مقدمـــة :
عندما تلقيت الدعوة الكريمة من الأمانة
العامة للاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس المملكة بالاشتراك ببحث علمي يندرج تحت
المحور الرابع عشر من ضمن محاور المؤتمر فهمت من ذلك الإسهام بما أستطيع عليه في
مجال مسلكي الوظيفي بوصفي أحد ضباط القوات المسلحة، ولذلك بادرت فوراً بالإيجاب ،
وحددت عنوان البحث بـ(بناء القوات المسلحة السعودية) مع إدراكي أن هذا العنوان
يتطلب مني مجلدات حتى أوفيه حقه ، وليس بحثاً محدد الصفحات، وعلى كل فقد بادرت
بالإعداد ممهداً للبحث بلمحة تاريخية عن الدولة السعودية الأولى والثانية، ثم
الاستمرار البحثي لربط أساليب الأئمة بالأحفاد وصولاً للملك عبد العزيز، وقد مررت
على مراحل بناء القوات المسلحة عند تأسيسها وما طرأ عليها من تغيرات قيادية
وتسليحية وتدريب وتوسع القطاعات، ثم مررت على مرحلة التحديث، وحددت مواضع التحديث
(الإنسان ، والمعدات، والسلاح، والنظم والقيادات، والمرافق وتوثيق أحداث القيادات
والوزراء ورؤساء الأركان والمسميات والرتب العسكرية للضباط والأفراد، وإسهام
القوات المسلحة في الدفاع عن المقدسات والحق العربي) مستنداً إلى مراجع موثقة.
أرجو أن يكون فيما قدمته فائدة ودعماً
لما يصبو إليه المؤتمر من وضع أساس لكتابة تاريخ شامل للمملكة في شتى الميادين من
خلال إسهام أبناء الوطن الذين عاصروا وأسهموا .
والله الموفق .
تمهيـد:
لا بد لأي باحث يريد الكتابة
والاستقصاء عن بناء القوات المسلحة السعودية من العودة إلى معرفة الأرومة والجذور،
وكذلك الأسس التي قامت عليها الدولة السعودية الأولى والثانيـة، فمعرفة جذور الملك
الموحد مؤسس المملكة العربية السعودية عبدالعزيز بن عبد الرحمن آل سعود أمر مهم
لتأكيد الصفات الفذة والحنكة القيادية التي تميز بها، فجلالته ينحدر من أسرة عربية
عريقة في المجد تمتد جذورها في أعماق التاريخ؛ إذ بدأ ذلك باستقرار أقدم الأسلاف
لمورثي أسرة آل سعود (مانع المريدي وابنه ربيعة) في الغصيبة والمليبيد في أعالي
وادي حنيفة التي عرفت فيما بعد باسم الدرعية قرابة عام 850هـ/ 1446م(1) ،
ووصولاً إلى الجد سعود الذي نُسبت الأسرة المالكة السعودية له، نجده ينحدر هكذا :
سعود بن محمد بن مقرن بن مرخان بن إبراهيم بن موسى بن ربيعة ابن مانع المريدي، وقد
توارث أولاد مانع المريدي وأحفاده المسؤولية والسلطة في الدرعية منذ بداية
استقرارهم ما يقارب ثلاثة قرون قبل بداية الدولة السعودية الأولى التي أسسها
الإمام محمد بن سعود عام 1139هـ/ 1726م، وكان الإمام محمد بن سعود من الرجال
المحنكين ذا رؤية ثاقبة وعزيمة قعساء وورع وتقى، وقد أمضى قرابة عشرين عاماً في
السلطة قبل اتفاقه التاريخي مع الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب ، ذلك الاتفاق
الذي تم في عام 1157هـ/ 1745م(2)، وينص على قيام الإمام والشيخ
بنشر الدعوة الإصلاحية والعودة إلى أسس العقيدة الإسلامية الخالية من الأفكار
الدخيلة على العقيدة كالتبرك بالقبــور والأشجار وكل أمر يتنافى مع جوهر التوحيد
لله –سبحانه وتعالى– ونبذ كل الأمور الشركية والطقوس التي لا تتفق مع روح العقيدة
أو العبادات التي ليست من الدين ومبادئه السمحة.
كما أن ذلك الاتفاق تطلب نشر هذه
الدعوة إلى البلدان المجاورة للدرعية بالدعوة والتوعية ثم بالجهاد والمنازلة،
فاستجاب لها من استجاب من البلدان النجدية ، وعارضها من عارضها ، وهذا ما جعل
الإمام محمد بن سعود والشيخ المجدد يبدأان مرحلة، بدأا بالمدن النجدية المجاورة ،
وترتب على ذلك تكوين كتائب الجهاد من البلدان التي قبلت الدعوة ، وأقبلت إليها
بإيمان وصدق .
وكان من أشد معارضيها أمير الرياض
حينذاك دهام بن دواس الذي قاومها قرابة عشرين عاماً(3)،
وفي عهد الإمام عبد العزيز بن محمد اتسعت الدولة اتساعاً عظيماً ، وصار لها نفوذ
قوي في معظم أجزاء الجزيرة العربية، وقد وصلت أصداؤها إلى البلدان العربية الأخرى
وما وراءها ، وذلك بفضل إحياء فريضة الجهاد التي غرسها الشيخ محمد بن عبد الوهاب
في عقول طلابه ، وتحمس لها الإمام محمد بن سعود .
ولقد كان لتوافق رؤية الإمام والشيخ
وتصرفاتهما أثره في نمو الدولة وانتشار الدعوة مما جعلها تبرز إلى حيز الوجود دولة
ذات إشعاع وهدى وقوة ومضاء (4) ، بلغت أوجها في عهد الإمام
عبد العزيز ونجله الإمام سعود بن عبد العزيز ؛ إذ دخلت في طاعتها أقاليم نجد
والأحساء والحجاز وعسير والمخلاف السليماني ، ووصلت قواتها إلى تخوم حوران في جنوب
الشام وجنوب العراق، ولكن الدولة التركية التي ناصبتها العداء عملت على تقويض
الدولة السعودية الأولى ، فأوعزت إلى والي مصر ، فأرسل قواته في موجات متوالية ،
انتهت بتدمير الدرعية والقضاء على الدولة السعودية الأولى عندما أُلقي القبض على
آخر أئمتها عبدالله بن سعود وأسرته وإرسالهم أسرى إلى مصر، وذلك عام 1233هـ /
1818م .
وقد اعتقد القائد المصري إبراهيم باشا
أنه بتدمير الدرعية عاصمة الدولة السعودية وأسر رموز الدولة ورجالها وعلمائها
وتشريدهم أنه قضى إلى الأبد على ذلك الإشعاع الذي أضاء أصقاعاً واسعة من الجزيرة
العربية، لذلك قفل راجعاً إلى مصر تاركاً خلفه الفوضى والاضطراب بعد غياب القيادة
السعودية، لذلك عاود رجالات البلد التحرك لتكوين دولة نجدية ، فكانت محاولة محمد
بن مشاري بن معمر أول تلك المحاولات ؛ إذ لا منافس له من آل سعود ، ولما عاد مشاري
بن سعود إلى الدرعية بعد أن تمكن من الهرب تنازل له ابن معمر لأحقيته في السلطة ؛
لأنه أخو الإمام عبدالله، وقد وصل إليه الأمراء السعوديون الذين اختفوا إبان جبروت
إبراهيم باشا وبطشه ، فكان من بين أولئك الأمراء تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود
الذي قاد الجهاد من جديد ، وأسس الدولة السعودية الثانية في مطلع عام 1240هـ /
1824م، فدانت له معظم البلدان التي كانت الدولة السعودية الأولى قد بسطت نفوذها
عليها بعد عامين من جلاء الغزاة واستقرار الإمام تركي في الرياض التي جعلها عاصمة لدولته
الجديدة بدلاً من الدرعية، وكان انضمام البلدان النجدية لدولة الإمام تركي قد تم
دون حرب، وذلك لرغبة السكان في قيام دولة لها زعامة مقبولة لدى الجميع ، ولما جنوه
من فوائد الأمن والاستقرار إبان الدولة السعودية الأولى قبل تعرضها للغزو المصري .
وفي عام 1245هـ / 1829م قام حكام
الأحساء من آل عريعر بغزو نجد ، فأمر الإمام تركي ابنه فيصل بملاقاة الغزاة ، فسار
إليهم على رأس قوة من الحاضرة والبادية، وتلاقى الخصمان ودارت بينهما عدة معارك
قتل خلالها أحد قادة آل عريعر ، وبعد أن لحق الإمام تركي إلى ميدان المعركة دب الهلع
في صفوف قوات آل عريعر ، فولوا مدبرين ، وغنم الجيش السعودي الكثير من الأمتعة
والأموال والإبل والغنم ، وعُدَّت تلك المعركة إيذاناً بإعلان منطقة الأحساء
الولاء والطاعة للدولة السعودية الثانية .
ولما استقرت الأمور للإمام تركي في
أقاليمه عمد إلى إقامة علاقات ودية مع حكام الخليج في البحرين وقطر وعمان مع شيء
من التأثير والنفوذ، كما أنه لم يغفل الجانب التركي ؛ إذ حاول إقامة علاقات معها
لإثبات حسن النية ، وذلك من خلال والي العراق ومصر، ولم يحاول استثارة الحجاز ،
وكان بهذا الأسلوب يهدف إلى عدم إعطاء الذريعة لتكالب الأعداء عليه أولاً، ثم
لتقوية دولته وتجاوزها آثار النكبة التي حلت بالبلاد على أيدي جيوش محمد علي التي
أنهت الدولة السعودية الأولى ، وذلك من خلال ترويض القبائل التي تتذبذب في ولائها
من حين لآخر .
وفي عام 1249هـ / 1833م اغتيل الإمام
تركي بن عبدالله في مؤامرة لانتزاع الملك منه ، وكان ابنه فيصل حينها في منطقة
القطيف لتوطيد السلطة هناك ، وما إن علم بالخبر حتى قفل بجيشه نحو عاصمة ملكه
الرياض، ولما وصل إليها حاصر قصر الحكم ، وتمكن من قتل مغتصب الحكم وإعلانه إماماً
وقائداً للدولة ، فدانت له البلدان ، وأخذ يوطد أركان دولته ، ويؤدب من امتنع عن
دفع الزكاة أو يحاول الخروج عليه، إلى أن بدأ التدخل المصري مرة ثانية ؛ فوصلت
قوات محمد علي بقيادة خورشيد إلى نجد ، وواصل سيره حتى حاصر الرياض التي دافعت
أولاً ، ثم انسحب الإمام منها إلى العمق
الجنوبي ، ولكن تمكن خورشيد من التغلب على الإمام ، واستسلم له ؛ إذ أسره وحمله
إلى مصر بعد أن عيَّن والياً للرياض من قبله ، هو خالد بن سعود الذي سرعان ما
أحاطت به المشكلات ؛ إذ انتهى أمره باستيلاء عبدالله بن ثنيان بن إبراهيم بن ثنيان
ابن سعود على الحكم في الرياض ، وأعلن نفسه إماماً للدولة المستعادة، ولم يمكث
وقتاً طويلاً ؛ إذ انتهى أمره بعودة الإمام الشرعي فيصل بن تركي الذي تمكن من
العودة من مصر واسترجاع ملكه وتوحيدها من جديد ، فأعلنت أقاليم نجد ولاءها له ،
وكذلك استعاد منطقة الأحساء ، فدانت له كل البلاد ، ولم ينغص حكمه سوى بعض
الخلافات التي حدثت بين بعض حكام الأقاليم أو بعض تصرفات بعض القبائل فيما بينها .
وهكذا استمر في قيادة الدولة السعودية
الثانية إلى أن لقي ربه في رجب من عام 1282هـ / 1865م ، فخلفه على الإمامة نجله الأكبر
عبدالله بن فيصل بن تركي الذي بويع بالإمامة من قبل إخوته سعود ومحمد وعبدالرحمن
أنجال فيصل وبقية أقاليم الدولة.
وبعد مرور عام من ولاية الإمام عبدالله
بدأ النزاع بينه وبين أخيه سعود الذي استفحل وأدى إلى انشقاق انتهى إلى الاقتتال
بينهما ، وكان بداية لتصدع الدولة السعودية، مما أغرى فيهم حاكم حائل الذي تدخل
لنصرة الإمام عبدالله ، وكان ذلك ذريعة لتحقيق طموحه في الاستيلاء على السلطة بنجد
، فاستمرت الإرهاصات والخلافات والتداخلات إلى أن انتهت بخروج الإمام عبد الرحمن
بن فيصل من الرياض عام 1309هـ / 1891م متوجهاً إلى دول الخليج واستقراره وأسرته في
الكويت بعد أن بسط حاكم حائل محمد بن عبدالله بن رشيد نفوذه على نجد، وبذلك انتهت
الدولة السعودية الثانية بعد حكم دام قرابة سبعين سنة .
وبعد هذه المقدمة التاريخية الموجزة عن
الدولة السعودية الأولى والثانية يتحتم عليَّ أن أُلمح بإيجاز إلى تكوين القوات
التي حاربت بها الدولة السعودية الأولى والثانية ؛ لأن ذلك مهم في الوصول إلى
تكوين القوات المسلحة السعودية موضوع البحث ؛ إذ إن الملك عبد العزيز اتبع أساليب
أسلافه في الدولتين الأولى والثانية منذ بداية نضاله عام 1318هـ / 1900م حتى توحيد
المملكة عام 1344هـ / 1925م .
تكوين
القوات المحاربة في الدولة السعودية الأولى والثانية وبداية الدولة الثالثة:
لم يكن لدى أئمة آل سعود في دولهم
الثلاث قوات منظمة بالأساليب المتعارف عليها في دول العالم حينذاك، وإنما كانوا
يعدون القوات للجهاد بالإيعاز إلى المدن والقرى والأقاليم الخاضعة لهم ، وكذلك
القبائل التي دانت لهم بالولاء، فعندما يتطلب الأمر القيام بغزوة أو بصد عدوان فإن
الإمام يبعث برسله إلى تلك الجهات لاستدعاء المجاهدين ، وغالباً ما يحدد العدد من
كل مدينة أو قبيلة إضافة إلى المتطوعين، وعلى كل جهة أن تجهز كتائبها بما تستطيع
من المؤن والأسلحة والإبل والخيول مع تقديم الدولة ما تستطيع تقديمه للقوات
المحاربة، ولما كان المبدأ للقتال يندرج تحت اسم الجهاد فإن تطبيق الشريعة يتم عند
اقتسام الغنائم وأسلاب الحرب؛ إذ يتم اقتطاع الخمس منها للخزينة المركزية ، وما
عداه فيتم توزيعه على المجاهدين، وعندما يطول زمن الغزو فإن الدولة تقدم المساعدة
للمجاهدين على حسب ما يتوفر لديها من إمكانات ، وبجانب مجاهدي الأقاليم والمدن
والقرى يوجد حرس خاص للإمام في مقره، ويصاحبه في غزواته، كما يكلف بعض المجاهدين
بالمرابطة في الحصون والقلاع والمناطق الهامة لمدد تتفاوت طولاً وقصراً.
وتميزت خطط أئمة آل سعود الحربية
بتطبيق مبادئ الحرب والقتال التي أبرزها السرية والمباغتة وتضليل الخصم واستخدام
السبور (أي جمع المعلومات الاستخبارية عن العدو) وبث الروح المعنوية في صفوف
مجاهديهم من خلال إشعال روح الجهاد والتضحية والفداء ، وذلك بالإرشاد الذي يقوم
العلماء به في صفوف المجاهدين وشحذ الهمم بإقناعهم بعدالة مسعاهم ونبل أهدافهم
المتمثلة في توحيد البلاد تحت راية الحق والشريعة المحمدية وتوطيد الأمن والسلام
بين أرجاء البلدان وقطع دابر الفتن والتجاوزات والحروب الظالمة بين الأقاليم
والمدن والقبائل ، وما إن تنتهي المعركة أو الغزوة حتى تعود القوات المجاهدة إلى
جهاتها ، ولكنها ملتزمة بتلبية النفور والاستدعاء في أي وقت ؛ أي إن كتائب الجهاد
في الأقاليم وكذلك في القبائل تبقى طيلة وقتها في حالة تعبئة عامة قادرة على تلبية
النداء عندما يطلب منها ذلك ، ويحتفظ الأئمة بقوة تتسم بالشجاعة والظفر والإخلاص ،
ويعرفون حينذاك بالمنقية يعسكرون حول مقر الإمام حرساً خاصاً يوفر لهم المؤن
والخيل والهجن ، وخيولهم تكسي بالدروع الواقية من الرماح والسيوف ، ولهم سمعة في
جرأتهم وقوة بأسهم ، ويكونون وقت المعارك قريبين من علم الإمام، وهم يمثلون بمفهوم
الجيوش الحديثة القوات الخاصة (أي التي لديها قدرات غير عادية نتيجة التدريب
المتواصل واللياقة الممتازة).
إذن فالدولة السعودية الأولى بلغت
مكانة متميزة من حيث القوة والاتساع وفرض الأمن والهيبة حتى كانت لها مكانة ليس
إقليمية فحسب بل على نطاق دولي.
أما الدولة الثانية فإن الأحداث
الخارجية والتداخلات الدولية فتت من ساعدها ، وعلى الرغم من ذلك فقد استعادت معظم
أجزاء الدولة الأولى ، وحققت شيئاً من الأمن والاستقرار.
الملك
عبد العزيز وتأسيس الدولة السعودية الثالثة :
عدَّت معظم المصادر التي تناولت سيرة
الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – رحمه الله– الأربعين رجلاً الذين
قادهم من الكويت وتوجه بهم إلى الأحساء فالربع الخالي ثم إلى الرياض هم النواة
الأولى لتكوين القوة التي حارب بها لاستعادة ملك آبائه وأجداده وتأسيس مملكته
الفتية ، وذلك عندما قام بمغامرته الجريئة بدخوله الرياض ليلاً والقضاء على عامل
ابن رشيد في قصره (المصمك)، وهذا يدعونا لتسليط الضوء على أسلوب الملك عبد العزيز
في تكوين القوة التي حارب فيها خصومه خلال ما يقارب ثلث قرن من الزمن قبل أن تتم له
السيطرة على أرجاء البلاد التي أعطاها فيما بعد اسم المملكة العربية السعودية .
كان الملك عبد العزيز – يرحمه الله –
قائداً محنكاً يجمع صفات القيادة الفذة يعرف متى يقدم ، ويعرف متى يهادن ؟ ومتى
يفاوض ؟ وكيف يفاوض ؟ ولقد جعل من سيرة أسلافه الميامين قدوة حسنة له في جهاده ؛
فهو لم يخرج عن وتيرة أجداده الذين أقاموا حكمهم في نجـــد مدةً تجاوزت القرن ونصف
القرن من الزمن إذا عددنا عام 1157هـ بداية الدولة السعودية الأولى ، وعام 1319هـ
هو بداية الدولة السعودية الثالثــة.
فقد أخذ من سيرة الإمام محمد بن سعود
والإمام عبدالعزيز والإمام سعود بن عبدالعزيز ومن تبعه من الأئمة وكذلك من نضال
جده الإمام تركي بن عبدالله ونجله فيصل ووالده الإمام عبدالرحمن الفيصل شعلة تضيء
له الطريق ، وتفتح له الآمال في تحقيق تطلعه إلى استعادة تأسيس الدولة السعودية
تتخذ من العقيدة الإسلامية دستوراً ومنهجاً ، ومن الرغبة في لّم شتات الجزيرة
العربية والقضاء على التناحر والاقتتال وتوطيد الأمن والاستقرار؛ لتواكب هذه
البلاد مسيرة الأمم الأخرى في وقت أصبح التأثير الدولي يفرض نفسه على كل بقاع
الأرض، فقد بدأ نضاله مع مطلع القرن العشرين في وقت ينذر بصراع دولي بين
الإمبراطوريات الكبرى الغربية وكذلك الدولة العثمانية ، ورأى أن قلب الجزيرة
العربية لن تكون بعيدة عن الأحداث ، ولن تنأى عن المطامع الدولية، لذلك وضع في
اعتباره الحذر من كل القوى حتى لا تكون البلاد فريسة لها ، فاتخذ من الحنكة له
سلاحاً .
قلت : إن المجموعة الفدائية التي قادها
لاسترداد الرياض كانت النواة الأولى لقواته المحاربة ومع تحقيق انتصاره الأول أقبل
عليه سكان الرياض وما حولها معلنين الولاء والبيعة له، فبدأ بالتوسع واستمالة
الأقاليم استعداداً لما سيواجهه من حروب وجهاد وتوالت انتصاراته ، فنظم قوته على النحو
الآتي :
1– أهل العارض:
وهم سكان منطقة الرياض وما حولها من
البلدان ، وهم الذين سارعوا لمناصرة عبدالعزيز من فور سماعهم انتصاره في القضاء
على عجلان.
وكان يعتمد عليهم ، وقسمهم إلى :
أ – الحرس الخاص :
وهم المقاتلون المقربون من القائد ،
وفيهم أقاربه وأبناؤه .
ب– أهل المراتب والوظائف :
ويسند إليهم مهام عسكرية ومدنية ، فهم
في الحرب جنود مقاتلون، وفي الأوقات الأخرى يسند إليهم واجبات وأعمال مدنية أو ذات
صلة بالواجبات العسكرية .
ج– أهل الجهـاد :
هذه الفئة من المحاربين حملة السلاح
الذي نقش عليه اسمه فيما بعد ، وهم جنود تعبئة عامة ، يقفون على أهبة الاستعداد في
كل الأوقات .
ولا يغادرون الرياض إلا بإذن، ويشرف
على أمورهم ديوان الجهاد المرتبط بالملك مباشرة ، ويعتني ذلك الديوان بأمورهم
تسليحاً ومؤونة .
2– أهل حواضر المدن :
يعد سكان المدن التي دخلت في طاعته ملزمين
بحمل السلاح والقتال بجانب قيادة الملك وتحتها ، وقد كان استدعاء المقاتلين من
حواضر المدن والقرى خاضعاً لمعايير تحكمها المهمة التي سيشتركون بها، فكل مدينة
يحدد عدد مجاهديها ، ويتحمل المجاهدون مؤونة أنفسهم ورواحلهم وسلاحهم مدة قد تصل
أربعة أشهر.
وإذا لم يكن هناك حاجة للرجال فإن
المدينة أو القرية تدفع مبلغاً من المال يضاف إلى بيت مال المسلمين لدعم المجاهدين
الذين سيوكل إليهم تنفيذ المهمة ، ويسهم بيت المال في إمداد المحاربين بما يتوفر
من سلاح ومؤونة .
أما في حالة المغازي الكبيرة فإنه يطلب
من المدن مضاعفة عدد الرجال الذين يجب تواجدهم في منطقة حشد القوات ، وقد عرفت تلك
الحالة باسم (المثنى) ، وفي حالة وجود خطر يهدد البلاد فإن النفور العام يعلن ،
ويدعى كل قادر على حمل السلاح من أهل الحواضر للمساهمة في الجهاد والذود عن البلاد
.
3– أهل الهجـر :
أدرك الملك عبد العزيز بثاقب بصيرته أن
معظم القبائل التي دانت له يلبون دعوة الجهاد بدافع الغنائم والكسب ، وأنهم قد
يكونون عاملاً سلبياً في جهاده إذا لم يكن يربطهم بشيء من الفكر والعقيدة
والاستقرار الدائم في مواقع يحرصون على سلامتهم الدائمة، عند ذلك أسس الهجر ،
وأسكن البادية فيها لاسيما في مناطق يتوفر فيها الماء وتصلح للزراعة والاستقرار ،
وبعث لهم من يعلمهم أمور الدين بعد أن أدرك مدى انتشار الأمية في صفوفهم ، وهو
بهذا العمل حقق أهدافاً سامية؛ فقد وضع لبنة التحضر والاستقرار ، وأوجد بداية
لإدخال نور العلم والمعرفة ، وزرع فيهم صدق المواطنة والعمل البناء ، وبنفس الوقت
يضمن تواجدهم وتلبيتهم لنداء الجهاد إذا ما طلب ذلك منهم ، ولهذا فقد كان لتلك
الهجر دور مميز في نصرة المسيرة ؛ إذ خرج من تلك الهجر مقاتلون أشداء تأثروا
بمبادئ العقيدة ، وقد عرفوا باسم الإخوان، وقد بلغ عدد الهجر التي أسست ثلاثاً
وأربعين هجرة ، وزعت على أساس قبلي ، سكنتها اثنتا عشرة قبيلة (5).
4– البـــدو :
وهذه الفئة هي أقل جنود عبد العزيز
عدداً ، وكان يستخدمهم بشكل خاص في مهمات الاستطلاع (السبور) وجلب المعلومات ،
وذلك للاستفادة من خبرتهم بالصحراء ومسالكها ودروبها، وقد كان الملك عبدالعزيز
يولي أهمية خاصة عند وضع خططه لمبادئ الحرب كالسرية والاستطلاع ومعرفة قوة العدو
وأسلحته ، كما يعتمد على أسلوب المباغتة (المفاجأة) والهجوم الليلي المدبر .
الســــلاح
:
من المعروف أن بداية جهاد الملك عبد
العزيز كان بداية متواضعة ؛ فهو لم يكن لديه من الإمكانيات أو الموارد ما يستطيع
أن يؤمن به ما يحتاجه من السلاح والذخيرة ، لذلك فإن السلاح المتوفر هو سلاح شخصي
ومتفاوت ، وغالباً ما يحضر الفرد سلاحه معه، وبعد مرور الوقت وتكاثر الغنائم أصبحت
الأسلحة متوفرة ؛ مما جعل صرف السلاح منوطاً بولي الأمر الملك نفسه .
الراية
والنخـــوة :
وفقاً للتقاليد العربية كان لكل قوة
عبارات خاصة (النخوة) ، وهي تمثل بقاموس الجيوش الحديثة كلمة السر؛ إذ يتعارف
المجاهدون بواسطة ترديدها، فإذا نادى بها المنادي لباه الآخرون بالعبارة نفسها،
والتفوا حول رايتهم ، مثل (هل العوجا) نخوة أهل العارض، (أولاد علي) أهل القصيم ،
(سنا عيس) لأهل حائل، وهكذا لكل منطقة نخوة خاصة بها ، ولكل قبيلة أيضاً ، كما أن
الفرسان والقادة ينتخون بأخواتهم أو بأجدادهم، وهذه من الأساليب التي تعارف عليها
عرب الجزيرة منذ القدم ، ونخوة المجاهدين : " خيال التوحيد أخو من أطاع الله
" ، أما الراية التي حملها الملك عبدالعزيز والتي تجمع المجاهدين فهي عبارة
التوحيد : (لا إله إلا الله محمد رسول الله) .
اللباس
والرواتب :
لم يكن هناك لباس يميز المقاتلين كما
هو معروف في الجيوش النظامية ، بل كل مقاتل يرتدي اللباس المتوافر لديه، متكفل
بذلك ، ولتمييز كل قوة عن الأخرى فقد حددت لنفسها (راية) تميزها ، ويكون على كل
قوة أمير (رئيس) ، يكون بمثابة القائد لها ، وهو بدوره يأتمر بأمر القائد الأعلى
الذي هو الملك .
لم يكن هناك رواتب ثابتة للمجاهدين
والمحاربين، وإنما هناك هبات تُعْطَى لهم على سبيل المساعدة ، وهي على النحو الآتي
:
1- القاعدة: مقرر سنوي يعطى على حسب الإمكانيات.
2- الشرهة: وهي هبة ملكية تصرف من خزينة الملك .
3- المعاونة: هبة تعطى لمحتاج طلبها في حالة ضيق أو أمر طارئ.
4- البروة: وهي مواد عينية كالتمر والأرز والقهوة والسكر
والملابس.
هكذا كان طابع تنظيم قوات الملك عبدالعزيز التي قادها منذ بداية جهاده
عام 1319هـ / 1902م ، فوحَّد بها أرجاء دولته ، وروَّض بها كل جامح ومعارض وجمع
الشتات، فأسس دولة مترامية الأطراف تفتقر إلى العديد من مقومات الدولة الحديثة ؛
إذ إن جل مساحتها صحارى شاسعة ومناطق متباعدة، إلا أن القائد بعد أن استسلمت له
آخر الأقاليم المهمة مكة المكرمة وجدة والمدينة المنورة عام 1344هـ / 1925م أدرك
أنه بدأ جهاداً جديداً ؛ فمعارك التوحيد والتأسيس لا بد أن يتبعها معارك توطيد
واستقرار ، وأن معركة التطور ومحاربة الجهل والفقر والمرض والأمية والتخلف تحتاج
إلى جهاد متواصل على شتى الأصعدة ، وأن هذا الجهاد لا بد أن يعتمد بعد الله على
تكوين قوة حديثة تأخذ بأسلوب العصر الحديث من حيث التنظيم والتدريب والتسليح
والانضباط ، وهذه مهمة ليست بالسهلة على دولة حديثة التكوين ، وتفتقر إلى الموارد
المالية والإمكانيات العلمية الحديثة المتعلقة ببناء الجيش النظامي ، ولكن همة
القائد وبعد نظره أعطت هذا الجانب أهمية منذ عام 1344هـ ؛ فقد رأى أنه لا بد من
تكوين جيش نظامي يحمي المكتسبات ، ويسهم في الذود عن المقدسات ، ويدعم الأمن
والاستقرار، إلا أنه ظل معتمداً على قوة الإخوان والجهاد حتى تم إخماد فتنة السبلة
وجبل شار ، عند ذلك قرر تنظيم الأمور العسكرية .
بداية
تنظيم القوات المسلحة :
بما أنه يوجد بعض الوحدات النظامية
العسكرية التي استسلمت للملك عند دخول قواته مكة وجدة والمدينة وينبع فإنه رأى في بادئ
الأمر إبقاءها على ما هي عليه وعدم إسناد أي دور لها حتى استقرت البلاد، واطمأن
إلى أن الأمن بدأ يتوطد في الأقاليم كافة من حدود اليمن جنوباً إلى الحدود
الشمالية ، ومن الخليج العربي شرقاً إلى البحر الأحمر غرباً ، عند ذلك بدأ في
إصدار التنظيمات العسكرية ، وكانت البداية هي إحداث إدارة تضطلع بالأمور العسكرية
.
ففي عام 1348هـ أصدر أمراً ملكياً بإحداث إدارة للأمور
العسكرية ، وعهد بإدارتها إلى ضابط عسكري ذي خبرة أثناء خدمته في الجيش التركي هو
حمدي بك الياور ، وطلب منه تحديث القوة العسكرية وتنظيمها على أسس عسكرية ، وتتابع
على هذه الإدارة كل من نبيه العظمة ثم
فوزي القاوقجي ، وكلاهما ذو خبرة عسكرية نظامية في القوات التركية.
كما أسندت الإدارة إلى مراد الاختيار
الذي استقدم من سوريا ليكوِّن أساساً لإيجاد مدرسة عسكرية فتحت في بداية الأمر في
مكة المكرمة ، ثم انتقلت إلى الطائف . وكان أبرز أعمال إدارة الأمور العسكرية هو
وضع الأسس للخدمة العسكرية النظامية وسَنَّ الأنظمة واللوائح التي تحكم أمور الجند
، وكذلك تشكيل الوحدات العسكرية طبقاً للأسلحة وتصنيف الشعب والإدارات القيادية
والتموينية ، وكان أبرز ما تم إيجاده هو تشكيل الشعب الرئيسة التي تعرف حالياً في
الجيوش النظامية باسم الهيئات ، وهي :
1- الشعبة الأولى: ويقابلها حالياً هيئة إدارة القوات المسلحة.
2- الشعبة الثانية: ويقابلها حالياً هيئة الإمدادات والتموين.
3- الشعبة الثالثة: ويقابلها حالياً هيئة العمليات ، وتعنى بأمور
التدريب.
وقد عُيِّن على رأس كل شعبة ضابط لديه خبرة عسكرية سواء قد خدم في
القوات التركية أو في قوات الأشراف ، فكان على الشعبة الأولى القائد يحيى طرابلسي،
وعلى الشعبة الثانية عمر عوني ، والشعبة الثالثة محمد علي مرتضى ، وقد ارتبطت
الشعب الإدارية المذكورة بمدير إدارة الأمور العسكرية الذي يمثل حينذاك ما يعرف
حالياً برئاسة الأركان العامة.
أما الوحدات الميدانية فكان المتيسر
حينذاك الوحدات النظامية الآتية :
1-
وحدات المشاة: وهي عبارة عن
كتيبة تحت قيادة رضوان بك.
2-
وحـدات الرشاش: وكانت عبارة عن
كتيبة أسلحة رشاشة بقيادة سعيد كردي.
3- وحدات مدفعية : وتتكون من فوج مدفعية من المدافع القديمة ،
وهي مدافع جبلية باسم "قدرتلي" ، وكان على قيادة المدفعية جعفر بك
الطيار.
وفي الوقت نفسه الذي كانت إدارة الأمور
العسكرية تؤدي واجباتها كانت قوات الجهاد والهجانة تضطلع بمسؤولياتها التي تكلف
بها في توطيد الأمن ودعم الاستقرار، ولما أنس الملك عبد العزيز أن الأوضاع آخذة
بالاستقرار وأن الأقاليم الموحدة بدأت تجني ثمار الوحدة أمناً واندماجاً وتناسياً
لسلبيات الماضي أقدم على خطوة رائدة لدعم القوات العسكرية النظامية ، فأمر بعسكرة
من له الرغبة وتتوفر فيه شروط الجندية من أفراد قوات الجهاد والهجانة ، فانضم إلى
القوات العسكرية عدد من الذين كانوا في صفوف القوتين ، وبالرغم من أن الإقبال
للانخراط في الجندية النظامية كان محدوداً في بداية الأمر نتيجة لعدم تقبل أبناء
البادية لحياة الثكنات ومزاولة التدريبات العسكرية إلا أن العدد الذي التحق كان
مشجعاً لتوالي الإقبال فيما بعد ، ولاسيما بعدما أقامت الوحدات العسكرية النظامية
استعراضاً عسكرياً في جدة عام 1349هـ / 1930م هو الأول من نوعه في البلاد أمام
جلالة الملك عبد العزيز ورجال دولته ومن كان موجوداً من رجال السلك الدبلوماسي،
فكان ذلك الاستعراض إعلاناً حقيقياً لولادة الجيش السعودي النظامي، ومع أن قوات
الهجانة والجهاد شاركت في ذلك الاستعراض إلا أن القوات النظامية بزيها الموحد هي
التي استرعت الانتباه ، وكانت دعوة مباشرة للراغبين في الانخراط في صفوف القوات
العسكرية النظامية.
وكالــــة
الدفــــــاع:
مع تزايد الإقبال على الخدمة العسكرية
وتضاعف عدد الوحدات في مختلف فروعها استوجب هذا الازدياد إيجاد قيادة أكبر مسؤولية
لاستيعاب التحديث في صفوف القوات العسكرية ، فأصدر جلالة الملك عبد العزيز أمره
الكريم رقم 20/3/36 في 5/6/1353هـ / 1934م بتشكيل وكالــة للدفاع ، وعيّن على رأس
ذلك الجهاز الشيخ عبدالله بن سليمان الحمدان إضافة إلى عمله وزيراً للمالية.
وعندما باشرت الوكالة مسؤولياتها بدأت
في إعادة تقويم الوحدات العسكرية المتواجدة تحت إمرة إدارة الأمور العسكرية
وتشكليها ، فأحدثت الوكالة تشكيل أسلحة القوات البرية المكونة من سلاح المشاة
وسلاح الفرسان وسلاح المدفعية ، وانتظمت كتائب كل سلاح ، وبدأت بممارسة تدريباتها
على حسب الأوامر المستديمة لبرامج التدريب في مختلف الأسلحة.
وقد اختيرت مدينة الطائف لتكون مقراً
لوكالة الدفاع ، وذلك لتواجد القوات العسكرية فيها ولمناسبة مناخها للتدريب
وللاستفادة من الثكنة العسكرية بها قبل قيام الدولة السعودية الثالثة.
كما اهتمت الوكالة بالجانب التعليمي
وتطوير المدرسة العسكرية ؛ لتقوم بدور مميز في مجال التأهيل العسكري.
ويرجع إحداث المدرسة العسكرية إلى بداية
عام 1353هـ / 1934م ، وتحديد هذا التاريخ يستند إلى المذكرة الموجهة من رئيس ديوان
الوكلاء حينذاك الشيخ يوسف ياسين إلى سمو نائب رئيس مجلس الوكلاء الأمير فيصل بن
عبد العزيز المتضمنة تعيين كل من: مراد الاختيار، وحمزة رمضان، وعثمان البوشي
للعمل في إدارة المدرسة العسكرية ، وهذا نص المذكرة(6):
حضرة صاحب السمو الملكي نائب رئيس مجلس
الوكلاء المعظم ، جواباً على مذكرة سموكم رقم 470 في 20/2/1353هـ فقد بحثت عن
المقاولة التي بحثتها وزارة المالية ، فعلمت أنه لا يوجد اتفاقية ، وأن الأمر هو
بناء على أمر جلالة الملك للأخ فؤاد حمزة والأخ خالد الحكيم في جلب ضباط لإدارة
المدرسة العسكرية، فقد اتفق فؤاد وخالد مع مراد الاختيار لأجل تأسيس المدرسة
العسكرية ، كان في جملتها رواتب مراد والضابطين اللذين معه ، وتجد من طيه صورة
أخذتها من خالد الحكيم عن تلك المواد ، فأرجو من سموكم الأمر على المالية بصرف
راتب مراد الاختيار ورفيقيه حسب ما هو منصوص عليه في المواد ، وذلك على الترتيب
التالي:
|
30 جنيه ذهب |
مراد الاختيار
|
مدير ومعلم مدفعي. |
|
15 جنيه
ذهب |
حمزة رمضان |
رئيس مدفعي معاون معلم. |
|
15 جنيه
ذهب |
عثمان البوشي |
ملازم ثان مشاة معاون معلم. |
ويكون صرفه اعتباراً من 8 ذي القعدة
1353هـ مع العلم أنه سدد لهم من الذي حول بواسطة الوكيل بدمشق راتب شهرين مع نفقات
السفر لكل منهم، فأرجو صدور الأمر إلى المالية بتسديد رواتبهم شهراً بشهر طبقاً للأمر
السامي المبلغ لسموكم من هذه الشعبة بتاريخ 9/3/1353هـ وبرقم 25/3/12.
وتقبلوا فائق
الاحترام .
يوسف ياسين
رئيس ديوان مجلس الوكلاء
إن ما جاء في المذكرة آنفة الذكر
(وثيقة) تضع حداً للتكهن عن بداية تأسيس المدرسة العسكرية التي عُدَّت من أهم
المنجزات حينذاك؛ إذ وضعت الأسس للتدريب واكتساب المهارات العسكرية والتعامل مع
الأسلحة الحديثة كصنوف الرشاش والمدافع والبنادق الحديثة وتأهيل الأفراد لتولي
القيادات من ضباط صف وضباط، وتعاقب على إدارة المدرسة عدد من الضباط ، منهم الشريف
محسن وعمر عوني ويحيى طرابلسي.
إحداث
رئاسة أركان الجيش العربي السعودي:
تمشياً مع التطور والتوسع الذي حققه
الجيش السعودي رأت وكالة الدفاع أن تنشئ رئاسة للأركان يناط بها المهام العسكرية
والتطوير في جميع الجوانب الهامة لبناء القوة العسكرية تنظيماً وتسليحاً وتدريباً
وتمويناً ، واختيار شخصية ذات خبرة عسكرية لشغل ذلك المنصب القيادي العام أمر
ضروري لتحقيق الغاية المرجوة من إحداث تلك الرئاسة.
وقد وقع الاختيار على قائد عسكري ذي
خبرة وتجربة قتالية حينما كان يحتل منصباً رفيعاً في الجيش التركي ، هو "محمد
طارق الأفريقي".
وبالرغم من أن جريدة أم القرى الصادرة
في 4/10/1369هـ حددت تاريخ إحداث رئاسة الأركان بعام 1359هـ / 1940م، إلا أنني من
خلال بحثي ومراجعتي لبعض الوثائق عثرت على مذكرة وكيل وزارة المالية التي يشير
فيها صراحة إلى صرف مرتب رئيس أركان الجيش العربي السعودي ، ونص المذكرة هو:
إلى
مدير الخزينة :
إلحاقاً لأمرنا رقم 5394 في 14/8/1358هـ في شأن محمد طارق الأفريقي
رئيس أركان الجيش العربي السعودي يقتضي اعتماد قيده من غرة رجب 1358هـ وصرف
استحقاقه كالموظفين.
تحريراً في 9/9/1358هـ . وكيل وزارة المالية
(التوقيع)
وعليه فإن تحديد إنشاء رئاسة الأركان
من منطوق هذه المذكرة يحدد صراحة تاريخ إنشائها ، وقد يكون مباشرتها أعمالها
الفعلية هو بداية عام 1359هـ ، وهو ما أشارت إليه جريدة أم القرى ، واعتمده كثير
من الباحثين تاريخاً محدداً لإنشاء رئاسة الأركان (7).
أعطت رئاسة الأركان الحديثة دفعة قوية
لتكثيف التدريب العسكري والاهتمام بالضبط والسلوك العسكري المبني على الطاعة
وتنفيذ الأوامر والاهتمام باللياقة البدنية والمظهر العسكري والمحافظة على السلاح
وضرورة جاهزيته للاستخدام .
كما شددت على حياة التعسكر والتواجد في
الثكنات، وكان لهذه الإجراءات بعض الانعكاس على بعض الأفراد الذين تشدهم تربيتهم
وعادات الصحراء والبداوة التي تستند على الطاعة النابعة من السجية والنخوة ، وليست
المبنية على الأمر والنهي بالأسلوب العسكري .
وبعد أن أُعفي القائد محمد طارق
الأفريقي من عمله أُسند عمل الرئاسة إلى الزعيم (العميد) جعفر الطيار بالنيابة ،
فشغله المدة التي سبقت إنشاء وزارة الدفاع ، وقد توفي عام 1363هـ .
ومن هذا نرى أن الملك عبد العزيز وضع
الأسس المدروسة لتكوين القوات المسلحة العسكرية وبنائها منذ أن استتب الأمن ،
فأوجد في بادئ الأمر إدارة للأمور العسكرية ، ثم بعد ذلك تطلب الأمر توسيع الجهاز
، فأنشأ وكالة الدفاع ثم رئاسة الأركان، إلى جانب ذلك اهتم بالجانب التعليمي
والتدريب وترسيخ أسس الانضباط .
إحداث
وزارة الدفاع والمفتشية العامة :
مع توالي الأيام كانت الآمال تكبر
وتتحقق ، والهمم تزداد وتتضاعف ، وكل يسابق الزمن لتحقيق الحلم الكبير الذي أضاء
شعلته الملك عبد العزيز بعقله وبصيرته ، وقاد الكفاح من أجله بحسامه وسيفه وحسن
تصرفه ودهائه، ذلك الذي يتمثل في نقل الدولة الفتية التي توحدت أجزاؤها إلى مصاف
الدول التي أخذت بأسباب التطور ، وحققت مكانة مميزة، لذلك فإن هاجس الملك الموحد
هو سرعة النهوض والارتقاء بمملكتنا الفتية في جميع الأصعدة والميادين ، لذلك أعطى
كل جانب من جوانب دعامات البناء المزيد من عنايته واهتمامه، وبالرغم من شح الموارد
المالية وندرة الكوادر المتعلمة إلا أن ذلك لم يفت من عزيمته ، ولم يقف حائلاً دون
المضي في مسيرته آخذاً من الزمن العبرة، ومن إيمانه بمشيئة الله وإرادته الدافع
القوي نحو تحقيق المزيد من ركائز البناء والتحديث، لذاك مضى في إحداث اللوائح
والأنظمة التي تنظم جوانب الحياة تلك التي بنيت على الشريعة السمحة ، وسار في رفع
مكانة أجهزة الدولة تدريجياً، والقطاع العسكري مرفق ينظر إليه باهتمام؛ فالمكاسب
بحاجة إلى ديمومة ، وتلك بحاجة إلى قوة تحميها، فكان يحسب الأمور ويزنها بموازين
الأهمية والأولويات؛ لذلك رأى أنه لا بد من إيجاد وزارة للدفاع تواكب توسع
القطاعات العسكرية ، وتمضي قدماً في تطويرها وجلب الممكن لها من السلاح ، فأصدر
مرسوماً ملكياً يحمل رقم 5/2/5/6846 وتاريخ 5 ذي القعدة عام 1363هـ / 1943م يقضي
بإنشاء وزارة للدفاع والمفتشية العامة، ونص على تعيين سمو الأمير منصور بن عبد
العزيز وزيراً للدفاع ؛ إذ أبلغ بالتعيين بموجب خطاب نائب جلالة الملك ، ويقول نص
الخطاب (8) :
حضرة صاحب السمو الملكي الأخ الأمير منصور
نجل جلالة مولانا الملك المعظم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،
وبعد
فقد صــدر المرسوم الملكي الكريم رقم
5/2/5/6846 وتاريخ 5 ذي القعدة 1363هـ بما يلي :
أولاً: تعيين سموكم وزيراً للدفاع ومفتشاً عاماً للأمور
العسكرية.
ثانياً: إلغاء وكالة الدفاع وإحلال وزارة الدفاع محلها.
ثالثاً: تكون وزارة الدفاع مكلفة بالمهمات والأعمال
المنصوص عليها في نظام القوات الحربية.
وإننا إذ نشعر سموكم بمقتضى ما تضمنه
المرسوم الملكي الكريم لا يفوتنا أن نهنئ سموكم بهذه التوجيهات الملكية العالية
راجين من الله – سبحانه وتعالى– نجاحاً في مهمتكم وتوفيقاً في أعمالكم، مع إحاطة
سموكم أنه قد جرى إشعار عبدالله السليمان بصفته وكيلاً للدفاع سابقاً بمضمون هذا
المرسوم الكريم لاعتماده، أما نظام القوات الحربية المشار إليه في الفقرة الثالثة
فسيكون إبلاغه لسموكم فيما بعد.
والله يحفظكم .
فيصل
نائب جلالة
الملك
كان سمو الأمير منصور بن عبد العزيز
يدرك جسامة المسؤولية التي ألقيت على كاهله وعظم الأمانة التي تحملها ؛ فبناء
العقول والأجسام وكسب اللياقة والمهارات وغرس الطاعة وتقبل الأنظمة والتعليمات
وجلب الجديد والحديث من الأسلحة والمعدات وبناء الحصون والثكنات والسهر على أمن
الحدود والمقدسات والتصدي لأي طارئ لقمع الفتن والإرهاصات التي قد تحدث كل هذه
الأمور تقع تحت مظلة مسؤوليته، ولكن ما تحقق خلال قرابة أربع عشرة سنة منذ إحداث
إدارة الأمور العسكرية حتى صدور المرسوم الملكي بإنشاء وزارة الدفاع كان خير معين
له في انطلاقته نحو الأفضل في مسيرة بناء القوات المسلحة السعودية، فقام بإعادة
تنظيم الأجهزة القيادية والإدارية ، فكوَّن مكتب الوزير على النحو الآتي:
1 – صاحب السمو الملكي الأمير منصور بن عبد العزيز
وزيراً للدفاع ومفتشاً عاماً للأمور العسكرية.
2 – محمد شيخو مديراً للمكتب.
3 – محمد بن حريب للمحاسبة العامة والتموين.
إشغال منصب رئيس الأركان الذي شغله
سابقاً محمد طارق الأفريقي ثم جعفر الطيار بالوكالة ، فعين القائد الشريف محسن
رئيساً للأركان بالوكالة وعضواً بمكتب سمو الوزير ، وهو عسكري محترف متخرج في
الكلية العسكرية العراقية .
جهاز التفتيش العام بالوزارة :
1
– صاحب السمو الملكي الأمير منصور بن عبد
العزيز مفتشاً عاماً.
2
– القائد الشريف محسن رئيس الأركان بالوكالة عضواً .
3
– القائد منصور العساف قائد الوحدات الآلية (العربات) عضواً .
4
– القائد خالد علمدار قائد وحدات المدفعية عضواً .
5
– القائد يحيى طرابلسي عضواً .
وفي ضوء هذه الأجهزة ترسخت مفاهيم التسلسل القيادي
والمرجعية النظامية؛ إذ ارتبطت الوحدات برئاسة الأركان ، وهي المكونة من :
1– المشاة: وهي عبارة عن فوجين : الأول بقيادة أحمد
مجلد ، والثاني بقيادة أحمد بدوي.
2– وحدات الآليـة: وهي جميع العربات بقيادة منصور
العساف.
3– وحدات الرشاش : بقيادة سعيد جودت.
4– وحدات المدفعية : بقيادة خالد علمدار.
وبدأت حركة البناء والتحديث في مرافق
القوة العسكرية ، فشرع ببناء الثكنة والمعسكرات والورش والمستودعات في مدينة
الطائف ، وبوشر في جلب بعض العربات المصفحة من ماركة همبر وفرت التي كانت نواة
لسلاح الفرسان (المدرعات) ، أدخلت وسائل الاتصال (المبرقات) المورس ، وهي بداية
(سلاح الإشارة) ، أما التدريب الميداني فكانت الوحدات قد تدربت على الطريقة التي
سميت حينذاك "التدريب التركي" ؛ إذ كان أغلب الضباط العاملين في القوات
النظامية السعودية من فور تشكيلها ممن لهم سابق خدمة في الدولة التركية أو في صفوف
الوحدات التي استسلمت من قوات الشريف عند استسلام الحجاز لقوات الملك عبد العزيز،
إلا أن رئاسة الأركان بعد إسنادها للقائد الشريف محسن رأى التحول إلى ما عرف
بالتدريب الإنجليزي ؛ إذ إن العسكرية الإنجليزية اتسمت بالانضباط والحركات الموحدة
وحسن الهندام مما كان يلفت النظر.
ويمكن تلخيص أهم الإنجازات التي تحققت
في بنية القوات المسلحة السعودية تحت توجيهات الملك عبد العزيز بن عبدالرحمن آل
سعود بالآتي :
1– الأخذ بالأسس النظامية لمسيرة القوات المسلحة ؛
فصدرت بعض الأنظمة كنظام العقوبات الذي صدر بإرادة سنية في 11/1/1366هـ الموافق
1946م، كما صدرت لائحة عرفت باسم واجبات الجندي الأساسية.
2– إحداث سلاح الفرسان وتزويده بعربات مصفحة من نوع
همبر وفرت.
3
– ترسيخ أسلوب التدريب الميداني
والاستعراضات بعد إحداث فصيل الدمام الذي هو نواة الموسيقى العسكرية التي لها
ضرورة في الاستعراضات العسكرية وفي المراسم البرتوكولية.
4– إحداث مدرسة للإشارة (الاتصالات) من مبرقات
(مورس) وأجهزة سلكية ولاسلكية في عام 1370هـ / 1950م.
5– استبدال مسمى الشعب إلى مسمى هيئة كهيئة إدارة
الجيش وهيئة العمليات.
6– الاهتمام بالجانب التعليمي ، وذلك بدعم المدرسة
العسكرية التي خرّجت أول دفعاتها من الضباط في عام 1358هـ / 1939م، كما أحدثت
مدرسة تثقيف الجند ، وهي في بداية أمرها عنيت بمكافحة الأمية وتعليم الأفراد
القراءة والكتابة .
7– وضع أساس الصناعة الحربية ؛ إذ أقيم مصنع للذخيرة
في الخرج ، بدأ تأسيسه عام 1369هـ / 1949م، وبدأ إنتاجه في مطلع عام 1373هـ /
1953م.
8– البدء في إنشاء قوة جوية والدخول في مجال الطيران
سواء العسكري أو المدني وإيجاد مرفق تعليمي فني لخدمة المطارات وصيانة الطائرات.
9– وضع حجر الأساس لأول كلية عسكرية في المملكة
بمدينة الرياض عام 1372هـ / 1952م، وقد افتتحت رسمياً عام 1375هـ / 1955م.
10– البدء في بناء المعسكرات في الخرج والطائف والمنطقة
الشرقية وكذلك المستشفيات العسكرية.