوج مدفعية وفوج رشاش فوج مشاة ، ولا شك أن نواة الجيش
النظامي هذه لم تكن كافية، ولم تكن بديلة لجيش عبدالعزيز التقليدي ، إلا أن هذه
القوه الحديثة الناشئة كان لها شأن في بعض الأحداث اللاحقة مثل فتنة ابن رفادة
وفتنة الإدريسي والحرب مع اليمن وتمرد الريث.
وقد تنامت هذه القوة النظامية ورفع من مستواها الإداري إلى " وكالة
للدفاع" عام 1354هـ ، وألغيت التشكيلات غير النظامية ، ولم يتبق إلا جيش
الجهاد ، في هذا التنظيم الجديد كانت القوة النظامية الحديثة تتكون من كتائب
وألوية ، ووزعت على ثلاث وحدات رئيسة : سلاح المشاة ، وسلاح المدفعية ، وسلاح
الفرسان . والأهم أن هذه القوة وزعت لأول مرة على المناطق الرئيسة الآتية : المنطقة
المركزية ، والمنطقة الجنوبية الغربية ، والمنطقة الجنوبية الشرقية ، والمنطقة
الشرقية الشمالية ، والمنطقة الغربية الشمالية ، على حين حدد مقر وكالة الدفاع في
الطائف، ثم ألغيت مديرية الشؤون العسكرية في عام 1358هـ ، وأحدث مكانها "
رئاسة الأركان الحربية " ، وعيِّن( لأول مرة ) رئيس هيئة لأركان الحرب(38) .
ثم كانت الانطلاقـــة الكبرى للقوات
المسلحة السعودية بتأسيس وزارة الدفاع في عام 1363هـ وتعيين الأمير منصــور بن
عبدالعزيز وزيراً للدفاع ومفتشاً عاماً برتبة فريق أول(39) .
منذ ذلك العام أصبح التطور والتحديث والتنظيم والانضباط
والتوسع هو السمة الظاهرة للقوات السعودية الحديثة ، وكان لسمو الأمير منصور بن
عبدالعزيز الأثر الكبير في إحداث نقلة كبيرة من حيث النوع والحجم ، فقد استعان
بخبرات خارجية ، وأرسل البعثات التدريبية إلى مصر وبريطانيا وأمريكا ، ووحد
ميزانية الأجهزة العسكرية في ميزانية واحدة ، وقدمت الإعاشة في المعسكرات، وأحدثت
فروع ومعسكرات في مناطق جديدة، وتم التنسيق مع الأجهزة الأمنية والعسكرية الأخرى
لتوزيع المهمات الحدودية وتحديدها ، وتم تنظيم وتوزيع الذخائر والمستودعات، وفصل
الحرس الملكي وربط بسمو ولي العهد الأمير سعود بن عبدالعزيز ، وتم ربط الطيران
الحربي والمدني بوزارة الدفاع ، كما تم إنشاء المدارس العسكرية وإرسال البعثات
لتعليم الطيران، واستقدمت بعثات تدريبية ، واستحدثت وحدات عسكرية آلية، ووحدات
مدفعية مضادة للطائرات والدبابات ، وتم البدء في إنشاء الصناعات الحربية في الخرج،
كما تم إنشاء المستشفيات والنوادي العسكرية.
ولحماس سمو الأمير منصور – يرحمه الله – فقد استصدر أمراً
ملكياً بزيادة رواتب العسكريين في عام 1368 هـ، ولم يمهل القدر سموه ، فقد توفي
عام 1370هـ ، وقد شاركت وحدات عسكرية سعودية إضافة إلى المتطوعين السعوديين في حرب
فلسطين عام 1368هـ.
وفي عام 1371هـ غُيـِّر اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الدفاع
والطيران والمفتشية العامة للجيش(40)، واستمرت وتيرة التحديث والتوسيع في التشكيلات في
السنوات اللاحقة لهذا التاريخ، ففي كل بضع سنوات تتغير التنظيمات والتشكيلات لمواكبة
المتغيرات الإستراتيجية والإقليمية والتقنية ، وبدأت الصورة الأولى للفروع
المستقبلية للقوات المسلحة تتضح وتتكامل في تدريباتها وخططها ومهماتها وواجباتها،
وقد تعاقب على هذه الوزارة في المدة 1370هـ – 1382هـ عدد من أصحاب السمو الأمراء(41) ، ثم شهدت وزارة
الدفاع والطيران وجميع فروع القوات المسلحة التابعة لوزارة الدفاع انطلاقتها
الكبرى عندما تولى صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز هذه الوزارة عام
1382هـ(42) .
وخلال العقود الأربعة المنصرمة رعى سمو الأمير سلطان نمو فروع القوات
المسلحة الرئيسة الأربعة فضلاً عن رئاسة هيئة الأركان والوحدات والإدارات المساندة
.
القطاعات
العسكرية بوزارة الدفاع والطيران :
سبقت الإشارة إلى البدايات الأولى للقوات النظامية وتطورها وإنشاء
الوزارة ، في بداية الأمر كان التطور بطيئاً ، إلاّ أنه اكتسب زخماً ملحوظاً في
العقد السابع من القرن الهجري الماضي، ثم بدأت النهضة الحقيقية والتوسع الكبير
والخطط الفعالة لتطوير القوات المسلحة ابتداء من عام 1382هـ عندما تولى صاحب السمو
الملكي الأمير سلطان ابن عبدالعزيز منصب وزير الدفاع والطيران ، ومنذ ذلك التاريخ
والقطاعات العسكرية تتوسع وتتطور عدداً وعدة وتنظيماً وتسليحاً وتدريباً وتعبئة،
كما استقلت هذه القطاعات إلى فروع مستقلة ومتوازية هيكلياً على النحو الآتي :
أ -
القوات البرية الملكية السعودية.
ب -
القوات الجوية الملكية
السعودية.
ج -
القوات البحرية الملكية
السعودية.
د -
قوات الدفاع الجوي الملكي السعودية.
إضافة إلى رئاسة الأركان والهيئات العسكرية العليا ، وقد انتشرت المدن
العسكرية والقواعد الجوية والبحرية وقوات الدفاع الجوي على مساحة الوطن تحمي حدوده
البرية والبحرية وأرضه وسماءه ومياهه الإقليمية، وترصد وتكتشف وتستعد لكل طارئ.
ولقد كان للقوات الملكية السعودية بمختلف قطاعاتها أثر رئيس بالغ
الأهمية في حرب تحرير الكويت الشقيق ؛ إذ أسهمت بكل كفاية واقتدار ضمن قوات
التحالف على قدم المســـاواة مع أعرق الجيــوش في إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح،
وكان هذا – ولا يزال – خير شاهد على الاستخدام المشروع للقوة وعلى كفاية المقاتل
السعودي وسلامة الخطط الموضوعة للتطوير المستمر لهذه القطاعات.
المتتبع للنهضة الشاملة التي شهدتها المملكة العربية السعودية يجد أن
وزارة الدفاع والطيران كانت من القطاعات التحديثية ؛ نظراً لما لذلك من أهمية في
القطاعات الدفاعية بسبب التطور التقني المستمر في الأسلحة والتجهيزات والصناعات
الدفاعية ، ولذلك نجد أن وزارة الدفاع والطيران أسهمت في تحسين المستوى الثقافي
والصحي والاجتماعي لمنسوبيها ومن يعولون ، بل امتدت خدماتها لتشمل قطاعاً كبيراً
من الوطن؛ إذ كانت الوزارة سباقة في المجال الصحي وفي الإسكان وفي التعليم وغيرها
من مجالات التنمية.
ويمكن لنا أن نقدر العمل الحضاري والاقتصادي والتنموي الذي تقوم به
وزارة الدفاع والطيران من خلال الحقائق الآتية:
أ – تنتشر المدن العسكرية والمعسكرات الحديثة في طول
البلاد وعرضها ، وهي تحمل من الطابع المدني التنموي أكثر مما تحمله من الطابع
العسكري الصرف، إن هذه المجمعات العسكرية هي مدن بحق من حيث الحجم وتكامل البنية
والخدمات الأساسية ، ويسكن ويعمل بها عشرات الآلاف من المواطنين عسكريين ومدنيين،
وهذا يجعلها محركاً تنموياً للمنطقة من حولها.
ب – تنتشر القواعد الجوية وقواعد الدفاع الجوي أيضاً
في شتى أنحاء المملكة ، كما أنشئت القواعد البحرية على الساحلين الشرقي والغربي
ببنية أساسية وخدمات متكاملة ، وهذه القواعد تماثل المدن العسكرية من حيث الأثر
التنموي الاقتصادي والاجتماعي.
ج – اهتمت الوزارة بالتعليم على جميع المستويات،
فأنشأت المدارس المتخصصة والكليات العسكرية ومدارس الأبناء والبنات ومدارس محو
الأمية والمدارس الليلية لمنسوبيها ولغيرهم ، كما اهتمت الوزارة بالتدريب
والابتعاث في الداخل والخارج، وهي بهذا تسهم بعمل كبير في رفع مستوى الوعي في قطاع
كبير من الشعب ، إضافة إلى أنه توجد نخبة من الأطباء والمهندسين والمؤهلين خبرة
وتعليماً من منسوبي أو " خريجي " قطاعات القوات المسلحة ، وكثير من
هؤلاء تسنموا مناصب رفيعة في أجهزة الدولة وممثلياتها في الخارج.
د – تعد المنشآت الصحية العسكرية المنتشرة في أنحاء
المملكة أرقى من مثيلاتها في الداخل والخارج ، وتتكامل خدماتها مع الخدمات الصحية
التي تقدمها أجهزة الدولة الأخرى ، وتملك وزارة الدفاع كوادر بشرية وخبرات طبية
استشارية متقدمة جداً، كما تملك وحدات إسعافية للنقل الطبي السريع الذي يقدم
خدماته لجميع المواطنين.
هـ – المطارات المحلية والدولية تنتشر في جميع أرجاء
المملكة ، كما تملك المملكة العربية السعودية أسطولاً جوياً كبيراً يتمتع بالثقة
وأعلى درجات السلامة.
و – اهتمت الوزارة بالأبعاد الاقتصادية للقرارات
الإستراتيجية ، خصوصاً برامج التسليح الخارجية وعقوده، فألزمت الشركات العالمية
المتعاقد معها من خلال برامج التوازن الاقتصادي بإعادة استثمار جزء من عائداتها
داخل المملكة تحت مظلة أنظمة الاستثمار الأجنبي وقواعده بالاشتراك مع القطاع الخاص
.
ز – لوزارة الدفاع والطيران دور رئيس ورائد في برامج
المحافظة على البيئة وحماية الحياة الفطرية .
تكتسب القوات المسلحة التابعة لوزارة الدفاع بأفرعها المختلفة(البرية
والجوية والبحرية والدفاع الجوي) أهمية خاصة ، يَصْدُقُ هذا على المملكة العربية
السعودية ، كما يصدق على غيرها من الدول الوطنية الحديثة. القوة العسكرية ضرورية
جداً ؛ لكونها أداة من أهم أدوات حماية الحقوق الوطنية وردع الاعتداءات وحماية
حدود الدولة ومياهها الإقليمية وأجوائها، والقوة العسكرية مهمة بالرغم من أن حكماء
القادة السياسيين والعسكريين لا يلجؤون لها إلاّ مضطرين ، وهذا هو العمل الأساس
الذي تقوم به أفرع القوات المسلحة الملكية السعودية ؛ إذ تمثل قوة رادعة وقت السلم
، وقوة لا يستهان بها ضد من يحاول المساس بكيان المملكة العربية السعودية.
وأفرع القوات المسلحة – وبخاصة القوات
البرية– تعد قوة مساندة لقطاعات قوة الأمن الداخلي في أوقات الأزمات الداخلية والفتن والاختلافات
الأمنية ، فبقدر ما هي قوة لحماية الجبهة الخارجية فإنها سند قوي للجبهة الداخلية
إذا استدعى الأمر ذلك . وزارة الدفاع والطيران بجميع قطاعاتها العسكرية تمثل حجر
الأساس للعسكرية السعودية في أداء واجباتها ورسالتها في الدفاع عن المملكة العربية
السعودية والمحافظة على أمنها الوطني ومصالحها الحيوية.
وزارة الداخلية:
وزارة الداخلية تعد من أكبر وزارات
الدولة حجماً وأهمية ، ووزارة الداخلية تعد وزارة للأمن والحقوق والحكم المحلي ،
بل أشمل وأكبر من ذلك ، وقد مرت الشؤون الداخلية بعدة مراحل نجملها فيما يأتي :
المرحلة الأولى : وهي مرحلة التأسيس من عام 1319 حتى عام
1343هـ:
كانت هذه مرحلة جهاد وفتح، ولم يتمكن
الملك عبدالعزيز خلالها من وضع تنظيم واضح للحكومة ، فقد كان هو الحكومة، وقد
انطبعت هذه المرحلة بطابع الأحداث السياسية ودوافعها وأهداف المشاركين فيها ونتائج
ذلك المخاض الكبير ، وقد كان الملك عبدالعزيز هو المحرك الرئيس للأحداث ، وكان
هدفه بناء الكيان الكبير الذي ما كان ليتأسس أو ليستقر إلا بالوحدة السياسية، ثم
بقطع دابر الفتن وفرض هيبة الحكم وترسيخ الأمن . إن عدم وجود تنظيم حكومي واضح في
هذه المرحلة لا يعني غياب الشـأن الداخلي ، بل العكس هو الصحيح ، فقد كانت الشؤون
الداخلية في مقدمة اهتمامات الملك عبدالعزيز.
وكان الملك عبدالعزيز هو المرجع الأساس
في كل الأمور ، ومعظمها يتعلق بالشأن الداخلي ، وقد كان يستخدم كل الوسائل المتاحة
على ضعفها لترسيخ الأمن والاستقرار وتثبيت العلاقة بين الحاكم والمحكوم ودعم أواصر
اللحمة والوحدة ومنع الفرقة، ولقد كانت رسائله وتوجيهاته للقادة والأمراء وشيوخ
القبائل والأعيان تنصب على هذا الهدف ، وكانت واجبة التنفيذ ، وكان لها الأثر
الكبير الذي يماثل بل يفوق قوة النظام ؛ لأنها تحمل في ثناياها هيبة الملك
عبدالعزيز.
وفي سبيل ترسيخ الأمن وتثبيت دعائم
الوحدة وفرض هيبة الحكم استصنع الملك عبدالعزيز رجالاً أفذاذاً ، عرفوا أهدافه
وسياسته ، ومنحوه الولاء والطاعة ، رجالاً كانوا يتمتعون بالشجاعة في الرأي وفي
الميدان وبالحكمة وبثقة عبدالعزيز ، لقد كانوا قادة للجيوش وممولين للجهاد وأمراء
ومنصوبين في الأقاليم، وكانوا أوفياء في تنفيذ سياسته التي تقوم أولاً وأخيراً على
تطبيق الشريعة وفرض هيبة الحكم وترسيخ الأمن والاستقرار والوحدة.
وغني عن القول أن الملك عبدالعزيز أعاد
للشرع هيبته من حيث المبدأ ؛ فقد وضع نصب عينيه بل أعلن في كل مناسبة أن المبدأ
الذي يحكم سيرته الجهادية هو مبدأ الدعوة إلى الله وتوحيد البلاد على أساس تطبيق
الشريعة الإسلامية، أما من الناحية التنفيذية فقد كان ذلك يعتمد بالدرجة الأولى
على اختياره للأشخاص الذين سيتولون ترسيخ هذا المبدأ ووضعه موضع التنفيذ ، وهم إلى
جانب غيرهم ثلاث فئات : الأمراء ، والخويا ، والقضاة . لقد كان الأمراء والقضاة
يُختارون بعناية من قبل الملك عبدالعزيز نفسه ، أما الخويا فقد كان يختارهم الأمير
، وتحكمه ظروف المنطقة المعين فيها الأمير .
الأمــراء
:
لقد كان الملك عبدالعزيز من
فور استقرار الأمر في المنطقة أو الإقليم الذي ينضم فتحاً أو صلحاً يبادر إلى
تعيين أمير أو منصوب يمثله في تلك الجهة إما من قادة الجيش الفاتح أو بإقرار أمير
المدينة أو المنطقة السابق في مكانه إن كان موثوقاً وذا حكمة وشجاعة وحزم ، وكان
الأمير يبادر إلى اختيار عدد من الخويا الذين ينفذون توجيهاته وأوامره بدون تردد،
أما المناطق الرئيسة فيعين فيها عادة إما من آل سعود أنفسهم مثل عبدالله بن جلوي
وعبد العزيز بن مساعد ، أو من القادة والرجال الذين يتمتعون بالحكمة والحزم
والولاء ، وهؤلاء أنفسهم يعينون أمراء في المناطق التابعة لهم بعد الاستئذان من
الملك عبدالعزيز ، وكل إمارة رئيسة أو فرعية كانت تتشكل من الأمير ورئيس للخويا
ومجموعة منتقاة من الخويا المسلحين ، وربما يكون الأمير محظوظاً، فيكون معه كاتب.
وكانت الإمارات هي المرجع الإداري في
جميع الأمور في المنطقة التابعة لها ، وترتبط مباشرة بالملك عبدالعزيز ، بل إن
بعضها ظل بعد ذلك يرتبط بديوان الملك عبدالعزيز لمدة طويلة(43) ،
وكانت الإمارة معنية بفرض هيبة الحكم وترسيخ الأمن ، وكانت تمثل قيادة الجيش في
منطقتها ، فمنها يتم التبليغ بالغزو والجـهاد والنفير ، ومنها ينطلق علم الجهاد .
وقد بلغ عـــدد الإمارات في عهد الملك عبدالعزيز
على حسب إحصائية وردت عام 1367هـ :
–(56)
ستاً وخمسين إمارة رئيسة.
–(14)
أربع عشرة إمارة فرعية في تسع مقاطعات كبرى(44) .
ولقد كان لهذه الإمارات عمل مهم في الضرب
بيد من حديد على العابثين بالأمن ، كما أنها كانت – ولا تزال – تشرف على تنفيذ الأحكام في
الحقوق والحدود وجرائم التعزير، وكان أمراء المناطق الرئيسة يمثلون الملك
عبدالعزيز في مناطقهم ، ولا كلمة تعلو على كلمتهم إلا كلمة الله، ثم أوامر الملك
عبدالعزيز وتوجيهاته وسياسته.
القضــاة :
لم
يكن لمبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية أن يوضع موضع التنفيذ دون أن يطبق ويعمم القضاء
في جميع أنحاء البلاد ، فقبل عهد الملك عبدالعزيز كان القضاء معدوما في أغلب الحال
، أو ضعيفاً في أحسن الأحوال ، وكان القضاء شبه المنظم لا يوجد إلا في بعض مدن
الحجاز.
وكان الناس يعتمدون في حل مشكلاتهم
وقضاياهم ونزاعاتهم إما على الاستسلام للأمر الواقع الذي يفرضه القوي ، أو على
الأعراف والتقاليد ، أو على بعض رجال العلم الشرعي ممن يحتسبون في حل قضايا الإرث
والزواج والطلاق والديات، وكان لرجال " الصلح " أثر في تلك المدة ، وهم
أولئك الرجال الحكماء الذين نذروا أنفسهم للإصلاح بين الناس ؛ لذلك فإن من أول ما
أولاه الملك عبدالعزيز اهتمامه القضاء الشرعي ، وتكليف القادرين من رجال العلم
الشرعي بالقضاء ؛ ليسهموا في تحمل مسؤولية حل النزاعات والقضايا والبت فيها ؛ ليتحقق
بذلك الأمن والعدل من خلال إصدار الأحكام الشرعية وتنفيذها.
وكان الملك عبدالعزيز عندما يعين
أميراً لمنطقة معينة فإنه يعين معه القاضي الذي هو صنو الأمير ومستشاره الشرعي ،
وكان للقاضي احترامه واستقلاله ، ولم يشهد القضاء هياكل إدارية واسعة ، بل قضاة
ومحاكم صغيرة التنظيم ، ولكن أحكامها كانت مبنية على الشريعة . مرحلة التأسيس هذه
كانت مرحلة تأسيس القضاء الشرعي أيضاً ، هذا القضاء الذي كان غائباً أو ضعيفاً
لمدة طويلة باستثناء بعض الأوقات وبعض المناطق .
الخويَــــــــا:
مفهوم الخوي ينسحب على شخصيتين ، كان
لهما أثر اجتماعي وسياسي وأمني بـارز :
الشخصية الأولى هي الأكثر رسوخاً والأقدم في المجتمع ، هي
شخصية رفيق السفر أو التجارة أو الغزو ، فقد كان المسافر والتاجر والغازي وغيرهم
يختار رفيقه اختياراً دقيقاً ، ولم يكن يصاحبهم إلا من يأنسون له ، أو ممن اضطروا
لاصطحابه ، أو ابتلوا به ، أو رحموه من أن يترك وحيداً أو ضحية لغيره.
الخوي بهذا المفهوم يتم اختياره بناء
على عدة مقاييس ، أهمها الوفاء والشجاعة ورباطة الجأش والتحمل والصبر والحكمة
والفراسة والمعرفة بالطرق والأقاليم والقبائل.
ولا شك أن مفهوم الخوي هذا بما له من أبعاد
موجود في كثير من الحضارات والأمم، إلا أنه كان أكثر رسوخاً ومهمته وأثره
الاجتماعي والاقتصادي أكثر ضرورة ووضوحاً في الأقاليم التي تشكلت منها المملكة
العربية السعودية ، وذلك لأسباب متعددة ، أهمها على الإطلاق " اختلال الأمن
" وسيادة " عقلية الغزو والسلب
والنهب" .
أما الشخصية الثانية التي لها علاقة –
مهما كانت جزئية – بورقتنا هذه ، فهي شخصية
" الخوي " الذي يعمل مرافقاً للملك والأمراء من ذوي المناصب
الرسمية وأمراء المناطق ومحافظيها ورؤساء المراكز ، الخوي بهذا المفهوم هو تطور
أملته الظروف وتطورات الأوضاع تاريخياً وسياسياً
، وقد كان "الخويا"( جمع خوي ) في بادئ الأمر جزءاً من جيش الفتح
؛ إذ إن بقية الجيش تعود لبلدانها أو تنصرف إلى جهة أخرى لفتحها أو قمع حركة تمرد
أو عصيان. أما الأمير أو المنصوب الذي يمثل الملك عبدالعزيز في المنطقة المنضمة
حديثاً للدولة الناشئة فقد كان يستبقي معه فئة من أقرب الناس إليه وأكثرهم معرفة
بالبلد ، وقد يضم إليهم مجموعة أخرى من أهل البلد ، وربما من رؤسائهم ، هذه الفئة
" الخويا " كانت الأداة التنفيذية المهمة ، وربما الوحيدة للأمير أو
المنصـوب .
إذن يمكن القول: إن الخويا هم
أولئك الرجال المسلحون تسليحاً شخصياً الذين يرتبطون بأمير المنطقة، ويأتمرون
بأمره، ويشرفون على تنفيذ هذه الأوامر ، وفي عهد الملك عبدالعزيز كان الخويا
ينتقون من جيوش الفتح ؛ إذ يكلف الأمير مجموعة من هؤلاء بالمرابطة معه في إمارته ،
وقد يكونون بدواً أو حضراً من المنطقة أو
من خارجها، وقد كان لهؤلاء الخويا أثر مهم في فرض هيبة الـحكم والأمير ، فهم
يضربون بيد من حديد على كل من تسول له نفسه الخروج على الأمير ، ويفرضون النظام في
مجلس الأمير نفسه الذي هو محل تقابل الخصوم والفئات المتنازعة قبل الإحالة على
القضاء الشرعي ، ومكان إحضار الخارجين على النظام واستجوابهم.
وكان للخويا مهام تقليدية معروفة، من
أهمها الإبلاغ والإحضار ومرافقة الخراصين والمزكين ومرافقة أمير المنطقة وتنفيذ
أوامره والمشاركة في التجهيز للغزو وحملات التأديب، ولا يزال الخويا يمارسون مهام
أمنية من خلال الإمارات والمحافظات والمراكز.
المرحلة الثانية : وتبدأ بعد دخول الملك
عبدالعزيز لمكة عام 1343هـ إلى وفاته عام 1373هـ :
بدأت أولى خطوات تنظيم الشؤون الداخلية
من خلال تشكيل لجنة أهلية للإدارة المحلية في مكة المكرمة أثناء حصار مدينة جدة من
قبل قوات الملك عبدالعزيز ، أما بعد استسلام جدة عام 1344هـ فقد كلف الملك
عبدالعزيز ابنه الأمير فيصلاً نائباً عنه في الحجاز، وصدرت التعليمات الأساسيـــة
التي كــان من ضمنها أن جميع الأمور الداخليـــة في الحجــاز وبعض المناطق
الجنوبية الغريبة تتبع النائب العام ، أما بقية المناطق – وخصوصــاً مناطق نجد
والأحساء وحائل – فكانت تدار مباشرة من الملك عبدالعزيز في الرياض ، يعاونه الأمير
سعود الذي بويع بولاية العهد في تاريخ لاحق من هذه المرحلــة .
ولا بد من الإشارة إلى أن انضمام
الحجاز إلى الكيان الكبير شكل تحدياً إيجابياً للملك عبدالعزيز ، فقد كان فيها بعض
الكوادر البشرية المدربة والمتعلمة نسبيًا، وكان في جدة وجود دبلوماسي معتد به ،
إضافة إلى أهمية الحرمين الشريفين والحج الركن الخامس من أركان الإسلام ، والملك
عبدالعزيز بما عرف عنه من حكمة وسياسة رأى أنه لا بد أن يثبت لأهل الحجاز وللعالم
الإسلامي وللمجتمع الدولي أنه أفضل من يتولى الأمر في جزيرة العرب مهبط الوحي ؛
لذلك بادر إلى انتهاز الفرصة السانحة في البدء مباشرة في تنظيم الشؤون الداخلية
انطلاقاً من الحجاز وترسيخ الأمن في الأماكن المقدسة والاهتمام بالحرمين الشريفين
وبالحج والحجاج.
وهكذا كانت النيابة العامة في الحجاز
نواة للهياكل الإدارية للحكومة في المستويات ما دون الملك عبدالعزيز نفسه وديوانه
، ثم صدر نظام مجلس الوكلاء عام 1350هـ الذي على أثره تشكلت وزارة الداخلية لأول
مرة ؛ لتصبح مسؤولة عن جميع الشؤون الداخلية، ورأسها الأمير فيصل بن عبدالعزيز رئيس
مجلس الوكلاء، وفي عام 1353هـ ألغيت وزارة الداخلية من التشكيل الإداري ، ودمجت
اختصاصاتها باختصاصات مجلس الوكلاء ، وكانت الوزارة تضم كل فروع الحكومة ذات
الارتباط بالشأن الداخلي مثل الصحة والتعليم والجمارك والمحاكم والبلديات والأوقاف
وغيرها.
وفي عام 1370هـ أعيد تأسيس وزارة
الداخلية ، وربطت بالأمير فيصل النائب العام ، وأصبحت جميع اختصاصات النيابة
العامة من اختصاص الوزارة ماعدا الشؤون السياسية والمالية والأعمال والإدارات
المرتبطة بهما، كما ربطت بها الإمارات الملحقة بالحجاز والمعارف العامة والبرق
والبريد والأمن العام ورئاسة القضاة والمحاكم والبلديات والطوافة والمطوفين
وقائمقامية العاصمة المقدسة وجدة وهيئة عين زبيدة والأوقاف وخفر السواحل والمحكمة
والغرفة التجاريتين . وهكذا نرى أن معظم أعمال الحكومة في الحجاز وملحقاتها كانت
ترتبط بوزارة الداخلية.
وأعيد تنظيم وتشكيل الوزارة ابتداءً من
العام المالي 1373هـ / 1374هـ ، وأصبح يرتبط بها ثلاث مقاطعات رئيسه وأربع عشرة
إمارة وإدارات السجون والجنايات والإحصاء والجنسية والأجانب والمياه ، ولا شك أن
معظم قطاعات قوى الأمن الداخلي أنشئت في هذه المدة.
ونستطيع القول هنا : إن من أهم التطورات
في هذه المدة هو تكامل تشكيلات الوزارة ونطاق إشرافها على الشأن الداخلي سواء على
مستوى القطاعات التابعة لها أو على مستوى ديوان الوزارة نفسه ، بحيث برزت وزارة
الداخلية بروزاً جعلها من أهم وزارات الدولة لكونها وزارة سيادة ، بالرغم من أن
بعض الإمارات كانت لا تزال مرتبطة بالديوان الملكي ، ولم ترتبط بالوزارة إلا في
تاريخ لاحق(45) .
المرحلة
الثالثة من عام 1373هـ إلى وقتنا هذا :
في عام 1373هـ توفي الملك المؤسس يرحمه الله ،
وتولى الملك سعود عبدالعزيز سدة الحكم ، هذا العام آذن بنهاية مرحلة وبداية مرحلة
أخرى، ليس بسبب انتهاء تأسيس الكيان وترسيخه واستقراره بموت المؤسس ، بل لأن هذه
المرحلة شهدت – بل تطلبت – عدة أمور ، أهمها ما يأتي :
أولاً: تركيز أجهزة الدولة وتوحيدها في مدينة الرياض ،
وترسيخ أهميتها عاصمة ومقراً للحكومة ، وتطويرها عمرانياً .
ثانياً: تأسيس معظم الوزارات في هذه المدة، وإنشاء مبانٍ
حديثة للأجهزة الحكومة.
ثالثاً: تفعيل مجلس الوزراء والبدء في عقد جلساته
المنتظمة برئاسة الملك أو ولي العهد، وبدء ممارسة أعمال الحكومة على النمط الحديث.
رابعاً: بدء
برامج تنموية مع توسع الحكومة في الإنفاق، وبدء برامج إصلاح إداري ومالي مع البدء
في تقديم خدمات أوسع في مجالات التعليم والصحة وغيرها.
هذا هو الطابع العام
للمرحلة ، أما وزارة الداخلية فقد أنشئ مقر ضخم لها في الرياض، وتعاقب عليها أصحاب
السمو الملكي الأمراء ، حتى تولاها خادم الحرمين الشريفين عام 1382هـ ، ثم من بعده
صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز في عام 1395هـ(46) .
وفي هذه المدة استقلت وزارات الخدمات،
وانفصلت عن وزارة الداخلية ، كما شهدت وزارة الداخلية تطورات كبيرة على مستوى
ديوان الوزارة نفسها وعلى مستوى الإمارات والقطاعات والأجهزة المرتبطة بها من حيث
التوسع في التشكيلات الإدارية والأمنية ، ومن حيث التقنين والتنظيم ، ومن حيث
الإجراءات والأخذ بأسس الإدارة الحديثة، لقد كانت – ولا تزال – وزارة الداخلية من
أكبر وزارات الدولة وأوسعها انتشاراً والتصاقاً بالمواطن في حياته اليومية وفي
أمنه ومصالحه .
وقد استقر تنظيم الوزارة الحديث على
تقسيم المملكة إدارياً إلى( 13 ) ثلاث عشرة منطقة ، يرتبط بها مئات المحافظات
والمراكز، كما يرتبط بالوزارة قطاعات الأمن الداخلي كافة ، وهي الأمن العام وحرس
الحدود والمباحث العامة والدفاع المدني والجوازات وقوات الأمن الخاصة وكلية الملك
فهد الأمنية والمديرية العامة للأحوال المدنية والإدارة العامة للمجاهدين ، كما
ترتبط بها وكالة الوزارة لشؤون المناطق ووكالة الوزارة للشؤون الأمنية ووكالة
الوزارة لشؤون الحقوق ومركز المعلومات والأمانة العامة للهيئة العليا للأمن
الصناعي وإدارة الاتصال للشرطة العربية والدولية والإدارة العامة لشؤون الأسلحة
ومركز أبحاث الجريمة وشؤون الحدود وغيرها من الأجهزة والإدارات ذات الطابع الإداري
والتخطيطي والإسنادي(47) ، كما يشرف سمو وزير الداخلية وسمو
نائبه على الأمانة العامة لمجلس الأمن الوطني وعلى هيئة التحقيق والادعاء العام.
الإمــــــــارات :
الإمارات في الجزيرة العربية لها جذور
تاريخية ترجع إلى ما قبل عهد الملك عبدالعزيز، وهي جزء من الهرم الاجتماعي
والسياسي منذ أزمان طويلة ، إلا أنها ترسخت واكتسبت أهمية مع نمو وتوسع الكيان
الكبير المملكة العربية السعودية ، وقد كان للأمراء والإمارات أثر بالغ الأهمية في
فرض هيبة الحكم وتنفيذ الأحكام وتطبيق الشريعة وإقامة أركان الإسلام على وجهها
الصحيح وترسيخ الأمن والاستقرار وقطع دابر الفتن بتوجيه الملك عبدالعزيز وإشرافه
ومتابعته مباشرة.
في بداية المرحلة الثالثة من تطور
وزارة الداخلية كانت بعض الإمارات لا تزال مرتبطة بالديوان الملكي حتى جاء عام
1380هـ ، في هذا العام صدر أمر ملكي موجه لأمراء بعض المناطق باعتماد وزارة
الداخلية مرجعاً لهم ، وهكذا أصبحت جميع الإمارات الرئيسة مرتبطة بوزارة الداخلية،
وربطت بعض الإمارات الفرعية الصغيرة بأقرب إمارة لها(48) .
وقد استقـر الأمر أخيراً بعد صدور نظام
المناطق في عام 1412هـ على أن يحصر اسم الإمارة على إمارات المناطق الثلاث عشرة ،
تتبعها المحافظات والمراكز ، وبصدور هذا النظام شهد ويشهد الحكم المحلي في المملكة
العربية السعودية – إن جازت التسمية – قفزة كبيرة ونقله مهمة في تأكيد السلطات
والصلاحيات والمسؤوليات الإدارية للإمارات والمحافظات والمراكز ، وقد نص النظام على إنشاء مجلس لكل منطقة ، كما
حدد واجبات كل أمير واختصاصات مجلس المنطقة . وسنعود لهذا الجانب لاحقاً(49) .
قوى الأمن الداخلي :
يعد الأمن العام من أقدم أجهزة الدولة على الإطلاق ، فقد أمر الملك
عبدالعزيز بإنشاء جهاز للشرطة في مكة المكرمة بعد دخوله لها مظفراً عام 1343هـ ،
ولم يأت عام 1344هـ إلا وقد صدر لها تنظيم وتشكيل بل لائحة عقابية لمنسوبيها ،
وكانت النواة عبارة عن مدير للشرطة ومعاونين وستة موظفين و(130) فرداً ، بالإضافة
إلى موظف ومعاونه وجنديين لإدارة السجن الملحقة بالشرطة ، وقد ألحق بالشرطة( 70 )
سبعون خوياً ؛ ليحلوا محل الجنود ريثما يتم تجنيدهم وتدريبهم ، ويتم ترتيب الجانب
المالي، وأطلـق على هذه المجموعة من الخويا " وحدة الدرك " ، وكانت الشرطة
مرتبطة بالنائب العام .
وفي خــــلال سنة تقريبـــــاً أصبح
للشرطة فروع في المدن الرئيسة في الحجاز مع تشكيل خاص لشرطة الحرم ، وفي عام
1349هـ أحدث اسم مدير الأمن العام، وربطـــــت بـــه جميع إدارات الشرطة ، وتشكلت
في العام الذي يليه شرطة الرياض لأول مرة .
وبدأت تشكيلات الشرطة تتوسع من حيث عدد
الفـروع ومن حيث عـدد العاملين، ولم يأت العام 1375هـ إلا وقد كانت هناك إدارات
للشرطة في مناطق مثل الأحساء وجيزان وعشرين مدينة أخرى ، وهكذا بدأت أعمال الشرطة
تغطي مناطق المملكة ومدنها شيئاً فشيئاً ، ويرافق ذلك اعتماد تشكيلات وهيكلة
وتنظيمات تفرضها الحاجة لمواكبة هذا التوسع ومحاولة تطوير الأعمال وضبط الأداء
ومراقبة هذه الأجهزة في استخدامها للسلطة . ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن
الأمن العام كان يشرف على جميع التخصصات الأمنية الأخرى ، مثل الجوازات والدفاع
المدني والمباحث العامة وكلية الملك فهد الأمنيــة( كلية الشرطة في حينه)(50) .
وقد مرت تشكيلات الأمن العام بتطورات
متلاحقة ، وتوسعت الخدمات الأمنية التقليدية التي يقدمها الأمن العام ، مثل أعمال
الشرطة والمرور والجنايات والأدلة الجنائية والسجون ، ولقد عمت وشملت هذه الخدمات
جميع أرجاء المملكة في شكل متوازن ، بل شكلت قوات أمنية بمهمات محددة ، مثل قوات
الطوارئ الخاصة وأمن السفارات وأمن الطرق وأمن المنشآت ومكافحة المخدرات . إن
الأمن العام منذ إنشائه كان – ولا يزال – يمثل القطاع الأمني الأول والحجر الأساس
لقوى الأمن الداخلي السعودي ، وخدماته تغطي جميع أرجاء الوطن.
وفي هذه المدة انفصلت وتوسعت تشكيلات
القطاعات الرئيسة من قوات الأمن الداخلي ، وبخاصة المباحث العامة والجوازات
والدفاع المدني ، كما اتضحت واجباتها ومهماتها وتكاملت مع مؤسسات الأمن الوطني
الأخرى ، ولا شك أن متابعـة تطور كل قطاع هو أمر يتطلب بحثاً مستقلاً ، غير أنه
تجب الإشارة هنا إلى أن قوى الأمن الداخلي توسعت تشكيلاتها بشكل كبير ، وعمت
خدماتها جميع أرجاء المملكة . وقوى الأمن الداخلي تتكون الآن من القطاعات الآتية :
أ – مديرية
الأمن العام .
ب – المديرية العامة لحرس الحدود.
ج – المديرية
العامة للدفاع المدني.
د – المديرية
العامة للمباحث.
هـ – المديرية
العامة للجوازات.
و – قوات
الأمن الخاصة.
ز – المديرية
العامة لكلية الملك فهد الأمنية .
ح – الإدارة
العامة للمجاهدين.
الدور
التنموي لوزارة الداخلية :
سبق الإشارة إلى أن
وزارة الداخلية هي أهم وأكبر أجهزة الدولة ، سواء من حيث هياكلها الإدارية
وقطاعاتها وشمول خدماتها لأرجاء الوطن ، أو من حيث عدد العاملين بها أو من حيث
ميزانيتها ، وهي معنية ومختصة بالشأن الداخلي الذي يمكن القول : إن له جانبين متمايزين
ولكن متكاملين ، هما :
الجانب الأول : الحكم المحلي( الإمارات
وتوابعها ).
الجانب الثاني : الأمن الداخلي( قوى
الأمن الداخلي ).
إن تقسيم مهمات الوزارة وواجباتها إلى
" حكم محلي " " وأمن داخلي " يعكس فقط الاستقلالية في الهيكلة
الإدارية وفي طبيعة الأعمال ، وإلا فإن أمير المنطقة هو مرجع لكل الأجهزة الحكومية
، ومن ضمنها فروع القطاعات الأمنية في منطقته ، كما أنه يرأس مجلس المنطقة الذي
يشارك في عضويته قادة فروع قوى الأمن في المنطقة ورؤساؤها، وبناء عليه فإن هرمية
القطاعات الأمنية لا تعني بالضرورة إطلاقاً استقلالية الفرع ، بل بالعكس تعني
تكامل الشأن الداخلي بفرعيه : الحكم المحلي والأمن الداخلي ، ولاسيما إذا أدركنا
أن أهم مسؤوليات أمير المنطقة هي المحافظة على الأمن والاستقرار في منطقته، فهو
رجل الأمن الأول فيها.
إن مهمة الوزارة ومسؤولياتها في جانبي
الحكم المحلي والأمن الداخلي تجعل الوزارة في صلب العملية التنموية ، ويمكن إيجاز
عملها في هذا الجانب كما يأتي :
أولاً: وزارة
الداخلية هي وزارة للتنمية بقدر ما هي وزارة للأمـن ، فإمـارات المناطق معنية إلى
أبعد الحدود الممكنـة بتحقيق التنمية الشاملـة في المناطق التابعة لها ، إن أمراء
المناطق مكلفون بحكم مسؤولياتهم بالتنسيق مع أجهزة الدولة الأخرى بدعم برامج
التنمية ومشاريع البنى الأساسية ، يساندهم في ذلك مجالس المناطق، وهم أيضاً معنيون
بالتخطيط للبرامـج والمشاريـع والإصلاح الإداري والأبعاد والانعكاسات الهيكلية
والمالية(51) .
في وقت من الأوقات كان ينظر للإمارة
على أنها معنية بالقضايا ذات العلاقة بالحقوق والأمن وتنفيذ الأحكام وهيبة الحكم
فقط ، غير أنه حتى قبل صدور نظام المناطق كانت معظم الإمارات تبذل جهوداً تنموية
تستحق الإشادة . إن المسؤولية المنوطة بأمراء المناطق من حيث متابعة المسار
التنموي لمناطقهم وتشجيع فرص الاستثمار العام والخاص – هذا في حد ذاته يجعل وزارة
الداخلية ممثلة بجميع أجهزتها – وبخاصة الإمارات – في صلب عملية التنمية المستمرة
.
ثانياً: في الجانب الآخر فإنه يمكن الجزم أن التنمية دون
أمن واستقرار مستحيلة ، فإذا تحقق الأمن
أصبحت التنمية ممكنة بشروطها الأخرى، وإذا اختل الأمن استحال تحقيق التنمية، حتى
لو توافرت لها أفضل الظروف والإمكانات، الأمن والاستقرار شرطان ضروريان للتنمية،
إن وزارة الداخلية بكل أجهزتها هي التي تحمي المنجزات الداخلية ، وتوفر بيئة
اقتصادية واجتماعية آمنة، وتتيح لكل القدرات والإمكانات أن تتفاعل ؛ ليتحقق بإذن
الله الكثير من المصالح العامة والخاصة ، ويسير المجتمع على طريق النمو والتقدم
والتطور.
ثالثاً: ومن زاوية أخرى فإن الوزارة بحكم كونها من أهم
الوزارات وأكبرها تعنى بتطوير نفسها وأجهزتها ، وهي بهذا تسهم كأي قطاع آخر من
قطاعات الدولة في تنفيذ ما يخصهــــا من برامج التنمــــية الشاملة ، ووزارة
الداخلـــية معنية بتطوير قطاعاتها وأجهزتها ورفع مستوى خدماتها وتعميمها على
مختلف أرجاء الوطن ، كما أنها معنية بتحسين مستويات التعليم والوعي والمعيشة لمنسوبيها
وأسرهم عن طريق تقديم خدمات تعليمية وصحية وإسكانية وتحقيق دخول كافية ؛ ليكونوا
أعضاء فاعلين في مجتمعاتهم وشريحة اجتماعية متفاعلة مع التنمية ، وزارة الداخلية
تتلقى الدعم من القيادة العليا ومن أجهزة الدولـة المعنية أسوة بالقطاعات الأخرى
من القوات المسلحة الملكية السعودية في الحرس الوطني ووزارة الدفاع
والطـــــــيران.
إن وزارة الداخلية بجميع قطاعاتها –
خصوصاً الإمارات وقوات الأمن الداخلي – تعد مسؤولة مسؤولية مباشرة عن الأمن
الداخلي بجميع جوانبه وتأمين الجبهة الداخلية، ويقوم الأمن العام والمديرية العامة
الحرس والحدود والمديرية العامة للدفاع المدني وقوات الأمن الخاصة والإدارة العامة
للمجاهدين وهيئة التحقيق والادعاء العام بجهود على مدار الساعة في الحفاظ على أمن
المواطنين والمقيمين والمؤسسات والممتلكات الخاصة والعامة ، معظم هذه القطاعات
منتشر على مساحة الوطن على مستوى الإمارات والمحافظات والمراكز ، فهي في نسيج
المجتمع على اتصال دائم بمختلف الطبقات والفئات، لا يشغلهم إلا أمن الوطن
والمقيمين على ترابه من مواطنين ومقيمين وحجاج وزائرين.
ومن جهة أخرى فإن من أول واجبات إمارات
المناطق وأهمها المحافظة على الأمن والاستقرار واتخاذ الإجراءات اللازمة لذلك وفقا
للأنظمة واللوائح وتنفيذ الأحكام القضائية النهائية وحفظ حقوق الأفراد وحرياتهم
والمحافظة على أموال الدولة وأملاكها ومنع التعدي عليها ، كما تنص بذلك المادة
السابعة من نظام المناطق.
إن تكامل الواجبات في المجال الأمني
بين إمارات المناطق وفروع قوى الأمن الداخلي يشكل حجر الأساس للأمن الداخلي على
مستوى الوطن ، ويعزز الأمن الوطني وتماسك الجبهة الداخلية في أوقات الأزمات.
قطاع المعلومات هو القطاع
الرابع الذي يرتكز عليه بناء الأمن الوطني من حيث الأبعاد الإستراتيجية ، ومن حيث
متابعة التطورات والأزمات الناشئة والمحتملة ، ومن حيث استعداد الأجهزة السياسية
والأمنية والدفاعية لمواجهة الأحداث والتطورات التي قد يكون لها تأثير سلبي أو
إيجابي على الأمن الوطني، إن أجهزة جمع المعلومات وتحليلها ورصد الأحداث والتطورات
والربط بين المتغيرات هي من ضرورات بقاء الدولة الوطنية المعاصرة ونموها
واستقرارها في جميع أنحاء العالم ، ولقد أصبح التأثير والتأثر والتفاعل عبر
القارات والأقاليم والحدود هو سمة العصر بما لذلك من آثار عقدية وسياسية واقتصادية
واجتماعية ، ولم تعد الانعزالية والكبت وإقفال الأبواب والنوافذ ممكنة في عصرنا
الحاضر وفي مستقبل الأيام ، أصبح من المستحيل على الدول والكيانات والحضارات أن
تعزل نفسها عن العالم ، ولو كان ذلك ممكناً فإنه دليل تخلف أكثر منها وسيلة حماية
، إضافة إلى أن الانفتاح على العالم والتفاعل معه له من الإيجابيات الشيء الكثير
الذي ليس هنا مجاله .
ومع هذا الانفتاح تأتي
سلبيات ومؤثرات خارجية ، تؤثر على ثوابت الكيانات السياسية المستقلة ، والاستقلال
نسبي في عصرنا الحاضر على أي حال ، ولضمان الاستقرار الداخلي الذي هو نفسه ضرورة
للتقدم والنمو فإن أجهزة المعلومات أصبحت ضرورة عصرية لمتابعة التطورات والظواهر
والأحداث والعلاقات الداخلية أو الخارجية التي لها علاقة بالأمن الوطني بأي درجة
وفي أي مجال ، فالنار من مستصغر الشرر.
في المملكة العربية
السعودية كغيرها من الدول قطاع المعلومات قطاع عريض ، تتوزع مهماته وأجهزته بين مؤسسات
الأمن الوطني كلها، ويأتي في مقدمتها الاستخبارات العامة ، والاستخبارات العامة
جهاز مستقل ذو ميزانية مستقلة لا يرتبط بأي من مؤسسات الأمن الوطني الأخرى ، اللهم
إلاّ من حيث التنسيق وتبادل المعلومات ، بل يرتبط بالملك بكونه رئيساً لمجلس
الوزراء .
أمّا أجهزة قطاع المعلومات
الأخرى فتتوزع بين الحرس الوطني ووزارة الدفاع والطيران ووزارة الداخلية ، ومن
المعلوم والبدهي أن الحرس الوطني ووزارة الدفاع والطيران بحكم أن قطاعاتها قطاعات
عسكرية بحتة تتضمن في صلب تشكيلاتها العسكرية أجهزة معلومات ورصد واستطلاع بدءاً
من هيئات الاستخبارات في أعلى الهرم وانتهاءً بمنظومة من أركانات ومجموعات
الاستخبارات الميدانية، وفوق ذلك فإن وزارة الدفاع والطيران تضم قطاعاً معلوماتياً
مهماً، وهو إدارة المساحة العسكرية . أما وزارة الداخلية فتضم ثلاثة أجهزة من أهم
أجهزة المعلومات ، وهي : المباحث العامة ، ومركز المعلومات الوطني ، ووكالة
الوزارة للأحوال المدنية.
وإذا نظرنا بشمولية إلى
قطاع المعلومات في المملكة بصرف النظر عن ارتباطه والإشراف عليه فإنه يمكن القول :
إن قطاع المعلومات ذا الصلة المباشرة بالأمن الوطني يشمل الأجهزة الآتية:
أ – الاستخبارات
العامــة.
ب – منظومة هيئات وأركانات الاستخبارات بالحرس الوطني ووزارة الدفاع
والطيران.
ج – إدارة المساحة العسكرية بوزارة الدفاع والطيران.
د – المباحث العامة بوزارة الداخلية.
هـ – وكالة
الأحوال المدنية ومركز المعلومات الوطني بوزارة الداخلية.
وإذا نظرنــــا بشمولية
أكبر فإن قطاعاً مرادفاً له أهميته القصوى يتمثل في أجهزة جمع الإحصاءات الحيوية ،
هذه المعلومات مهمة جداً للسياسات التي تبنى عليها إستراتيجية الأمن الوطني ، ومن
الأجهزة التي هي مصدر المعلومات في هذا الجانب وزارة المالية والاقتصاد الوطني ،
ولديها مركز للمعلومات له فعاليته وأهميته ، ووزارة التخطيط ووزارة البترول
والثروة المعدنية وأرامكو السعودية ووزارة الزراعة والمياه ووزارة التجارة ووزارة
العمل والشؤون الاجتماعية ، وأجهزة حكومية ، وقطاعات أهلية أخــــرى.
إن قطاع المعلومات الأول ذا
الصلة المباشرة بالأمن الوطني يستقي جزءاً مهماً من معلوماته من المنظومة الواسعة
للمعلومات التي تشكل النسيج الإداري والاقتصادي والاجتماعي ، وقطاع المعلومات
عموماً هو قطاع حيوي مهم ، ليس فقط لحفظ الأمن والاستقرار ووضع الإستراتيجيات
الأمنية والدفاعية ، بل هو مهم لوضع الخطط ولدعم عمليات وبرامج التنمية ، ويعد
قطاع المعلومات دعامة أساسية تبنى عليها إستراتيجيات الأمن الوطني وسياساته .
4– قضايا الأمن الوطني للمملكة
العربية السعودية :
لكل دولة وضعها السياسي والاقتصادي
والجغرافي – السياسي (الجيوبولوتيكي) والاجتماعي ، وتبعاً لذلك فإن لكل بلد قضاياه
ومسائله المتعلقة بأمنه الوطني ، بل يواجه أخطاراً وتهديدات ربما لا تواجه غيره
بحكم اختلاف الأوضاع والظروف ، والمملكة العربية السعودية كأي دولة أخرى لها وضعها
الداخلي الخاص ونظامها السياسي وموقعها المتميز عقدياً وجغرافياً وتاريخياً ، كما
أن لها مكانتها وحضورها وواجباتها ومسؤولياتها الإقليمية والعربية والإسلامية
والدولية . ودولة بهذه المكانة وهذه الخلفية لها قضاياها ومصالحها التي تمس أمنها
الوطني بطريق مباشر أو غير مباشر، وتختلف أهمية هذه القضايا بحسب حساسيتها
وجوهريتها للأمن الوطني وبحسب درجة حدة هذه القضايا أو المشكلات أو الأزمات
الناشئة عنها.
ويمكننا هنا تعداد أهم هذه القضايا
وتصنيفها بإيجاز مرتبة بحسب أهميتها على النحو الآتي :
– قضايا جوهرية :
تكتسب القضايا المتعلقة بما يأتي أهمية
خاصة للأمن الوطني للمملكة العربية السعودية :
أ – الإسلام والعقيدة الإسلامية:
المملكة العربية السعودية هي مكان
خاتمة الرسالات السماوية ومهبط الوحي ، وبها الحرمان الشريفان، وإليها تهفو أفئدة
المسلمين في كل أنحاء العالم ، ويفد إليها حجاج بيت الله من كل فج عميق . إن دولة
لها هذا الموقع مثل المملكة عليها مسؤولية كبيرة تجاه الإسلام والعقيدة الإسلامية
والحفاظ على كتاب الله وسنة نبيه e من الاعتداء والتحريف وتجاه الحرمين
الشريفين ومقدسات المسلمين.
والمملكة العربية السعودية تأخذ هذه
القضية مأخذ الجد على جميع الأصعدة ؛ فعلى الصعيد الداخلي تقوم وزارات العدل والشؤون
الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد والحج وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر والإفتاء والعلماء والجامعات وغيرها من المؤسسات بعمل كبير في هذا الاتجاه
، وهذا يظهر اهتمام المملكة العربية السعودية بالإسلام والعقيدة والشريعة
الإسلامية وبكتاب الله وسنة رسوله ، بل جوهرية الإسلام لكيان المملكة العربية
السعودية.
وعلى الصعيد الخارجي فإن نشاط المملكة
في المنظمات العربية والإسلامية والدولية وفي مجال الدعوة والتعليم الإسلامي إقامة
المساجد ومساعدة الأقليات الإسلامية هو أمر مشهود ومعروف ؛ إذ إن المملكة تتخذ جميع
الإجراءات والوسائل للحفاظ على جوهر الدين الإسلامي نقياً صافياً متاحاً لكل البشر
من مصادره الأصلية غير المحرفة وبعيداً عن البدع والخرافات العقدية.
أمن الحج والحرمين الشريفين :
لا شك أن أمن الحج والحرمين الشريفين
يأتي في أول قائمة قضايا الأمن الداخلي ، ولكن لأهميتها وعلاقتها بالإسلام
والشريعة الإسلامية وبالعالم الإسلامي فقد يكون من المناسب إظهارها قضية مستقلة من
قضايا الأمن الوطني بحكم مسؤولية المملكة السيادية والعقدية ، وقد أولت المملكة
العربية السعودية أمن الحج والحرمين الشريفين اهتماماً كبيراً منذ اللحظات الأولى
لدخول الملك عبدالعزيز مكة المكرمة مظفراً وقبوله للبيعة في يوم الجمعة 23 جمادى
الثاني 1344هـ(52) .
ولقد بدأ الملك عبدالعزيز بأن أَمَّنَ
أهل مكة أنفسهم ، وأَمَّنَ الحرم الشريف ، وأَمَّنَ الحجاج ، وضرب على العابثين ،
وخاطب العالم الإسلامي ، ومنذ ذلك التاريخ أمن الحج والحجاج والحرمين الشريفين
يحتل أهمية قصوى تسخَّر لها جميع الأجهزة الإدارية والأمنية، ليس هذا فقط ، بل لقد
بذل الكثير من الجهود والإمكانات التي تفوق الحصر والوصف لتسهيل أعمال الحج
والزيارة والعمرة ، وتوالت التوسعات العظيمة ، وشقت الطرق ، ووفرت كل الوسائل
والإمكانات التي جعلت مكة المكرمة والمدينة المنورة والحرمين الشريفين تعيش عصراً
زاهراً وآمناً ظليلاً قلّ أن شهدته في تاريخها.
ب ـ كيان المملكة العربية السعودية ، ويقصد به أركان
الدولة الرئيسة:
الشعب والأرض والسيادة ونظام الحكم ، فأي
مساس أو إضرار بالمصالح أو انتقاص من السيادة أو اعتداء على أي من هذه الأركان بأي
درجة كانت هو قضية القضايا ، وهو أمر يمس الأمن الوطني في الصميم ، ولا جديد في
هذا ، ولا غرابة ؛ فكل الدول تحافظ على كيانها شعباً وأرضاً وسيادة ونظام حكم ،
والوحدة الوطنية التي تتمثل في وحدة الشعب ووحدة التراب ووحدة العقيدة هي الأساس
الصلب الذي يستند إليه في إستراتيجية الأمن الوطني.
إن الكيان المعاصر للمملكة العربية السعودية يتكون من الشعب العربي
المتوطن منذ آلاف السنين على أرضه في جزيرة العرب ، وعليها يعيش ، ويمارس سيادته
وحقوقه ونشاطه السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
أما النظام السياسي للمملكة العربية
السعودية فيستمد شرعيته من احتكامه لكتاب الله وسنة رسوله محمد e وللعقيدة الإسلامية وتطبيقه للشريعة في كل مجالات الحياة ، كما
يستمد شرعيته من المنجزات التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ومن القبول
العام في الداخل( علاقة الحاكم بالمحكوم ) وفي الخارج على المستويات الإقليمية
والعربية والإسلامية والدولية(الشرعية الدولية ) ، ومسؤولية الحفاظ على الكيان
والدفاع عنه مسؤولية مشتركة على جميع أجهزة الدولة على جميع المستويات، وهي مسؤولية
عامة على الشعب والحكومة(53) .
ج – الأمن
الداخلي :
من أهم قضايا الأمن الوطني قضية الأمن
الداخلي بكل أبعاده ، والأمن الداخلي هو
أهم واجبات الحكومات في الدولة الوطنية الحديثة ، بل هو مسوغ وجودها.
ولقد كان محور اهتمام الملك عبدالعزيز منذ دخوله الرياض عام 1319هـ
وخلال جهاده حتى استقرار الأوضاع منصباً على الأمن ، ولذلك جاء الأمن الداخلي في
رأس قائمة الإنجازات التي يعض عليها بالنواجذ.
واستقرار الأوضاع الداخلية هو من أهم
أهداف الحكومات والدول ، ويتحقق ذلك عن طريق السياسة الداخلية التي من أهم أسسها :
إقامة العدل ، وحفظ الحقوق، والمساواة، وتكافؤ الفرص، ومنع الفتن ، وحماية الحريات
الأساسية للمواطنين والمقيمين على تراب الدولــة ورعايتها، وضمان الحياة الحرة
الكريمة للمواطن ، وغيرها من الأسس .
والسياسة الداخلية هي حجر الأساس
والقاعدة الصلبة التي يستند عليها الأمن الوطني ، بل المكانة الدولية والعلاقات
الخارجية للدولة ، فكلما كانت هناك مشكلات داخلية انكفأت الحكومات والدول للداخل،
وربما تأثرت مصالحها الخارجية ، وزادت الأطماع في أراضيها ومواردها ومياهها
الإقليمية ، وكلما كانت الأوضاع الداخلية مستقرة والجبهة الداخلية متماسكة كانت
الحكومات والدول أقدر على مواجهة الأزمات الخارجية ومتابعة حقوقها في المجالات
الإقليمية والدولية.
والمملكة العربية السعودية –والحمد
لله– تتبع سياسة داخلية لها أسس مستمدة من الشريعة الإسلامية ، تحقق العدل
والمساواة، وتحفظ الحقوق ، وتحقق مبدأ تكافؤ الفرص ، وتتبع سياسة اقتصادية
واجتماعية رائدة ، رفعت وترفع مستوى المعيشة ، وتقلل من معدلات التضخم والبطالة ،
وتحقق معدلات تنموية جيدة ، والأهم أن حكومة المملكة العربية السعودية تعد الأمن
الداخلي بكل أبعاده من حماية الضرورات الخمس( النفس والنسل والمال والعقل والدين )
للأفراد والمجتمع بشكل عام ، كما تعمل على منع الفتن والجرائم قبل وقوعها وضبط
الفاعلين بعد وقوعها ومقاضاتهم ومعاقبتهم وحفظ الحقوق .
وهذا ما جعل المملكة العربية السعودية
مضرب المثل في مجال الأمن الداخلي ، إن الأمن الداخلي بكل أبعاده هو قضية جوهرية
للأمن الوطني للمملكة العربية السعودية.
– قضايــا أخــرى :
هناك قضايا أخرى ربما لا تكون بالأهمية
نفسها ولا الجوهرية ، ولكنها تبقى قضايا ذات مساس بمصالح المملكة العربية السعودية
وأمنها الوطني وأمن مواطنيها ومصالحهم، وبعض هذه القضايا قد تكتسب أهمية كبيرة
نتيجة لاشتداد الأزمات المسببة لها أو الناشئة عنها ، وعلى حسب الظروف السياسية
والإستراتيجية القائمة ، ومن أهم هذه القضايا ما يأتي :
أ – النفط :
يمثل النفط أهمية كبرى للمملكة العربية
السعودية مورداً اقتصادياً ومصدر دخل واحتياطاً وإنتاجاً وتكريراً وصناعة وتسويقاً
وتسعيراً وغير ذلك مما يتعلق به مصدراً رئيساً للطاقة في العالم ومصدراً رئيساً
لإيرادات الحكومة ، وقد كان قطاع النفط – ولا يزال – هو الممول والمحرك الرئيس
لقطار التنمية الشاملة التي شهدتها المملكة في العقود الأخيرة، من هنا فإن النفط
لكونه سلعة إستراتيجية يمثل أهمية قصوى لأمن المملكة العربية السعودية الوطني
ومصلحة حيوية مهمة جداً.
ب – الأمن الإقليمي :
ويشمل أمن دول مجلس التعاون لدول
الخليج العربي وأمن دول الجوار وأمن البحر الأحمر وأمن الجزيرة العربية والخليج
العربي وقضايا الحدود والمياه الإقليمية ، الأمن الوطني للمملكة العربية السعودية
يتأثر سلباً وإيجاباً بما يجري في محيطها الإقليمي.
ج – الأمن القومي العربي :
ويشمل القضايا العربية ذات البعد
الأمني على النظام العربي ودوله، ويأتي في مقدمتها أمن الدول العربية مجتمعة أو
متفرقة وقضية فلسطين والقدس الشريف وغيرها من القضايا المؤثرة في الأمن العربي
الجماعي والفردي.
د – القضايا الإسلامية :
وتأتي في مقدمتها قضية فلسطين والقدس
في بعدها الإسلامي والأقليات المسلمة وقضايا الحروب والفتن الداخلية والصراعات على
حدود الحضارات بين العالم الإسلامي والحضارات الأخرى.
هـ – قضايا دولية :
ويأتي في مقدمتها الأمن والسلم
الدوليين وأمن البيئة والجرائم العابرة للحدود وقضايا الفضاء والغزو الفكري
والتطهير العرقي والاضطهاد الديني وأسلحة الدمار الشامل وغيرها من القضايا التي
تهم المجتمع الدولي كله .
ز – قضايا اقتصادية :
مثل الجريمة الاقتصادية والبطالة
والجريمة المنظمة وحرية التجارة الدولية وحركة الأموال والحقوق في المياه
الإقليمية وأعالي البحار وأزمات المياه والمخـدرات ، وهي جريمة اقتصادية دولية
وداخلية ومنظمة أيضاً .
والقضايا
ذات البعد الخارجي السابق الإشارة إليها هي قضايا سياسية ، ولها علاقة بالسياسة
والعلاقات الخارجية بالدرجة الأولى، وعلاقتها بالأمن الوطني وإستراتيجيته ومحدداته
هي علاقة نسبية تعتمد على درجة العلاقة والأثر الذي تحدثه أو الأزمة التي تنشأ
نتيجة لهذه القضايا وبما يمس المصالح الحيوية للمملكة العربية السعودية أو أمنها
الوطني .
خـاتمـة :
كانت الحقبة الزمنية التي سبقت فتح
الرياض حقبة عصيبة عايشها واصطلى بنارها الملك عبدالعزيز شاباً ، ورب ضارة نافعة ؛
فقد أنضجت هذه الحقبة بأحداثها الرهيبة شخصية الملك عبدالعزيز ، فنشأ ثائراً على
الأوضاع والحالة المتردية على مستوى الأسرة والحكم والوطن والأمن والملك الضائع ،
نضجت المبادئ والأهداف والوسائل، وهي بحمد الله متداخلة ومتكاملة :
أ – فعلى مستوى المبادئ لم يكن له إلا
الإسلام عقيدة وشريعة ، وكان المبدأ واضحاً، نصر الإسلام والانتصار به، لقد خبا
وهج دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وانقض على الدولة السعودية في دوريها الأول
والثاني الأعداء من الداخل والخارج، وانهار الحكم المناصر للدعوة مرتين ، لقد كان
الملك عبدالعزيز واضحاً منذ البداية ؛ إذ أعلن أن هدفه هو إعلاء كلمة الله والجهاد
في سبيله والدعوة إلى الله على بصيرة وتنقية العقيدة من البدع والشركيات
والانحرافات وتطبيق الشريعة الإسلامية أثناء الجهاد ، وبعد أن اكتمل النصر استمر
على هذا النهج ، وعززه على المستوى التطبيقي في طلب العلم والوعظ والإرشاد وإقامة
أركان الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحياء رسالة المساجد والقضاء والمحاكم
والنظم ونظام الحكم نفسه وشتى مناحي الحياة، حتى أصبحت المملكة العربية السعودية
دولة إسلامية بحق ، تعز بالإسلام ، ويعز بها الإسلام بإذن الله ، ويبقى الإسلام
قاعدة أساسية يرتكز عليها البناء السياسي والاقتصادي الاجتماعي للمملكة إلى ما شاء
الله.
ب – أما على مستوى الأهداف والوسائل
فإن توحيد أرجاء الوطن وأقاليمه أرضاً وشعباً كان هدفاً ووسيلة ؛ فإن إقامة الدولة
الوطنية القائمة على الإسلام وعلى الجهاد في سبيل الله وحماية المقدسات وإقامة
أركان الإسلام في مهبط الوحي وإعادة مشعل الإسلام الذي يضيء للمسلمين وإليه تهفو
قلوبهم وأفئدتهم –كان الهدف ، وهو نفسه وسيلة لنصرة الإسلام وتعزيز كيان الدولة ،
لقد قاد عبدالعزيز شعبه من نصر إلى نصر ومن فتح إلى فتح ، حتى التم الشمل ، وتحققت
الوحدة ، واكتمل بناء المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية ، لها مرجعيتها
وشرعيتها المتميزة ورسالتها وتاريخها ، أوجد الملك عبدالعزيز دولة متكاملة الأركان
متماسكة الكيان متجانسة السكان كاملة السيادة بعد أن ساد الجهل والتخلف والفقر
والمرض والفرقة والتشتت وفقدان الأمن ، دولتنا الوطنية تتميز بموقعها الجغرافي
والتاريخي على المستوى الأقليمي والعربي والإسلامي والدولي ، وبرسوخ أركانها
وتماسكها أرضاً وشعباً وعقيدة وسيادة ونظام حكم.
ولقد رسخ الملك عبدالعزيز شرعية الكيان
الوطني على المستوى المحلي والإقليمي والعربي والإسلامي والدولي عن طريق ممارسة
الحكومة العربية السعودية لسلطاتها وواجباتها وصلاحياتها ومسؤولياتها على كل
الأصعدة ، وأَمَّنَ حدود بلاده وحقوقه عن طريق الاتفاقيات والمعاهدات ، وأسهم
إسهاماً فعالاً على المستويات الخارجية المختلفة سواءً من حيث المشاركة في إنشاء
المنظمات الإقليمية والدولية وفي المؤتمرات واللقاءات الدولية ، وأقام العلاقات
الخارجية ، وعزز النزعة الاستقلالية لمملكته.
جـ –
الدولة الوطنية الحديثة هي دولة مؤسسات ، ولقد كان الملك عبدالعزيز
بانفتاحه وعقليته الإستراتيجية وفهمه للواقع ثاقب النظرة من حيث حجم العمل الذي
ينتظره على مستوى السياسة الداخلية والحكم المحلي والتطوير والتنمية ؛ لذلك فتح
الباب واسعاً لإقامة المؤسسات، وسنّ النظم المستمدة من الشريعة الإسلامية ،
وطبقها، وجعل الشرع الإسلامي هو المرجع والفصل في قضايا المنازعات والحقوق ، وأرسى
حقوق ولي الأمر في فرض الأمن ، وأنشأ المحاكم ، ونصب القضاة ، ووضع أسس السياسة
الداخلية ، وأقام العلاقات الخارجية ، ونظم الأمور المالية والاقتصادية ، لقد
أنشئت في عهده أغلب مؤسسات الدولة ، ولاسيما السيادية منها مثل الخارجية والمالية
والدفاع والداخلية ومؤسسة النقد العربي السعودي ومجلس الوزراء وغيرها من مؤسسات
الدولة الحديثة.
لقد أرسى الملك عبدالعزيز الأسس
والقواعد ، وفتح الباب واسعاً للأجيال القادمة من شعبه وأبنائه ؛ ليعملوا في سبيل
رقي وطنهم تحت الإطار الحاكم ، وهو الإسلام عقيدة وشريعة ، فالباب مفتوح على
مصراعيه لتنمية دولتنا الوطنية ومؤسساتها وتطويرها وتعزيز كيانها وحمايته ؛ لتواكب
المجتمع الدولي والتطورات والأحداث والظروف المستجدة.
في المرحلة التي تلت مرحلة الملك
المؤسس – يرحمه الله – تطورت مؤسسات الأمن الوطني تطوراً كبيراً وملحوظاً سواءً
على المستوى السياسي الإستراتيجي أو على المستوى التنفيذي ، فلقد اكتمل بناء
المؤسسات السياسية، وترسخت تقاليدها وواجباتها من زاوية الأمن الوطني ، كما أصبحت
القطاعات الأمنية والدفاعية في مستوى جيد جداً لمواجهة الأزمات الداخلية والخارجية
، ويمكننا هنا الإشارة إلى ما يأتي:
أ -
لقد تعززت السياسة الإقليمية
والدولية للمملكة العربية السعودية من خلال تطوير المؤسسات القائمة وإصدار أنظمة
الحكم ومجلس الوزراء ومجلس الشورى المناطق وتأسيس مجلس الشورى وتعزيز الإمارات
والحكم المحلي ، إن الأمن الوطني على هذا المستوى يتعزز أكثر بالسياسة الحكيمة
التي تعتمد على استمرار البناء واستمرار الاصلاح والاستعداد الدائم والكامل
واستباق الأحداث ومسابقة الزمن ؛ حتى لا تنشأ الأزمات ، ولا تترسخ الظواهر السلبية
، ولا يفوت قطار الأحداث .
ب -
قطاع الأمن الوطني على المستوى
التنفيذي في المملكة العربية السعودية هو قطاع كبير بكل المقاييس ، فهو من أكبر
قطاعات الحكومة حجماً ، وهو قطاع اقتصادي كبير من حيث ميزانيته وحجم الخدمات التي
يقدمها والأيدي العاملة الوطنية العاملة فيه ، وهو قطاع تنفيذي خاضع تماماً للسلطة
المدنية المتمثلة في الهرم السياسي الذي يتوجه الملك ، ولم يتأثر بالظواهر السلبية
التي شابت أمثاله في الدول الأخرى ، فلم تجعله العسكرة مهيمناً على المجتمع ، ولا
قطاعاً مسيساً بأي درجة من الدرجات ، لقد نما وتطور ليقوم بمهمته في الحفاظ على
الأمن والدفاع عن الكيان ، وبهذه الصفة فإن قياداته وصفوته ونخبته من الكفاءات
ربما تستشار، وربما تقدم الرأي والمشورة والدراسات بحكم الاختصاص ، ولكنها لا تقرر
في المسائل والقضايا الوطنية والإستراتيجية ، فالقرار دائماً وأبداً هو في يد
السلطة المدنية السياسية العليا.
ج -
قد يبدو للمراقب لأول وهلة أن
المملكة تنفق مبالغ ضخمة على أمنها الوطني ، وقد يستنتج بعض الباحثين أن هذا
الإنفاق يمثل نسبة كبيرة من الميزانية ومن الدخل الوطني ، وأن إعادة توزيع الإنفاق
الحكومي وتخفيض هذه النسبة هو أمر إيجابي من وجهة النظر الاقتصادية والتنموية ،
وهذا الاستنتاج يجب أن يؤخذ بحذر لسبب أولي ، هو أن أمن الاقتصاد واستقراره ربما
يعده الكثيرون أهم عامل أو أكثر الشروط ضرورة لتحقيق معدلات اقتصادية إيجابية مهما
كانت قيمتها ، وطالما أن العبء الأمني الدفاعي لم يصل إلى درجة تؤثر على معدل
النمو الاقتصادي بدرجة كبيرة ملحوظة فإن تحميل كل المشكلات الاقتصادية على هذا
العبء وجعله سبباً رئيساً هو أمر يضر بالأمن الوطني بجميع أبعاده ، وفي مقدمتها
المقوم الاقتصادي نفسه ، وسبب آخر لإيجابية الإنفاق على الأمن الوطني في المملكة
العربية السعودية هو أن هذا الإنفاق يستهدف تحقيق أمرين متلازمين :
– تعزيز الأمن
الوطني.
– تعزيز
التنميــة.
تعزيز الأمن الوطني أمر مفروغ منه ؛ لأنه الهدف أصلاً من الإنفاق ، وليس من
الغريب أن ترتفع نسبة الإنفاق على الأمن الوطني لبلد مثل المملكة العربية السعودية
نظراً لكبر مساحتها . أما تعزيز التنمية هدفاً مرادفاً للإنفاق على الأمن الوطني
فهو أمر تثبته شواهد كثيرة ، يكفينا منها على سبيل المثال لا الحصر : الإنفاق على
المدن والقواعد العسكرية وأثرها التنموي في مناطقها وعلى الاقتصاد الوطني والإنفاق
على الإمارات والمناطق بصفتها معنية بالشأن التنموي ، وكما سبق بيانه فإن الإنفاق
على الأمن الوطني يشتمل على نسبة معتبرة من الإنفاق التنموي.
ولا شك أن ترشيد هذا الإنفاق – شأنه شأن أي
إنفاق حكومي آخر – هو أمر مطلوب دائماً ، ولكن يجب ألا يكون لذلك أي أثر سلبي يترك
ثغرة يؤتى منها الأمن الوطني . الأمن بكل مستوياته وأبعاده الكبرى هو أول واجبات
الحكومات، ولا غرابة أن يحظى بالجانب الأكبر من إنفاقها.
د– تتكامل أدوار قطاعات الأمن الوطني وواجباته من
حيث تعزيزها بعضها بعضاً في تعزيز الأمن الداخلي على كل المستويات ، ومن حيث حماية
الكيان من الاعتداءات الخارجية ؛ فالجبهة الداخلية هي القاعدة الصلبة التي يستند
عليها الدفاع الخارجي ، والقطاع الدفاعي هو قوة أمنية داخلية عندما تستدعي الظروف
ذلك.
إن حاضرنا يبشر بمستقبل يحمل في طياته
الأمن والاستقرار والازدهار لكياننا ووطننا، والمملكة العربية السعودية مثل معظم
دول العالم اهتمت بتطوير مؤسساتها وتفعيل واجباتها ووظائفها فيما يخص الأمن الوطني
على المستوى الإستراتيجي والتنفيذي ، وبناء هذه المؤسسات وتطويرها ودعمها هو أمر
مطلوب ومستمر بإذن الله؛ لتواكب التطورات والأحداث، غير أن ما يجب التأكيد عليه في
المستقبل هو تفعيل العقل الإستراتيجي على كل المستويات ، يجب أن يفتح الباب واسعاً
للدراسات والبحوث الإستراتيجية ومراكزها وتشجيع الباحثين والدارسين على التخصص
الدقيق في القضايا والأخطار والتهديدات والمشكلات والمصالح التي يتأثر بها أمننا
الوطني ؛ لأن الأجهزة والمؤسسات مهما دعمت بالمال والرجال فهي عديمة الجدوى ما لم
تدعم بالعقول الإستراتيجية وبالخطط والفرضيات والدراسات والمعلومات والمستجدات
وتغيير السياسات والإستراتيجيات بما يسابق الأزمات والأحداث ، ويستوعبها ، ويتعامل
معها من موقع معرفة وقوة.
الهـوامـــش
(7) الدكتور زيد الزيد
، حب الوطن ، الطبعة الأولى ، 1417هـ ، ص:17–18.
(9) عمر
أحمد قدور ، شكل الدولة وأثره في تنظيم مرفق الأمن ، مكتبة مدبولي ، القاهرة،
1994م ، ص: 15.
(12) د. عمر أحمد قدور ، شكل الدولة ، مصدر سابق ،
ص: 79.
(13)
انظر :
Edward L. Azar, and Chung – In Moon, Ids, National Security in the
Third World, Center For International Development and Conflict Management, Universityof
Maryland, University Press, Cambridge, UK, 1988, PP20–21.
(15) Ibid Ch.4.
(16) انظر Ibid, Ch.1..
(22) عيد
مســـعود الجهني ، مجلس الوزراء في المملكة العربية السعودية ، الطبعــــة الأولى
، 1404هـ ، ص:88–90.
(2) سورة
الإسراء ، الآية 59.
(3)
سورة البقرة ، الآية 38.
(4)
سورة يونس ، الآية 62.
(5)
سورة قريش ، الآية 4.
(6)
سورة إبراهيم ، الآية 35.
(8) المصدر
السابق ، ص : 22 .
(11) انظر The New Encyclopaedia Britannica, Ready Reference, volume 12 ,
P.600.
(14) Ibid, P.6.
(17) د. عبدالله سعود القباع ، الإستراتيجية الدولية
وقضايا الأمن الوطني في المملكة العربية السعودية ، الطبعة الثانية ، الرياض ،
1410هـ ، ص:355.
(19) انظر Hary , STJ. Philby, Arabian Days, Robert Hale Limited, London, 1948
, P.314.
(20) عبدالله العلي الزامل ، أصدق البنود في تاريخ
عبدالعزيز آل سعود ، الطبعة الأولى ،
المؤسسة التجارية للطباعة والنشر ، بيروت ، 1960م ، ص 296.
(21)
د. تركي الحمد ، أركان الكيان
الثلاثة ، الشرق الأوسط ، العدد6872 ، الأحد 21/9/1997م.
(1) سورة البقرة ، الآية 155.
(24) الزركلي ، شبه الجزيرة في عهد الملك عبدالعزيز
، الطبعة الثانية ، دار العلم للملايين ، بيروت ، 1977م ، ص : 572.
(25) المصدر السابق ، ص:577–580.
(26) فهد العرابي الحارثي
، الشورى في المشروع الإسلامي للحكم ، محاضرة ألقيت في معهد العالم العربي بباريس
عام 1998م ، الجزيرة العدد 9396 ، السبت 26/2/1419هـ.
(27) تم زيادة عدد أعضاء المجلس إلى(90) تسعين عضواً
ابتداءً من الدورة الثانية ، ثم زيدوا إلى 120 عضواً ابتداءً من الدورة الثالثة .
(30) المصدر السابق ، ص: 125 .
(32) المصدر السابق ،ص: 144.
(33) المصدر السابق ، ص: 146.
(34) المصدر السابق ، ص: 149–154.
(35) كان لإحدى وحدات الحرس الوطني المقاتلة النصيب
الأوفر في معركة تحرير مدينة الخفجي من القوات العراقية المتسللة إلى هذه المدينة المخلاة
أصلاً ، وذلك خلال التخطيط لتحرير الكويت عام 1990م.
انظر
أيضاً: – Andrew Rathmell, the Changing
Military Balance In the Gulf, RUSSI Whitehall Paper series 1996, London, 1996,
P.38.
(37) المصدر السابق ، ص:130–137.
(47) الدليل التنظيمي لوزارة الداخلية ، الإدارة
العامة للتنظيم الإداري ، إدارة التنظيم ، 1419هـ
ص: 25.