المقدمــــة:
الحمد الله الذي أسبغ علينا فضيلة الإيمان ، وأنعم علينا بالأمن ،
والصلاة على رسولنا e
، وبعد :
لما أهلت علينا إطلالة تمام مائة عام
على قيام دولتنا الرشيدة، وأعلنت أمانة الاحتفال بمرور مائة عام عن دعوتها للإسهام
ببحوث للمشاركة في المؤتمر العلمي العالمي عن المملكة بمناسبة ذكرى التأسيس.
فقد قمت بإعداد بحث عن الحصاد الأول،
والثمرة الجنية الأولى للدولة المتمثل في القاعدة الأساس لهذا البناء ، ذلكم هو
الأمن، فلا أمن بلا دولة ولا استقرار بلا أمن، ولا علم بلا أمن، ولا حضارة مع
فقدان الأمن، فما كانت جيوش القائد الباني الملك عبد العزيز تنطلق من مدينة الرياض
إلى كل قرية أو بلدة أو مدينة إلا وتمنحها هبة الأمن حتى أضحى الأمن يظلل أرجاء
الوطن، ويكتنف أطرافه، فحُقَّ لنا أن نلقبها بـ " دولة الأمن " ، فالأمن
الديمة المستقرة ذات البركة التي تسقي جذور الحضارة وتولدها.
وقد حاولت أن أحصر موضوعي في الشعر ،
فاستعرضت إبداع الشعراء الذين عايشوا الأحداث ، وتكوين الدولة، فتجلت لي مراحل
بناء الأمن في المدن والقرى والبوادي بل في مسارب المدن، ودروب الصحراء ، فكان
عنوان البحث ( الأمن في عهد الملك عبد العزيز من خلال الشعر ) ، وتتبعت أقوال
الشعراء من استعادة الرياض حتى عام 1373هـ ، واقتصرت على أولئك الشعراء الذين
عاصروا الأحداث ، وأشرت إلى أمن الحاج ، وما قاله الشعراء العرب.
مقومات الأمــن:
إن قيام الدولة الحضارية يعتمد على مقومات أساسية تؤهلها للثبات
والاستمرارية، وقد حبا الله الدولة السعودية مقومات أرست دعائمها ، ومن أهمها:
1 – القيم والمبادئ : الدولة السعودية قامت على خير
قيم ، وأصلح دستور، إنها القيم الربانية التي أودعها الله في الإسلام ، فهي أولاً
رسخت الإيمان في كيان المجتمع ، وهذه كفيلة برسوخ الأمن في كيان كل فرد له ولما
يصدر من أفعال .
والدين
الإسلامي كان روحاً للدولة ، وكان شرعة ومنهاجاً ، فقد كفاها مؤنة القانون
الإنساني، والتيه في جدل الفكر البشري . ومصداق ذلك أن الأحكام الإسلامية التي
نفذها الملك عبد العزيز لها أثرها الكبير في استتباب الأمن .
2 – وجود قائد حكيم لبيب قادر على التحكم في المواقف
الطارئة ، ويملك العزيمة الصادقة كثير التأمل ، يعمل رأيه قبل سيفه ، بل يكون
الرأي هو المدبر للسيف كان – رحمه الله – مسالماً في غير ضعف ، محارباً في غير
تهور ، ولم يدخل في الأحلاف الحربية ، ولم يخض حرباً مع القوى العالمية ، إنه
الاعتدال ، والتدبير .
3 – اتحاد الأمة لغاية واحدة هي نشر الإيمان ، وتصحيح
المعتقدات الباطلة والروح الإيمانية سلبت الفرد من سلبيات العصبية والإقليمية ،
فالتقت أهدافه مع أهداف الدولة فكان الفداء ، وكانت الجيوش القوية من أبناء
الجزيرة العربية من القبائل والمدن والقرى . اجتمع القادة ، والمرشدون ،
والمحاربون في الجيش الواحد . وكانت مهمة الجيوش ضم البلاد وتأمين العباد ، وقمع
الفساد .
4 – فضيلة اختيار العقول العبقرية ، فرجاله من القادة
، ورجاله من المستشارين ، كانوا من المخلصين ومن الموهوبين الأذكياء ، وقد فتح
قلبه ليستقبل الأدمغة من الداخل والخارج ، وهؤلاء اشتركوا في بناء الأمن ثم في
استمراريته ، يقول العقاد: " الملك ابن السعود يستشير ويكثر
الاستشارة مع ما وهب الله له من البطولات القومية ، وقد رأينا بين مستشاريه شيوخاً
محنكين لا تخفى عليهم خافية من شؤون البلاد العربية …
ومنهم السوري ، والفلسطيني ، والطرابلسي ، والمصري، ومن أبناء نجد ، والحجاز "([1]) .
بهذه القيم وغيرها انطلق الملك عبد
العزيز كما يقول الزيات: " من بوادي نجد منبت المرار والخزامى ،
ومهب الصَّبا ، ومسرى النعامى ، فاحت عطور الإسلام من جديد ، وباحت الرمال الصافية
بسرها المكنون منذ بعيد ، وهبت نفحات الرسول على آل الشيخ ، وآل سعود ، فجددوا ما
رثَّ من حبل الدين ، وجمعوا ما شت من شمل العرب ، وتهيأت الفرصة مرة أخرى لشريعة
الله لتري الناس كيف بسطت ظلال السلام والوئام ، والأمن على أشد بقاع الأرض ضلالة
وجهالة وفتنة ، وتجلت في طويل العمر عبد العزيز فضائل العرب الأصيلة "([2]) .
والمفكر المشهور عباس العقاد يقف عند
تكوين الدولة الآمنة ، فيقول عن الملك عبد العزيز: " فهناك حقائق
أربع ماثلة للعيان لا يتطرق إليها الخلاف ؛ لأنها في حكم الواقع المشهود :
أولــــها: أن
جلالة الملك عبد العزيز قد أقام ملكه بيديه ، وبما رزقه الله من حول وحيلة.
والحقيقة
الثانية: أن جلالته بسط حكمه على أوسع نطاق
من البلاد حكمه ملك عربي منذ ألف سنة.
والحقيقة
الثالثة: أنه وطد الأمن في هذه المملكة
الواسعة كل التوطيد .
والحقيقة
الرابعة: أنه سلك بدولته في مهاب العواصف
الدولية مسلك السداد والأمان"([3]) .
يرى عبدالله فيلبي أن مراعاة الإنسانية
في الدولة السعودية مدعاة إلى التفاءل بالخير من الخالق سبحانه وتعالى ، واحترام
الأكابر في السن وقرى الضيف والغريب ، وخاصية الاستقلال في الرأي والعمل ، هذه في
الواقع هي القواعد الأربع لصرح المجتمع العربي اليوم"([4]) ،
وامتاز مع المحافظة على هذه الأصالة إلى الأخذ بالوسائل الحديثة الخارجية .
وقد أشار إلى حكمته الأمنية الخارجية ((
بيد أن ابن السعود كان حكيماً في جميع خطواته ؛ لأنه لم يثر أي خصومة مع الدول
الكبرى ، إذ رغم ما أبداه شعبه من مظاهر التبرم المتعددة ))([5]) .
فإن ذلك لم يستفزه إلى حروب غير معروفة العواقب ، وقد استطاع أن يمتص غضب الدول
المجاورة من الأشراف في الحجاز والعراق وشرق الأردن، وعقد صلحاً مع الدولة اليمنية
، وبهذا أمن حدوده ، ولم يجلب العداء مع الآخرين .
إن الأعمال العبقرية الخالدة من
البطولات الحربية ، والعزائم المتوثبة ، والمواهب المتقدة ، والعقلية الثاقبة ،
والرؤية المتدبرة كونت أسطورة الملك عبد العزيز التي فاقت الخيال ، وعجز عنها
الرجال في قرون عديدة ، فليس من اليسير قيام الدولة في مسارح القبائل العربية
والفيافي الشاسعة ، والأقاليم المتناحرة، والقوى الداخلية والاضطراب الخـــــارجي
للعالم بأســــــره ، لكن بنى ابن سعود دولته أثناء قيام الحرب العالمية الأولى (
1323–1328هـ / 1914–1919م) ، واستمرارية الصراع بين القوى العالمية . فأمّن بلاده
في وهج الحروب أمنها من الحروب الخارجية ، وأمنها من الداخل ، وليس ذلك وحسب بل
أمنها أمناً غذائياً ، فلم تعان المجاعات أثناء الحربين العالميتين، إن أسطورة
الأمن بين قبائل متحاربة وأعراب يغيرون على المدن تارة ، وبين تناحر المدن
والأقاليم والإمارات المتوارثة إن هذا الأمن
لشيء عجاب ، وإنني في هذا البحث أقف عند قضية الأمن عند عبد العزيز بن
عبدالرحمن الفيصل ، وأحدد ذلك من خلال الشعر . فإن الشعراء أكثر إحساساً بلفح
التيارات على مجتمعاتهم ، وهم أكثر استشرافاً للمستقبل، وقد قيظ الله عدداً من
الشعراء صحبوا الملك عبد العزيز فسجلوا وقائعه الحربية ، والمعارك التي خاضها من
بداية عام 1320هـ، فقد كان سليمان بن سحمان من الذين عاصروا الصراع بين آل سعود في
آخر مرحلته الثانية ، وشهد حكم آل رشيد في نجد والرياض ، وابتهج باستعادة الملك
عبد العزيز لسلطان آبائه ، ثم صار مصاحباً له الشاعر محمد بن عثيمين ، وكان من
أقدر الشعراء ، وقد لحق بالشاعرين الشاعر محمد ابن بليهد، ثم انضم إليهم الشاعر
الغزاوي ، وكان لهؤلاء قصب السبق . وقد سجلوا بناء الدولة السعودية وسيرة الملك
عبد العزيز ، ثم جاء كثير من الشعراء بل استقطب الملك عبد العزيز بمآثره كبار
شعراء الأمة العربية ، وإن سكت شوقي لصداقته مع أسرة الخديوي وحاكم اليمن لكن
العقاد ، وخليل مطران ، وعلى محمود طه وشوقي الأيوبي، وفؤاد الخطيب، ومحمود حسن
إسماعيل وغيرهم شاركوا بشعرهم ، وأثارت تجاربهم ما اطلعوا عليه عن كثب من سيرة
الملك عبد العزيز .
وأقدم الشعراء الذين صحبوا الملك عبد
العزيز الشاعر ابن سحمان الذي بادر لمدحه في عام 1320هـ ، والشاعر يشير إلى حالة
الاضطراب في الفراغ السياسي ، والإداري في المدة بين عهدي آل سعود الثاني والعهد
الثالث ، فهو يرثي حالة الأمن التي عاشها أولاً :
|
ولكن على صحبٍ أرثَّ بحبلهم وعهد
تقضيناه بالأمس وانقضى فبدد شملاً كان
بالصحب شامـــل |
|
صروف القضا بعد احتكام ومرت وبدّلت
أفراحاً بأتراح جَمّتِ بكل مكان
فرقــة مــن أحبتِي |
فقد تفرق شمل صحبه داخل الجزيرة
وخارجها عند اضطراب الأمن ، فمنهم عصبة في الأفلاج وأخرى لجأت إلى الهند.
|
ففي بلد الأفلاج منهم عصابة وبالهند منهم صاحب أيّ صاحـب |
|
إليهم تتوق النفس كل عشية له همة تسمـو بهـا فـاشمعلـت |
والشاعر يبكي من واقع الحال التي ألمت
بالبلاد ، فبعد أن كانت دولة قوية تحمي
العلم والعلماء ، وينشر الدين في ظلالها فإذا بها تتداعى ويفترق أهلها:
|
فأخضلت دمع العين لما ذكرته وجالت بي
الأشجان من كل جانب
ووا جزعي أن ليس للدين ناصر وفي النفس أشياء سوى ما ذكرتـه |
|
وجالت بحار دونه واستقلت فوطنت نفسي باللقا فاطمأنتووا حزني من معضلات أصمت أطامنها
صـبراً على مــا أجنت |
نعم إن الشعر يومئ إلى الأحداث ولا
يفصلها، لكن النتيجة تتجسد في فقدان الدولة والأمن، وشيوع الاضطراب وفراغ الأحبة
من طلبة العلم ، وكثير من المآسي تحدث في غياب الأمن.
لكن الشاعر ما يلبث به ذلك الزمن
طويلاً حتى يرى معالم النور تنبلج من المشرق كالشمس ، إنه خروج الإمام عبد العزيز
من الكويت ، وقيام دولته بالرياض، فهو يرى أنه طالع السعد والهناء .
|
ولما تبـدى طالع السعد والهنا |
|
ومنّ علينا الله أعظم منّـة |
والشاعر قال قصيدته بعد سنة من استعادة
الرياض عام 1319هـ ، فهو لم يتعجل أمره ، وإنما قالها بعد ثبات الدولة وقوة
سلطانها شأنه شأن العلماء ، فقد تجلت هموم الشاعر في عام 1320هـ حيث زال القتام
والغم والأسى ، فالقصيدة هذه ( قوارع الحدثان ) أول قصيدة في مدح الملك عبد العزيز
:
|
لألف من الأعوام قد مرّ وانقضت
تجلت هموم النفس وانكشط الضنى وزال قتام الهم والغم والأسى بآل سعود حين أُطِلـع سعدُهـم |
|
ثلاث مئين بعد عشرين سنة وولت غموم بالفؤاد استكنت
وضاء لنا ضوء الهنا والمسرة بعبد العزيز الشهم سامي الفتوة |
فهو قد بعث الأمن من جديد بتوطيد الدولة
، ومدّ سلطانه على العارض وحكم فيها بالشرع الحنيف ، مما جعل الأمن يسود ، وطالب
العلم ينشر علمه ، وذهب الفزع والخوف ، وساد الأمن .
|
فأطد طود العز بعد وهائه فلا أمر بالعرف يعرف بيننا فأبدل بعد الخوف أمناً وأقلعت ورتب من أهل الهدى وذوي التقى لأمر بمعروف ونهي عن الردى وأضحت بنور الحق تخفق بعدم |
|
فعاش الورى في ظل أمن وغبطة
ولا منكر للمنكرات الممضة غياهب ما تجني الغوات العتوة دعاة إلى فعل النهى أهل حسبة وقد كان من أخلاق أهل المروءة عفت وانمحت في نجدنا واضمحلت |
إذن فإن أهل الحسبة من القائمين على
الأمن فهم عيون الحاكم وهم سلطته :
|
ويصبح أهـل الحق في ظـل أمنـه |
|
يقيمون للسمحـا أقــوم ملة([6]) |
ونلحظ أن الشعراء حصروا مظاهر الاضطراب
بفقدان الأمن في زوال الدولة القوية، وفي تصارع أهل الإمارات الصغيرة ، وفي هجوم
الأعراب على المدن ، وفي قطع الطرق ، والشاعر ابن سحمان يمثل ظاهرة قطع الطرق في
قصيدته ( اللصوص ) ، فهو يسرد الواقعة التي حدثت سرداً قصصياً ، فقد اعتلى قطاع
الطرق مكاناً مرتفعاً مطلاً على سائر المكان ، يرقبون القافلة من حيث يرونهم ولا
يُرون ، وأمهلوهم حتى طوقهم الظلام ، وبيّتوهم وداهموهم بإطلاق النار من الأسلحة ،
فتفرق شمل القافلة، وظن كل منهم هلاك الآخرين من صحبه :
|
فجاء اللصوص المعتدون ببغيهم فلما رأونا أمهلونا هنيئة فجاءوا عشاء قبل هدء وهجعة فبيتنا الأعداء لا در درهم فأوروا بنا ناراً من الصمع جهرة فكل أمرئ منا تولى ولم يكن سوى أنه ينجو ويخلـص سالماً |
|
وعدوانهم حتى علو مرقباً يبدو وقد أجمعوا أن يقتلوا من له شد وقد أيقنوا أنا سنسري ولا نغدو بباطن طلح والتوى منهمُ القصد كأن الفضا من زجل أصواتها رعد له همة حقاً تروح ولا تغدو وقد حال من دون التخلص ما يبدو |
وهو يصور المأساة التي نجمت من قطع
الطرق ، فإن الأطفال أخذوا يبكون ويندبون آباءهم، وكذلك النساء فقدن المدافع عنهن،
فأخذن يصرخن ، ويبحثن عن أطفالهن ورجالهن ، والآباء تركوا أسرهم مرغمين .
|
وقد قتلوا منا امرءا في بياتهم وقد غادروا أطفالهم طول ليلهم ويندبن أمّاً لا تجيب دعاءهم |
|
وزوجة ظلماً فلا نالهم سعد لهم ضجة تعلو وأصواتهم تبد وأباً لهم قد كان من أمره الفقد([7]) |
وهذه الحالة متكررة في الجزيرة ، فإن
الغارات تداهم القوافل ، وتداهم القرى ، ومنازل البوادي في سائر الأقاليم .
والناس قد استبشروا بعودة
الدولة التي تنشر الأمن وترعى الرعية ، ولم يكن ورود ذكر الدولة إلا بعد اتساع
الرقعة بضم إقليم الأحساء عام 1331هـ يقول ابن سحمان في الملك عبد العزيز :
|
وقد ظن قوم أنها دولة مضت وقد عاد ما قد فات غضاً كما بدا بمهد هزبر ألمعي مهذب يقودهم ليث همام سميدع يخوض عُباب الموت والموت ناقع ويركب هول الخطب والخطب معضل هو الملك السامي إلى منتهى العلا إمام الهدى عبد العزيز الـذي به |
|
وليس لما قد فات عود ولا رد
فلله مولانا على ذلك الحمد
يقود أسوداً في الحروب بها حرد
أبي وفيّ فاتك إن عثى الضد
إذا استعرت نار لها في الوغى وقد
وقد هابه الأبطال رعباً وقد ند
وقد أمّه في نيلها الطالع السعد
تضعضعت الأمــلاك واستعلن الرشد([8]) |
حقاً إن هذه الصفات من القوة والألمعية
والإقدام وخوض عباب الموت ، وركوب الأهوال هي التي أهلت الملك عبد العزيز لقيام
دولة نشرت الأمن في جزيرة العرب طال انتظارها لها ، واخضعت القبائل التي تمردت على
الإمارات بل على الخلفاء الأقوياء في العصور الإسلامية لكن قيض لها ذلكم القائد
الملك عبد العزيز .
ونحن نلحظ بعد ضم الأحساء ، تسمية
الإمام بالملك ، والتحول من الإمارة لذكر الدولة، ونلحظ في الشعر ظهور معالم الحكم
القوي الشامل الذي يهيمن على الفكر والمجتمع من الأفراد والقبائل :
|
وذلت بك الأعداء من كل فاجر فصار الأعادي والبوادي ومن بهـم |
|
وكل كفور دينه الكفر والجهد نفـاق أذلاء لـو أنهـم كمد([9]) |
والشعراء يسدون النصح للملك عبد العزيز
يقول ابن سحمان :
|
ملكت فأسجح وابذل العفو والندى وعامل عباد الله باللطـف وأرعهـم |
|
لتنجو في يوم اللقاء حين ما نفد بعـدل وإحسـان ليصفو لك الود |
فقد كان هذا شأن الملك عبد العزيز جعل
الأفراد متساوين يحكمهم بالشرع ، واستقطب أهل الحاضرة والبادية ، وكلهم انضم إلى
جنده .
فلا فــــرق بين جماعــــة
المسلمــــين إذا ما اهتدوا ، وقد تعاونـــــوا وتـــآزروا مع الملك عبد العزيز ،
فتبين حسن نيــــة الملك عبد العزيز ، وحكمته الثاقبة وقصر نظر الشاعــــــر.
والشاعــــر ابن سحمان يصــــــور
الاضطـــــراب في البلــــدان،وغارات الأعــــداء عليهــــا .
|
لقد جاءنا الأعداء على حين غفلة على عدة منهم وشدة أهبة وما كان منا عالم بمجيئهم فجاء الطغاة المعتدون بخيلهم إلى أن غشوا كل البلاد وأحـدقو |
|
وفي هجعة من آخر الليل بالجرد وغيظ وإبعاد عنيف بما يردي إلينا ولا كنا على أهبة تجدي وجندهم المخذول يمشي على وخد بأرجائها واستنجدوا كل ذي كمد([10]) |
وتستمر القصيدة في سرد المعركة التي
قادها الملك عبد العزيز في بداية سلطانه ، ونصره الله على الجيوش المتربصة
المهاجمة للمدينة ، فهذه القصيدة تمثل اضطراب الأمن بين الإمارات المتصارعة .
ومن أوائل الشعراء صحبة للملك عبد
العزيز الشاعر محمد بن عثيمين الذي مدحه بعد ضم الأحساء عام 1331هـ ، ومدحه
بقصيدته البائية المشهورة التي مطلعها :
|
العزُّ والمجد في الهندية القضــب |
|
لا في الرسائل والتنميــق للخطب |
والموقف يفرض على
الشاعر الإشادة بالبطولات الحربية ، ويدعوه إلى الانفعال الحماسي ، ولم يكن للأمن
من تجسد في بداية الأمر في الجزيرة إلا في الأقاليم التي فرض الملك عبد العزيز
سيطرتـــه عليها ، ومن أوائلهـــا الأحساء فإن الشاعر أشــار إشـــارة سريعة للأمن
، فهو يذكر اضطـــراب الأحوال في الأحســاء التي لم تخضع لسلطة موحدة وإنما
يهيمن العثمانيون على جزء منها ، والجزء
الآخر خاضع للقبائل وللصراع القبلي، لكن اختلف الحال بعد دخول الملك عبد العزيز
فساد الأمن ، فقال الشاعر :
|
شكراً بني هجر للمقرنيّ قد كنتم قبله نهباً بمضيعة وللأعاريب في أموالكم عبـث |
|
قد كنتم قبله في هوّة العطب ما بين مفترس منكم ومستلب يمرونكم مري ذات الصنو في الحلب([11]) |
فهو يأتي بمضمون الأمن ولم يصـــرح به
، وهو في القصيدة الثانية في تمام عام 1339هـ يصرح بالأمن في بيت واحد :
|
دعــــــوة وجبت للمسلمــين بـــــــــــه |
|
أمّا تـــــرى عمهــم أمـــــــن وإيمــان([12]) |
لكن في قصيدته البائية يعلن أن الأمن
قد اضطرب في نجد لكن قيض الله الملك عبدالعزيز لنشر ظلاله .
|
وحين قلَّص ظل الأمن وانقشعت أتى بك الله غوثاً للعباد وللب |
|
من نجد أعلامه ، واستفحل الكلب ـلاد غيثاً هنيئاً بعدما جدبـو |
وكذلك فإن شعر محمد بن بليهد دوّن بشأن
بطولات الملك عبد العزيز ووقائعه الحربية ، ولم يتناول قضية الأمن في قصائده الأولى
إلا ما ندر كقوله في قصيدة قالها عام 1339هـ في معركة الحائط قرب حائل :
|
به تأمن الأظعان شرقـاً ومغرب |
|
ومن أمنه الأفلاك في البحر تركب([13]) |
لكن لما اتسع سلطان الملك عبد العزيز وشمل
(حائل) ودخلت القبائل في طاعته ، وحكم فيهم بشرع الله فقد ظهرت معالم الأمن لابن
بليهد المشهور بطوافه للتجارة ، ولجبي الزكاة ، فإنه استشعر الأمن في أسفاره ، ولا
سيما بعد أن ضم الملك عبد العزيز حائل عام 1340هـ ، فإن معالم الأمن ظهرت بين
القبائل المتحاربة ، التي يكثر فيها قطع الطرق فلا عصابة ، وإنما الناس في أمن،
ومواشيهم لا خشية عليها من الغارات السائدة قبل هذا .
|
وأصبح البدو في أمن وفي سعة إذا تحل من الأوطان ما طلبت بالله ثم بأهـل الأمــر آمنــة |
|
يمشون فيما تشاء الشاة والجمل فلا تُسائل أنّى تسرح الإبل بأي دار سقاها الصيب الهمــل([14]) |
وملخص القـــول إن الشعر أبان عن أحوال
المرحلة الأولى المتمثــلة ما بين عام 1319هـ حتى عام 1344هـ ، وهي حالة اضطراب
شُغِلَ فيها الملك عبد العزيز بضم المدن والأقاليم ، ونشر الحكم بين أفراد رعيته ،
وقيام أهل الحسبة بالوعظ الديني الذي وحد صفوف القبائل المتنافرة ، وقد كانت هناك
غارات قبلية ، وحرب بين الإمارات ، وقطاع الطرق ؛ لكن السلطة السعودية أخذت تجتثها
من البلدان والأقاليم ، والقبائل ، فأصبح الناس في أمن تتمناه سائر الأقاليم
والقبائل ، وأشاد به المؤرخون .
إذن فإن تمثل قيام الأمر بالمعروف ،
والأمن في ظلال سلطة قوية كان مدعاة أو دعوة لتدبر بعض الأقاليم والقبائل مما يسر
انضمامها للسلطة الجديدة بقيادة الملك عبد العزيز، ولا سيما بعد أن امتدت سلطته على
العارض والأحساء والقصيم ، وحائل ، فإن ابن عثيمين يُسر بقيام قناة الدين بعد
اعوجاجها ، وأصبح شرع الله هو الذي يستقى منه ، ونشره غاية الدولة ، وأدرك الشاعر
أن الملك عبد العزيز لم يترك الدنيا ، وإنما أخذ يرعاها، ويحمي الرعية من شرور
أنفسهم ، يقول عام 1341هـ :
|
أقام قناة الدين بعد اعوجاجها ولم يترك الدنيا ضياعاً لغاشم لكن حمى هذا وذاك بهمة |
|
وثقفه حتى استقامت شرائعه مخيف سبيل أو على الناس قاطعه يهدُّ بها من شامخ الطود فارعــه([15]) |
ويتضح أن الشعر في هذه المرحلة اقتصر
على الشعراء النجديين ، وأولهم ابن سحمان، الذي بدأ يقول الشعر في عبد العزيز منذ
عام 1320هـ ، وتبعه ابن عثيمين الذي قال أول قصائده فيه عام 1331 بعد ضم الأحساء ،
ثم ابن بليهد الذي قال أول قصيدة له في عام 1337هـ .
وتنطلق المرحلة الثانية من ضم مكة
المكرمة عام 1343هـ ، فرأى فيها ابن عثيمين عهد جديداً لم يطرقه من قبل ذلك دخول
موضوع أمن الحج ، فيدعو المسلمين للعمرة والحج لسائر الحضر والبدو ، بل تجاوز ذلك
إلى الدول الإسلامية :
|
فتح به فتحت للدين أعينه فناد في الناس أعلى صوت مرتفع الآن حجوا بني الإسلام جامعة فدعوة يا بني الإسلام جامعة خذوا بحظكم من فرصة سنحــت |
|
وقبله قد شكا من علة الرمد غرباً وشرقاً وفي البادي وفي البلد قد بدل الله ذاك البؤس بالرغد هند ومصر ومن أصقاع ذي العمد في آخر الدهر لم تخطر على خلـد([16]) |
والتاريخ يذكر أن شريف مكة منع أنصار عبد
العزيز من الحج لمدة ثلاث سنوات ؛ لذلك انطلق الشاعر يلهج بفتح سُبل الحج الذي سبق
وأن أوغر أهل الدعوة السلفية على ملك الحجاز.
والناس حين استشعروا العدل ، والحكم
بالشرع فإنهم يستجيبون ، وقد رأى الناس ما لاقى أهل مكة المكرمة من الأمن ، ولم
يحصل لهم نهب ولا تعذيب، وكذلك جدة بعد استسلامها مما جعل الناس ينقادون في المدن
الأخرى كينبع والمدينة المنورة :
|
نظروا صنيعك في المدينة والتي كي يشهدوا أن الفضائل قسمت ويسرَّهم إحياؤك الشرع الذي |
|
يهوي إليها كل أشعث أغبر بالفضل بين مقدَّم ومؤخر قد كان قبلك مثل روح مغرغر([17]) |
وما زالت حكاية الأمن في سنيه الأولى
بعد ضم الحجاز تدور بشأن الأمن الفردي داخل المدن والقرى ، لكن اتضحت معالجته لمن
هو داخل المدن ، بل حدد الشاعر المكان بالحجاز :
|
ظفر الحجاز من الزمان بغبطة أمنوا على أموالهم ودمائهم ولطال مـا أُخِذ الفتى من بيتــه |
|
بعد النبي وصحبه لم تُخبر من بعد ما كانوا الأوّل مجتري واليـوم يمسي مصحراً لم يحذر([18]) |
فأمن أهل المدن على دمائهم وأموالهم
وأعراضهم ، ولم يحدث سطو على المنازل والدور لقوة الأخذ بالشرع ، وسرعة تنفيذ
الأحكام ، فالقاضي ينظر في القضية ويعقبها مباشراً تنفيذ الحكم كقتل قاطع الطريق ،
أو قتل القصاص ، أو السرقة ، وقد حدثنا متقدمو السن بهذه مما أوجدت رعباً مخيفاً
عند العابثين بالأمن .
وابن بليهد يحكي حكاية الأمن في قصيدته
اللامية عام 1343هـ بعد ضم مكة المكرمة فإن الحرم آمن ، ويأنس بالأمن فيه كل إنسان
، ولا يتعرض لظلم ولا نهب ، فالحاج والمعتمر والمستوطن في طمأنينة وأمن ، فهو يشير
إلى عبد العزيز وجنده :
|
يحمون جانبه من كل حادثة ولا يرى فيه مظلوم وليس به حتى يبيت أميناً قلب قاصده يحميه إن شاء رب الناس طائفـة |
|
ولا يراع به حاف ولا نعال بحول ربك مقتول وقتال ويستقر له بالأمن أطلال هم الملوك وفيهم ينعـم البـال([19]) |
ونحن نلحظ أن السياق يدل على أن الشاعر
يأمل ذلك ثقة في قوة الدولة لكنه يتحقق بعد ، فهو قد عبر بالفعل المضارع يحمون ،
ولا يرى ، ويستقر ، ويحميه .
ولما مضى موسم حج عام 1343هـ ، ولم
يحدث فيه شغب ولا قتال ولا نهب ولا تعارض مع أن الحرب ما زالت قائمة، وجدة لم
تستسلم بعد ، فأخذ ابن بليهد يفخر بهذا الحج الآمن :
|
اسألوا من أدى المناسك عنا نحمد الله أصبح البيت حراً أصبح البيت في أرومـة مجد |
|
يخبروكم عما رأوا حين آبوا طاب للوافدين منه جناب فبذا تسهل الأمـــور الصعاب([20]) |
والشعراء تحدثوا عن الأمن الحربي الذي يصحب
القتال ، فإن العفو يعقب ضم البلاد كي يعود المجرم عن إجرامه :
|
وباشـــــرها بالعفو عن كـل مجـرم |
|
وجـــــاد عليهـــا بالنــــــوال وديم |
بل هو يسترضي الناس بالعطايا فضلاً عن العفو
الذي يؤلف بين القلوب كي لا يكون هناك نقيصة على أحد ، فهو يقول عن الأمير محمد بن
عبد العزيز الذي يأتمر بأمر أبيه :
|
فهذا أوان الشكر والعفو عنهم ذلك فعــــل مـــــن أبيـــــــه يسنــه |
|
فلا نقصوا مالاً ولا نقصوا دما وقــد كان هذا الفعل فيهم مقدمـا([21]) |
ويتسع مفهوم الأمن بعد استسلام جدة في
عام 1344هـ ، فهو يشمل الحرم المكي ومن يقطنه ومن يفد إليه ، ويزيد على ذلك بإطفاء
الفتن الهوجاء في سائر الحجاز وسبله الموصلة إلى الحج .
|
به أمن البيت الحرام ومن أتى
ويسكن هذا الثغر من كل حادث
سل الناس تنبيك الرواة بما ترى
وهو يؤرخ لهذه الحالة : ثـــــلاث مئين فوقــهــــا ألف
حجــــــــــة |
|
إليه أميناً ولم ترعه الروائع
كما سكنت عن جانبه الزعازع
إذا اجتمعت في الموسمين المجامع مــع الأربعين إن ذا الــعـــــــام رابـــع([22]) |
وقد تبين من ديوان ابن بليهد أنه الشاعر الذي شهد حج عام 1343هـ ،
وكذلك تحدث عن حــــج عام 1344هـ ، بل إنه مكث في مكة ؛ واطلع عن كثب على حصار جدة
، وشهد تسلم عبد العزيز لها ودخوله إياها ، فشعره سجل لتلك المرحلة الحربية
المتزامنة لانضمام المدن الكبرى في الحجاز .
وابن بليهد يعلن ذلك الأمن الحربي الذي
تشكل أثناء الضم ؛ ولا سيما في المدن الحجازية ، فإن رعب الحرب قد ولى ، ومخافة
الجوع والحرمان قد تسربت فإن الأمن الغذائي ميسور مع الأمن الحافظ للدم والعرض
والمال ، وقد صور الشعر ذلك مواكباً الحالة السياسية ، فقال ابن بليهد بمناسبة
بيعة أهل الحجاز العامة للملك عبد العزيز في 25/6/1344هـ بعد صلاة الجمعة :
|
سر واسأل الركب إذ يُنبيك ما سمعا عن الحجاز وأضحت في جوانبه فثغر جدة بالأفراح مبتسم أما الوجوه التي بالأمس عابسة أصبحت بيضاً بإدراك السرور لها محارم سترت عن هتك حــــــرمته |
|
لما تمزق ضيق العيش وانقشعا أيام أنس وسار الرغد واتسعا وفي المدينة نجم السعد قد طلعا سودا ملطمة حافاتها سفعا وما رأت في بساط الأرض قد وضعا ولا أريـــق بها عـرق ولا قطعـــــا([23]) |
والملك عبد العزيز في هذه المرحلة يهيمن
سلطانه على نجد والحجاز ، وهذا ما صوره الشعر الذي أشار إلى ارتباط أمن الإقليمين
معاً ، فهو يرعى المواطنين ، ويحميهم من المجرمين ، ويبعد الخوف والفزع ، وهو آمن
من دخل البيعة ، لكن المجرم لا يدخل في العفو إلا بعد أخذ الحق الشرعي منه :
|
هذا إمامكم عبد العزيز وقد إلا الذي بعد هذا اليوم مجترح قد كان طوداً لنجـــــد تستقر بـــــه |
|
يلقي عن المذنبين الخوف والفزعا ذنباً فلا يأمن العقبى بما صنعا عــن الـــزلازل إن ماجت ومنتجع |
فهو يرمز بالزلازل إلى الاضطراب الاجتماعي
الحربي الذي فتك بأهل الجزيرة ، أمّا اليوم .
|
فاليوم قرت به عين الحجــــاز كم |
|
كانت جوانبـه كهفاً وومتنعـــــــا([24]) |
وبعد تاريخ هذه القصائد لم أعثر على
قصيدة أقرب من أول قصيدة للغزاوي في الملك عبد العزيز نشرت في صفر عام 1345هـ في
أم القرى ، وهي تسجل بداية لمشاركة الشعراء من الحجاز في مدح الملك عبد العزيز .
وقال بمناسبة أمنية هي إعلان الملك عبد
العزيز العفو عن الذين غادروا البلاد وقت المعارك الحربية وأثناء حصار جدة ، وقد
نبعت من قناعة بهذا الحكم الجديد ، ويسجل فيها تاريخ أول مؤتمر للشورى ضم كثيراً
من الوفود من البلاد الإسلامية :
|
ألا لا تلمني اليوم أن أتكلما
ومنها : إمام الهدى لا زلت للدين موئــــــل |
|
فإن فؤادي بالأسى قد تكلم يعزّ بك الإسلام والعـرب والحمى([25]) |
والإشارة الأمنية في هذه القصيدة لا تتجاوز
التلميحات الكلية مثل لفظة العز التي لا تكون إلا باختفاء الاضطراب .
وفي الشهر الثالث من عام 1345هـ يشير
الغزاوي إلى مضمون الأمن فيصف الملك عبد العزيز بأنه محيي نهج الرسول e، وأحكم سلطته الملتزمة بالعروة الوثقى على البلاد وحطم الطغيان
والظلم :
|
وأحيا بها نهج الرســـــول محمـــــد وحطم أعـــــلام الغواية بعدم |
|
وأحكم في أرجائها عــــروة العهـــــد سرت عنه هــوج الضلال بها تحدى([26]) |
وفي السنة ذاتها يعلن سيادة الأمن
صراحة ، بل ربط العمران بالأمن :
|
أمنت خائفها وشدت صروحها
ويقول عام 1347هـ : فبعهدكم ساد الأمـان وجـــــــدكـم |
|
وبها استنار غدوها ورواحها([27]) طاب الزمـــان وفاح طيب المنـدل([28]) |
ولكننا نجد أن ابن بليهد أكثر إحساساً
بالأمن الأشمل الذي عمّ نجداً والحجاز ؛ وذلك لطول صحبة الأخير للملك عبد العزيز ،
ولكثرة تجواله ، أمّا الغزاوي فقد بدأت علاقته بالدولة الجديدة في عام 1345هـ ، ثم
هو استقر في مكة ولم يبرح ، ولذلك فإن هاجس الأمن لم يرد في تجربته الشعورية بعد ؛
لذلك فإن شعره في الأمن قليل فيما بين عام 1345هـ إلى 1347هـ .
على حين نجد أن ابن بليهد أكثر من ذكر
الأمن بعد ضم الحجاز ، وتوسع فيه فأحس بالأمن في الحجاز ، ولا سيما مكة ومواطن
القبائل العربية ؛ لأن الأولى تعني المكانة الإسلامية ، وأمّا القبائل فإن خضوعهم
رمز لقوة السلطة يقول:
|
وكانت به أم القرى مطمئنة كان عليها حلة عبقرية وأصبح باديها مقيماً بنعمة حماها من الأعداء من كل جانب من ظن أن الأرض أرض وسيعــــــة |
|
بأمن وأهلوها سجود وركع تناط بأركان أم صبح وترفع بعيش أنيق والسوائم رتع وأمنها بالسيف والسيف يقرع أحاط بها أمن مـن الله أوســــــــع([29]) |
وكان عام 1345هـ تحول كبير في الدولة
السعودية ، فإن إحساس الناس بقيام دولة قوية الأركان حل مكان الإمارة المحدودة
الإقليم ، ومن أهم مقومات الدولة الأمن مما أوحى لابن بليهد بالإشادة بأهمية الأمن
الذي ظهرت معالمه ، وامتدت بين الحرمين الشريفين ؛ وذلك ما يبتهج له سائر المسلمين
.
فكان الأمن قيمة عليا من القيم التي دخلت
ميدان المدح في القصيدة العربية أكثر من سابقاتها ، فابن بليهد يحمد الله على زوال
الجور والميل ، ويحمده على ثبات الأمن في الصحاري ، فإن الفاتكين الذين صورهم
بالسباع الساغبة الجائعة أضحت لا تجرؤ على افتراس السائمة التي لا راعي لها .
وتواصل الأمن بين نجد ومدنها وبينها وبين الحجاز :
|
الحمد لله كل الأرض قاطبة يا نازلين بأرض لا أنيس بها أيقنت أن السباع الغـرث يؤلمه |
|
أمن وعدل بلا جور ولا ميل دعوا سوائمكم ترعى مع الهمل طوا وهن بأرض الجدي والحمــــــل |
ثم يسير مع القوافل في صحاري نجد التي كان
يسودها قطع الطرق ، وكذلك فإن متقدمي السن ما زالوا يحكون صعوبة التنقل بين المدن
والقرى ، والحماية التي كانت سائدة للحاج وبين المدن ويسمى الدخيل ، فإذا بهم الآن
ينتقلون ليلاً ونهاراً في الفيافي فلا يعترضهم قبيل ولا قاطع طريق .
|
وقلت للركب من شقراء وقد رحلوا فهل لقيتم بأرض الله من فزع فأقسموا أنها بالأمـن مشرقــــــــــة |
|
عوجوا عليّ رقاب الأنيق الذلل
يخشى اللصوص وهل من خائف خجل
من طلعة المرتضى في القول والعمل([30]) |
وابن عثيمين أكثر صراحة حين يصور نجداً
قبل نفوذ سلطان الإمام عبد العزيز ، فهو يحكي حكاية القتل الطائش في نجد يستوي في
ذلك الحاضرة والبادية ، فإن العيوب تذرف دمعاً عندما ترى المآسي اليومية ، فالناس
يتقاتلون داخل المدن ، وكذلك فإن صاحب المدن إذا تجاوز السور فإن الذئاب البشرية
تفترسه ، والسلب رائج في الحياة في الصحاري وعلى طرق القوافل بل حتى للرعاة، يقول
مصوراً ذلك في عام 1346هـ :
|
فقد كان في نجد قبيل ظهوره تهارش هذا الناس في كل بلدة فما بين مسلوب ومـا بين سالب |
|
من الهرج ما يبكي العيون تفاصله ومن يتعدى السور فالذئب آكله وآخر مقتـول وهــذاك قاتلـه |
لكن الأمر تغير والأحوال تبدلت فإن
الشتات اجتمع شمله في كيان دولة قوية ، عزت فيها ملة العرب ، فقد كان الذل
والمكابدة والفقر، والخصام تسود لكنها أبدلت بها العز والقوة بفضل الله ثم قيادة
الملك عبد العزيز .
|
فأبدلكم ربي من الفقر دولة بيمن إمام أنتم في ظلاله به الله أعطانا حيــاة جديــــــــــــدة |
|
وبالذل عزاً بزّ خصماً يناضله يدافع عنكم رأيه وذوابله رفهنا بها من ضنك بؤس نطاولـــه([31]) |
وما أصدق هذا البيت الأخير فإن كل منصف
عاش عهد الشقاء الفاني ثم النعيم الذي يظله الآن يدرك ذلك ، وما أكثر ما أثير ذلك
عند متقدمي السن في المجالس الخاصة، وفي المقابلات الإعلامية .
وبتشكيل المجتمع الجديد ، وقيام الدولة
الرشيدة يتسع الحديث عن الأمن ليشمل أصقاعاً كثيرة من الجزيرة ، فشعر الأمن يحدد
معالم الحدود من حدود الشام إلى اليمن، ومن التهائم الغربية إلى الساحل الشرقي ،
وقد تجسد الأمن بعد معركة السبله عام 1347هـ .
وابن عثيمين قال قصيدة في تلك المعركة
لكنه لم يشر إلى الأمن غير أنه لم يلبث بعد أشهر أن قال قصيدته الميمية التي رسم
معالم الحدود الآمنة للدولة الحديثة :
|
فأمنها بالله من أرض جلق فلا منهم يخشى ظلامة منجد فما أعظم النعمى علينــا بملكـه |
|
إلى عدن مستسلماً كل مجرم ولا منجد يخشى ظلامة متهم ولكن بعض الناس عن رشده عمي([32]) |
ومن أبرز الدوافع لتسجيل تطور الأمن من
خلال الشعر ما التزم به الملك عبد العزيز من حضور دائم لرعاية الحج والإشراف على
مسيرته وأمنه الشامل الذي يحمي النفوس والأموال ، ويهيئ لهم الأمن الغذائي ، ويقيم
حفلاً تكريمياً لرؤوساء الوفود . وقد بدأت تلك السنة الحميدة في 3 ذي الحجة من عام
1347هـ/ 1929م ، ويسمى حفل الاستقبال، ويعد في بداية الأمر في ( أجياد ) يشيد
الغزاوي بهذه المناسبة إلى مضمون الأمن ، فلا عمران بلا أمن ولا فكر بلا أمن ، ولا
تجارة بلا أمن ، يقول في أول قصيدة قيلت بهذه المناسبة 3/12/1347هـ :
|
وبك العرب في العلوم استنارت ومشى الناس في التجـارة شوط |
|
واختفى الجهل خيفة ومحاقا دونه الخيل أن تكــون عتاقـــــــــا([33]) |
وقد تأخر الاحتفال الذي يقام أيام
التشريق عما يقام قبل النحر، نستدل على ذلك بقصيدة الغزاوي الموسمية التي نشرت في
17/12/1347هـ ، فإنه رفعها إلى مقام الملك ولم ينشدها([34]) في حفل مقام
لكن القصيدة تحكي حكاية أمن الحج ذلك الأمن الذي لم يُعهد من قبل في الجزيرة
العربية بعد القرن الأول الهجري ، فالأمن متمكن ، ومن مقومات الحياة الماء الذي
يمثل حجر العثرة أمام الحجاج لطول الفيافي ، فهناك مهالك كثيرة في الشمال على الخط
البحري ما بين ضبا والجوف ، وما بين الجوف والمدينة ، وهناك المهلكة التي أشار
إليها ابن بطوطة في الخط البري ما بين تبوك وبركة المعظم تلك التي اشتريت فيها
شربة الماء بأربعة آلاف درهم فمات البائع والمشتري([35]) .
إذن فإن ذكر الماء ليس عبثاً لفظياً
إنما لدلالة يدركها من قرأ عن مسيرة الحج في القرون الإسلامية كما يتجلى في كتب
الرحلات ، وكذلك إعداد الماء داخل مكة والمشاعر :
|
أمن مكين وظل وارف وقرى أعددت كل الذي يغدو الحجيج بــه |
|
والماء بين الفيافي الشسع مغمور مرفهـــــــا لا يضيره فيــــــه تكديـر |
وهو يشير إلى عناية الدولة ورعايتها
للحج وكونها تعد لاستقبالهم بداية من الحدود ويصعد الاهتمام بهم في موسم الحج بمكة
المكرمة حيث رعاية الملك ، وتعاون المؤسسات الحكومية.
|
وحطتهم مشفقــاً تعنى براحتهــــــم |
|
كأنمــا الفرد فيهـــم منـــك منصـور |
وهو يقصد بأن الحجاج منه بمنزلة ابنه
منصور :
|
قد أكبر القوم فيك الفضل مذ نظروا تسعى على الأرض بين الحشد مزدلفاً تلك المســــاواة في الإسلام لـو علمـو |
|
إليك لا تنتحي عنك المقاطير مع الجموع وهذا الأمر مشهور فليقتفوك ومـــــــا في ذاك تنكـــــــير |
وأكثر ما استوقفني في شعر الأمن ما
استهله الغزاوي مشيراً إلى دور الإعلام عن طريق الحاج الذي يريد منه حمل الأمانة
بنشر صورة الأمن الجديدة التي لم تكن لها سابقة لعدد من الأحقاب . فهي أعظم بشرى
لقاطبة المسلمين في المشارق والمغارب ، فكل فرد مسلم يتمنى بلوغ مكة حاجاً
ومعتمراً في أمن وأمان .
|
يا مغذي السير للأوطان في عجل وأقر السلام عليهم ثم صارحهــــــم وامح الذي قام في الأذهان من زمن وانثل كنانة ما عاينت محتسباً قل الحقيقة وانثرها مجردة لعل من بـات في هـم أشـــــاح بــــه |
|
حدث ربوعك أن الحج ميسور بما شهدت فما في المكث معــــــذور عن الحجاز ولا يغريك تزوير فالمرء بالصدق والإخلاص مأجور فحسبنا هي في الآفاق تذكير عــن الفريضـــــة يستهويه تبشــير([36]) |
ومن المدينة المنورة ينطلق الشاعر عبيد
مدني ليشارك بشعره في ركب الدولة الجديدة بعد أن ابتهج بالأمن والعدل اللذين لا
وجود لهما في حياته السالفة:
|
العدل ممدود الرواق فحيثما والأمن مضروب النطاق تزى له يمشي الساري وملؤ إهابه لو كان موفور الحقائب لم يجد لم يعرف التاريخ مثل أمانه من كـــان يقــدر أن يسير بــــه ول |
|
يممت تلقي الظل منه ظليلا حجباً على جنباته وسدولا دعةٌ فلا يخشى بها تهويلا من نفسه أن يستريب قليلا إلا على عهد الهداة مثيلا حلف يقيـه أو يكــــــون دخيـــلا ([37]) |
ومعروف أن أهل المدن يتعرضون لسطوة
قطاع الطرق ، ولا يسيرون إلا في حماية القبائل التي تستوطن المنطقة تماماً كما
يفعل الحاج ، ولذلك تُعقد الأحلاف ، أو يكون الرجل دخيلاً في ذمة القبيلة أو
أميرها .
والشعر يسجل الذكرى الخامسة لتتويج
الملك عبد العزيز ملكاً على الحجاز وسلطاناً لنجد وملحقاتها. وهذه الذكرى استمرت
في ما بعد وسميت باليوم الوطني. لكن قيام الكيان في سنته الخامسة أوجد مفهوماً
للأمن أكثر من سابقه فتجلت معالم الدولة التي تكاملت مقوماتها من الجيوش ورجال
الأمن ، وعلمها الخفاق الذي يحمل رمز الأمة الإسلامية . فهذه الدولة اتخذت الأمن
مهمة من أعظم غاياتها، ففيه شيوع المراعي نتيجة للأمن في البراري والحواضر وصحبه
العدل، وهذه الدولة فتحت آفاقاً جديدة للفرد والمجتمع فأخذ الجميع يتطلعون للحياة
الجديدة التي ترفع مكانة كل من الإنسان والشعب يقول الغزاوي عام 1348هـ:
|
لخامس عام أينعت بثمارها تحلت بها أرض الجزيرة دولة أباح لكم عبد العزيز بملكه ســـواء لـديــــه في العدالــة عاكـف |
|
فعم بلاد العرب من طيبها نشر لها العلم الخفاق والعسكر المجر مراعي هناء لا تميم ولا بكر أقــام وبـــاد داره المهمــــه القفــــر |
والواقع أن القصيدة تحكي نتاج الأمن
الشامل ، وما ذاك إلا أن الناس أمنوا على أرواحهم وأموالهم ، وفي طرقاتهم ، فأخذوا
يفكرون في البناء الفكري والعمراني .
|
وراح يوالي السعي بالحزم شاخصاً ووحد أشتات البـلاد فأصبحــــــت |
|
لنهضة شعب حقه الناب والظفر مـــــا بينهــا ضغن ولا دونهــا سـتر |
ولا يكون استمرار الدولة إلا ببناء الأمن
الداخلي الذي يقوم على الأسس الشرعية والاقتصادية والعلمية والفكرية من نتائج
الأمن ، ومن ضرورات استمراره ما أشار إليه الشاعر :
|
فما الفرق وايم الله إلا شريعة وما العزّ إلا الفن تبنى صروحه وما العز إلا النسج والوشي باهر وما العز إلا أن ترى القوم سبق |
|
بها انتعش الإسلام وارتفع الصدر وتسمو معانيه إذا انطلق الفكر كما ارتقش الطاووس أو لمع التبر لحذق الصناعات التي دركها فخر([38]) |
وفي عام 1349هـ نجد أن الغزاوي يعني
بأمن الطرق المؤدية إلى الحج ، ويفصل القول في جهاتها ، وتحطيم العقبات التي تعترض
الحاج :
|
فإذا السبيل غدا إليها ياسر |
|
يسعى الهوينا كهلها وغلامها |
|
مــــن أي ناحيــــة سلكــت فإنم |
|
تجـــد المعابـــر فتحــت أكمامهـــا([39]) |
وأول إشارة إلى احتفال (منى) في أيام التشريق
الذي استمر إلى أيامنا هذه ما ورد في حج عام 1349هـ ، وألقيت فيه قصيدة الغزاوي
الدالية التي يعلن فيها سطوة الأمن وخشية الباغي من الأصفاد حتى أمن الناس على
أنفسهم وأموالهم ، وأمن الحاج في مساربه ودروبه :
|
جلّ الذي أولاك عزّاً راسخا
بالله ثم بما استقمت تأمنت
ما أن تحدث ذا الجريمة نفسه
حتـــى خطت فيــــه علــــى
اطمئنانهــــا |
|
وحباك ملكاً شامخ الأطواد
فيه السبيل لرائح أو غادي
بالغي إلا بات رهن صفاد
شــاة الـــرعـــــاة مــرابض الآســاد([40]) |
وبعد أن استتب الأمن في جنوب الجزيرة ولا
سيما في المخلاف السليماني بعد موقعة صبيا عام 1351هـ ، فإن شعراء الجنوب أدركوا
أهمية الأمن ، فإذا بالشاعر علي بن محمد السنوسي المتوفى عام 1363هـ يمدح الملك
عبد العزيز بقصيدة يشيد فيها بجيوش الملك وحكمته ، وانتشار الأمن :
|
ومن المحال بأن تكون ببلدة
وحمى الجزيرة واستقام بحفظها
ما زال يصلح شأنها متحملاً
راق الزمان به وأصبح أهله
وقــــد اسـتراح النــــاس حتى لم
يكــن |
|
أُمراؤه فيقيم فيها المجرم
من بعد ما كانت يراق بها الدم
عنها مشقة ما يضرُّ ويؤلم
في نعمة تترى وقلّ المعدم
مــــــا بينهـــــــم يُلقـــى مريـب يتهــــــم |
والشاعر يمثل الحدود الجنوبية للبلاد ،
بل إنه رأى المفارقة بين الحكم الغابر الذي عمل فيه قاضياً ، وبين الحكم الجديد
الذي انضم إليه ، فالكيان الجديد وحد البلاد ، وضم الأقاليم ، وجمع شمل القبائل ،
وفي ذلك قوة وعزة لأهل الجزيرة .
|
أو لم تكن عرب الجزيرة قبل أن أبدلتها بالذل عزاً شامخاً وجعلت رأيك في مسارح أرضها ما عــورة إلا وأنـت سترته |
|
وُليت ذمتها تُهان وتُهضم والخوف أمناً لا يراق به الدم جيشاً فوارسه المغيرة ديلم غضــــــاً ومثلك من يغضّ ويحلـم([41]) |
والشاعر علي السنوسي يدرك معاناة الحاج
؛ لأن إقليم جازان من أبعد الأماكن في الجزيرة ، فقد كانت العقبات والمخاوف بل
المهالك تعترض الحاج من تلك الديار، فإذا بالعهد السعودي يحمي الدروب ، ويرعى
الحاج يقول في عام 1354هـ :
|
ومدّ على الآفاق ظل أمانه
وسهل للحجاج كل مصاعب
وأمنهم خوف الطريق فأقبلوا
ومـــن قبلــــــه مــا
تستطيـــــــع قوافـــل |
|
وأجرى على العدل الأمور ومهدا
تشق عليهم رحمة وتفقدا
إلى الحج أفواجاً ومثنى وموحدا
ســلــوكاً به إلا وقـــد ذهبت
ســــدى([42]) |
إن فقد الدولة القوية ذات السلطة
النافذة في الجزيرة العربية صيرها إلى إمارات صغيرة متحاربة ، وإلى قبائل مرتحلة
متصارعة ، وفُقِد الأمن في طريق الحاج من الشام إلى مكة المكرمة ومن العراق أيضاً
، وكان ذلك من نهاية القرن الثاني الهجري لكنه استشرى وازداد وباله في القرون
المتأخرة ، والقاريء لكتب الرحلات يذهل مما يتعرض له الحاج على الرغم من القوة
الضاربة التي تصحبه ، وقد حفلت هذه الكتب بالقدح على القبائل العربية في طريق
الحاج ، والمحمل وما يصحبه من قوات الأمن ، ومن أمير نابه ، وما يحمله من الصرة
التي تعطى لكل صاحب درك فإنها لم تمنع قطع الطرق ؛ لأن هناك فراغا في بعض الأماكن
لا سيما المختلف عليه بين حدود القبائل والإمارات الصغيرة ، وقد تحدث الجزيري عن
رحلات الحاج من مصر والشام عبر القرون ، وذكر ما يتعرض للحجاج من عقبات تتمثل في
صعوبة المسالك ، وقلة الماء وقطع الطريق من اللصوص، والاختلاف بين القبائل وأمير
الحاج ، أمّا الدراويش الذين يسيرون على أقدامهم ، فإنهم يتعرضون للمهالك من قلة
الماء والغذاء ، ويتعرضون لسطوة الوحوش أكثر من سطوة اللصوص لاجتماع الاثنين في
الفقر والعدم ، وقبل أشهر من كتابة هذا البحث حدثني كبار السن عما شاهدوه من فتك
السباع بأولئك فرادى وجماعات في شمال غرب المملكة .
ونجد أن الجزيري قد وضع شروطاً لأمير
الحاج وأشار إلى بعض الفقه الذي ينبغي للأمير أن يتبعه([43]) حتى إنه أبان
عن طريقة تعامله مع القبائل : (( ويجب أن تعلم أنه في غالب أحوال عربان
الدرك لا يتعمدون حصول الفساد والأذى والتخطف إلا عند قطع عوائدهم المرتبة لهم من
الديوان السلطاني ، فإن الملوك السالفة ما رتبوا ذلك لهم إلا لأجل استقامة أحوال
طريق الحاج ، مرور أهل الركب في هذا الدرب على حالة الأمن والأمان ))([44]) .
ومع هذا فإن الحديث كثير عن قطع الطريق
للحاج ، والجزيري يوصي بالرفق من أمير الركب وأن يعنى بالفقراء ، ولا يجعل همه
التجارة ، وجمال المحمل من التنميق والزركشة([45]) ، وهذا
التأنق ما يجعل الفقراء من الأعراب يحقدون على الباذخين .
وأول إشارة لمخاوف الطريق سنة 169هـ
حين اختار الخليفة العباسي الهادي أحد رجاله فولاه مهمة الحرب([46])،
وقد أشار المؤلف إلى أن الركب العراقي لم يحج عام 401هـ لفساد الوقت([47])،
ومن خلال متابعة مسيرة الحاج عبر القرون فإن فقدان الأمن يزداد سوءاً سنة بعد أخرى
حتى كان أشدها قبيل توحيد البلاد أي ما بعد الستمائة من الهجرة إلى عام 1344هـ .
والشعراء الحاجون لهم طرائف شعرية تحكي
معاناتهم ، ومن ذلك قول صلاح الصفدي في شرف بني عطية وبردها بعد أن يتجاوز الحاج
مدينة حقل :
|
قد فتّ هذا الهواء الصعب في عضدي فلـو أتاني الــــــورى حتى أبايعهـــم |
|
وأوهن البرد جلدي إذ وهى جَلَدي على الخلافـة ما امتدت لذاك يدي([48]) |
ومن ذلك ما قاله الشعراء في مدينة
الوجه :
|
كم في الأرض من وجه مليح
ومنه : أقول وقد جئنا إلى الوجــــه جمع |
|
ولكن مثل وجهك ما رأيت عطاش وكل حار فيـــه رجـــــــاؤه |
|
إذا قل ماء الوجه قـــــل حيـــــــاؤه |
|
ولا خير في وجـــــه إذا قل مــاؤه([49]) |
وقد أوسع الشعراء القبائل العربية
قدحاً وذماً لما يعانونه من قطع الطريق .
وشعراء مصر المعاصرون تألموا من الاضطراب
الأمني في الحجاز ، ولا سيما في مكة والمدينة ، فهذا شوقي قال قصيدته ( ضجيج
الحجيج ) التي خاطب بها السلطان عبدالحميد عام 1904م يدعوه إلى تأمين سبل الحاج ،
وإلى رعايته داخل الأماكن المقدسة ، وشوقي يوقع اللوم على الملك حسين شريف مكة ،
ويغري به السلطان عبدالحيمد يقول :
|
ضج الحجاز وضج البيت والحرم قد مسها في حماك الضر فاقض لها لك الربوع التي ريع الحجيج بها أدِّبه أدب أمير المؤمنين ،فما لا ترج فيه وقاراً للرسول فما في كــــــل يوم قتــــال نقشعر لــــه |
|
واستصرخت ربها في مكة الأمم خليفة الله ، أنت السيد الحَكم أللشريف عليها أم لك العلم ؟ في العفو عن فاسق فضل ولا كرم بين البُغاة وبين المصطفى رَحِم وفتنــــة في ربــــوع الله تضطــــــرم |
وحافظ إبراهيم استشعر هذا الخلل الأمني
في الحجاز لكنه تأخر عن شوقي فقد قال حافظ قصيدته في عام 1908م ، وفيها يحث
السلطان عبدالحميد على تأمين الحاج في الحجاز ، وعزل الملك حسين عنها :
|
مني على دار السلام تحية وعلى رجال الجيش من ماش به وعلى الأولى سكنوا إلى الحسنى سوى وإلى الحجاز الخارجي وما به ما للشريف المنتمي حسباً إلى أمسى يماثله وينصر غَيَّه تالله لو جنّدتمـــــا رمـــــــــل النق |
|
وعلى الخليفة من بني عثمان أو راكب أو نازح أو داني ذاك الذي يدعو إلى العصيان إلا اقتناص الأصفر الرنان خير البرية من بني عدنان وضلاله بحثالة العربان ونزلتمـــــــا بمواطـــــــن العقبـــــــان |
|
وغرستما أرض الحجاز أسنة وأقمتما فيها المعاقل منعة لدهاكما ورماكما وذراكما إن تأتيــــا طوعـــــــــاً ، وإلا فأتي |
|
وأسلمتما بحراً من النيران من أرض نجد إلى خليج عمان ماحي الحصون وماسح البلدان كرهــــــاً بـــــلا حــول ولا سلطان([50]) |
والحديث عن معاناة الحاج طويلة غير
أنها أضخم مما نتصوره ، فلا يصل إلى مكة إلا القليل من أبناء المسلمين في سائر
الأقطار، حتى إن من يحج يطلق عليه الحاج لندرته، ولم نسمع بكثافة الحاج إلا في
العهد السعودي المبارك ، بل لجأت الدول الإسلامية لتحديد النسب بحسب سكان الدول،
وما ذاك إلا ليسر الحج وأمنه ، ولكن الشعراء الذين عاصروا امتداد الأمن في البلاد
أدركوا المفارقة بين الماضي البعيد والقريب وبين الحاضر المشاهد ، ونحن نستعرض هنا
بعض أقوال الشعراء عن أمن الحج في العهد السعودي ، ليتكشف لنا الأمر على حقيقته .
وشاع الأمن داخل البلاد ، وتوحدت
الصفوف لكن ما زالت الدعاية ضد الكيان الجديد لها وقعها خارج البلاد ، مما جعل
الشعراء يتجهون لمخاطبة أولئك الوافدين للحج لعلهم ينقلون الواقع المشاهد الذي
يبذله الوطن لكل حاج ، فإن الدولة والمجتمع يحتفي بضيوف الرحمن ، ويحوطهم الأمن ،
والحماية عن المعتدي في الداخل أو من الخارج ، وذلك لم يكن عفواً فلم يجئ الأمر
بيسر وسهولة ، إنما تدفق نتيجة جهاد وحروب طويلة ، ومكابدة لا يدركها إلا من
شاهدها :
|
ضحِّي في ( سبيل الله ) عنكم نُذكركم وفي ( الذكرى ) انتفاع وقولٍ من صميم القلب فصل حللتم في مغانينا ( سروراً ) ( بأمن ) لا نظير لهُ بأرض ولم ينشر لواء (( الأمن )) عفواً وبعد السيف يستبق الخطايا وكان الجمعُ قبل اليوم يخشى فأمسى ( الفرد ) تخشاه ( جموع ) مخافة أن يُراع بغير قصد فهل حُدِّثتموا بالصدق عما ألا فليبلغ الداني قصياً بأنّا ( إِخوةٌ ) في الدِّين طراً وأنــــــا أبعــدُ الخلــق اجتراء |
|
وندفع عن ( مصالحكم ) ذئابا بحقٍّ يصدع الصُم الصلابا تطامن ( بالمودة ) واستطابا ونلتم من أمانيكم رغابا ( وعدلٍ ) يُوسعُ الجاني عقابا ولكن بعد (( تزجية )) غلابا على رغم ويرتجل الخطابا مِنَ الفرد المناهل واليبابا ولو بلغت أسنتها السحابا فيبلون المذلة والتبابا رأيتم أم أحالوه ارتيابا ويعلن حاضر ( الحشد ) الغيابا وحسب المؤمن ( الدين ) انتسابا على ( السوأى ) وأورعهم شغابــا([51]) |
فالشاعر يلح على أولئك الوافدين بأن
يحدثوا حديثاً صريحاً عن الأمن والرعاية في الحج ، وما تبذله الدولة في سبيل
راحتهم فإن في ذلك وحدة المسلمين، وجمع شملهم .
والشاعر يضعنا في موازنة بين عهدين
العهد الذي قبل قيام الدولة السعودية، فإن الدروب غير آمنة ، وفيها من المهالك ما
فيها ، من قطع الطريق ، وفقدان الماء ، وغيرها، حتى إذا وصل مكة المكرمة فإن مشاعر
الحج أيضاً فيها اللصوص ، وفيها الخلاف والهرج بين المحامل ، والمذاهب ، وليس هناك
من يأمل أن يروح ويغدوا سالماً لما يعترضه في الجزيرة من قطاع طرق ، حتى الثياب
تغري بالفتك ، أما اليوم فإنه آمن في دروبه لا يخشى على ما يحمله من تبر أو أي
نفيس أحداً ، فإذا ما استقر بمكة أو المدينة فإن الرعاية تحف به ، يقول الغزاوي في
حج 1352هـ :
|
فمن كان من قبل السعود وبأسه
ومن كان يسطيع ( المناسك ) آمنا
ومن كان في الرُّؤيا يُصدق أنه
ومن كان يمضي في الجزيرة وحده
ومن كان يأتي ( للحجاز ) وقلبه
ومن كان لا تُغري الثياب بحتفه
ومن هو هذا الزاعم اليوم أنه
ومن يبغني ألا أقول الذي أرى
ومن ذا الذي لا يشكر الله نعمة
فهل أنا إلا مؤمن لحقيقة
وهل يجحد الفضل الذي هو ظاهر
* لقد حوّل الله المصائب منة فأبدلنا أمناً وعــدلاً فمرحب |
* |
يطيق بلوغ الحج دون تزلزل
على نفسه ما بين جمع ( وجرول )
يروح ويغدو في أمان مخول
بأزواده تبرٍ في سلام ممثّل
يُرجي نجاةً من حمام معجَّل
ولو هي ساوت نصف حبة خردل
يقاسي الذي قد كان زعم المضلل
فكل لسان غير عصبي مقول
تحدث عنها كل شاك وأعزل
هي الشمس لا تخفى على مأمل
سوى أكمه عن منهج الحق معدل
* وعوض عنها بالحباء المكمل بكل مجيب ( للفريضـة ) مقبــــــل([52]) |
المهالك التي تعترض الحجاج قبل وصول
المدينة المنورة من الشمال ، وللوفود التي تأتيها من مكة المكرمة أمر مشهود ومشهور
، فأهل المدينة أكثر معرفة بها ، فلما تغير الحال ، وأبدل الخوف بالأمن ،
والمعاناة بالراحة استشعر شعراء المدينة ففاضت تجاربهم بمداح القائد الأمني الملك
عبد العزيز عندما تجسد أمن الحجاج ، وحفتهم الرعاية والحماية من دولة قوية ، يقول
عبيد مدني عام 1356هـ:
|
أدى الحجيج شعائر الإسلام فأتاك يطري فضل ما أوليته مهدت للحج السبيل فأمه لم يله عزمك عن تعهد أمره وشملته بعنايةٍ دينية ونشرت في طول البلاد وعرضها لم تأل في تيسير سبيله فبلغت فيه مــــا أردت ولم تجــــــــد يا عاهل الإسلام حسبــك عـــــــزة |
|
في غبطة وخفارة وسلام والحمد خير نتائج الإنعام داني البلاد وشاسع مترام فيما تسير عليه أيُّ مهام وعزيمة عربية الإقدام أمن النفوس وراحة الأجسام جهد القوى وهبَّة العزام إلا رضــــــاء الله خـــــــير مـــــرام إن كنت وحدك عاهل الإســــلام([53]) |
والشاعر الغزاوي يصور نفاذ الأمن
وامتداد ظلاله على أنحاء البلاد في المدن والقرى وفي الجبال والسهول ، وبين
الأفراد والجماعات ، حتى إن الإنسان ليخشى من الأشياء احتراساً من الشبهة ؛ لأن
قوة الأمن والرقابة شاملة ، وتلك ليست قائمة على رأي فردي ، إنما تكمن قوتها في
سرعة تنفيذ الأحكام الشرعية التي لا هوادة في تنفيذها . ومن هنا تظهر قوة الإسلام
الذي أوجد شرعاً بيناً واضحاً استطاع الملك عبد العزيز حين التزم به أن يحقق مالم
تحققه الدول القديمة ، فقد استعصت الجزيرة على الدول ، وظل الشغب والتمرد يصحبانها
في أزمانها حتى هيأ الله لها الملك عبد العزيز ، وسخرها لتنفيذ أحكام الله ، يقول
في حج عام 1354هـ:
|
تروضها بالكره طوراً وبالرضا
تمثلت حتى خافت الكف أختها
أقمت حدود الله في كل حالة
رفعت لواء الأمن في كل نفنف
وأفسحت للبيت الحرام مناهجاً
فباتت أماناً للملبين شاملاً
توهمك الجانون ( كالليل مدركاً )
لك الجحفـــل المنصـــور في كــل
مـــورد |
|
فهذا له رفق وهذا له رعب
وأعديت حتى استصحب الشاة والذئب
فلا مفسد ينجو ولا مصلح يكبو
تضل به الأرياح والأنجم الشهب
تحيّفها من قبلك السلب والنهب
وكانت لحوداً للحجيج إذا لبوا
فتابوا وعند الله قد يقبل التوب
وغــايتك الإســـلام تعلــو به
العـرب([54]) |
ومن ذلك إشارته إلى أمن المجتمع الشامل
، يتساوى في ذلك أهل المدن والقرى والبدو :
|
أمن الناس حيث كانوا وناموا يقطعون العسف البعيد من البحر إلى ويمر البادي العبور فيمضي يتمنى لو أنه حاد عنها إنما ذل من تهور غر منع الحد والقصاص التعدي رب قفر سرحانه يتعاوى كاد يسطو بنابه ثم أقعى حذرته الآساد مـــــــا هي تخشـــــى |
|
ملء أجفانهم بكل جهاته البحر وأزوادهم على طرقاته مسرعاً خائفاً على نظراته وهو في الحق واثق من براته يبتليه بتهمة من أذاته كل جان مصفد بأداته وعلى عينه مراتع شاته يؤثر العيش رهبة من نباته فقضــى حسـرة على وثباتـــــــــه([55]) |
والشعراء من البلاد العربية أقبلوا إلى
الملك عبد العزيز ، ولا سيما أولئك العارفون بخبايا الجزيرة ، ومن أشهر أولئك
الشعراء الذين ثاروا ضد العنصرية التركية ، وصحبوا ما يسمى بالثورة العربية .
وقد أوجسوا خيفة في بداية الأمر من
الحكم القادم لعبدالعزيز لكنهم بعد إدراك الحقيقة وجدوا فيه بغيتهم ، وأعظموا فيه
القيادة العربية وتوحيد الدولة ، وتصحيح المعتقد ، واستتباب الأمن ، والنهوض بالأمة
، وتأمين دروب الحاج في الشمال والمشرق والجنوب ، ومن أشهر هؤلاء خير الدين
الزركلي ، فقد قال قصيدة فائية في الملك عبد العزيز عام 1348هـ عرج على الأمن فيها
قائلاً :
|
تقدمها عبد العزيز فصانها دعا فأجابتــــه الجمــــوع فقاده |
|
من الحلك المرئي والشرك الخافي فوحـــد أشتاتاً وقـــــام بأحـــــلاف |
ويقول مقارناً نظراته الأولى بالمتأخرة
في شأن الملك :
|
فما كان أبكاني أسى أمس لاح لي
ويقول في الأمن : وعاد إليها أمنها بعد خوفها هي المعقل المأمـون للعرب كلهـم |
|
فأثلج صدري اليوم من بعد إشرافي فلا بغي فتاك ولا جور عساف هي الموئل المحمي من كل حيــــــاف |
نعم إن كثيراً من العلماء العرب الذين
لم يجدوا أمناً في أوطانهم كانت الدولة السعودية ملجأ لهم ومأوى .
ومنهم الشاعر عبد المحسن الكاظمي قال
قصيدته في عام 1349هـ الذي أشار إلى أن الملك قد وأد التناحر الحربي ، وخبأ كل
صاحب حرب وفساد ، وأزيحت الظلمات التي تتبعها ظلمات ، فتكت السلطة الجديدة
بالفاتكين ، فصانت الدماء والأعراض والأموال :
|
رمت المطامع يعرباً فوقيتها يئس الطموع وخاف مفصل كيده وكفيتنا عنت الليالي فكلما أفعالها كانت قواتل للرجا صنت البقية من دماء أوشكـت |
|
لولاك لم يسلم ليعرب مقتل لما رأى بك ما يحزُّ ويفصل جاءت ليالينا بما هو أليل فرددتها قتلى بما هو أقتل تـردى بهـــــــا أطماعهــم وتنكل([56]) |
أما الشاعر عبد القادر الزهاوي فإنه
يرى أن الملك عبد العزيز ملكاً للعرب ، بل إنه القادر على أمنها وحمايتها .
|
ما للعرب إن ريعــت محارمه |
|
كابن السعود بهذا العصر من حـام |
وهو المنقذ بعد الله للجزيرة العربية
أزاح الظلالة عنها ، ورأت الخير ، وأشعلت ضياء التنوير بعد الجهل الدامس ، والظلم
الفاتك :
|
لاذت بك العرب إذ عالجت مصطلماً بك الجزيرة من أقصى مشارقها ولا برحت مطاع الأمر ممتثلاً لا زال سعيــك مقرونـــــاً بأربعـــــــــة |
|
ما حاق بالعرب من ظلم وإظلام لمنتهى الغرب عادت ذات إحكام بين الأعاريب ذا نقض وإبرام عــــزم وحـــزم وإخـلاص وإقـــدام([57]) |
والشاعر فؤاد باشا الخطيب يعرج على
الأمن الإقليمي وتوحيد البلاد بعد أن كانت أشلاء ممزقة .
|
فأشرق النصر يتلو النصر متصلا وإنجاب عهد الدويلات التي انتشرت كانت ممزقة الأطراف مرهقة وأضحــت بعــــد جمع الشمـل مملكــة |
|
يترى وأنت مضيء الوجه مجدود شبه الجراد وفيها الشؤم معهود فالخد معتفر والركن مهدود بك استتب لهـــــا بعــــــث وتجديــــد |
ويشير إلى الأمن الداخلي فقد ضم
البادية والحاضرة في منظومة واحدة تحت رواق الأمن الوارف ، وتلك معجزة سخرها الله
لك :
|
ضم الممالك من بـــــدو وحضــــــر وأسبغ الأمن ظلاً غير منحصر وتلك بين فجــــاج القفـر معجــــزة |
|
كأنها السمط بعد الوهن منضـــــود فالشاة ترتع لم يعرض لها السيد يكـــر وفــوق جبين الدهـر تخليـد([58]) |
ونحن نلحظ أن الشعراء الذين زاروا
الحجاز قبل العهد السعودي كمثل الزركلي ، وفؤاد الخطيب قد أدركوا خاصية الأمن مما
جعلها تلوح في ثنايا شعرهم ، أما الشعراء الذين لم يزوروا البلاد فإن هاجس الأمن
لم يخطر في تجاربهم الشعرية كمثل العقاد ، وعلي محمود طه ، وخليل مطران([59])
مع أنهم مدحوا الملك عبد العزيز .
وأدرك الشاعر أحمد الكناني المصري أن
النفوس تنتهب في الجزيرة قبل توحيدها لكنها بتنفيذ حدود الله استقام أمرها ، وأمن
حرمها ، وانزوى طامعها ، فأنت الدواء لهذا الداء الذي استشرى عبر القرون .
|
عبر القرون نشرت الأمن في بلد
وقد أقمت حدود الله معتمدا
إذ ما رعوا حرمة البيت ولا
فكان خير داء أن ضربت على
فأنت أنت الذي لولاك مـا أمـــــــــن الـــ |
|
كانت نفوس البرايا فيه تنتهب
على العدالة فارتاعت لها العصب
خافوا الإله ولم تردعهم النوب
أيديهم فاستتب الأمن واحتجبوا
ـحجاج بل أنت في ذي الـراحة السبب |
ويشير إلى أمن المدن والدور ، وما أكثر
ما كرر الوافدون حكاية خروجهم من دورهم وهي مشرعة لا يخشون سطو الجاني .
|
بيوتنا في غنى عما يحصنها صنت البلاد بعين منـك فامتنعـــــت |
|
ما دمت فينا فما الأبواب والحجب فمن يظنونها نهباً لهــم نهبــــــــوا([60]) |
والشاعر العراقي محمد رضا الخطيب يلقي
قصيدته في منى عام 1354هـ ، ويرى أن الملك عبد العزيز يحمي نواحي الجزيرة ، ويمنع
الأعادي من الولوج إليها بعد أن أحياها من الموت ، وقد ساد الأمن ، وأخذ يبني
فكراً :
|
فتحمي نواحيها وتجمع شملها لقد وجدت فيك الجزيرة سيداً وكانت مواتا قبل ذاك وإنما ليجعل فيها الأمن والعــــدل ظاهـر |
|
وتمنع عنها بالأذى من أرادها علاها على رغم الأنوف وسادها أبو فيصل نحو الحياة أعادها ويمحو بآيات الصلاح فسادهـــــا([61]) |
ومن مظاهر الأمن أمن قائد الدولة؛
فالملك عبد العزيز تعرض لمحاولات تريد النيل منه في حج عام 1353هـ لكن أبناءه
ورجاله حالوا بينه وبين المعتدين ، فسلم الملك عبدالعزيز ، وكان حدثاً اهتز له
المجتمع ، واندفع الشعراء يستنكرون هذه الحادثة، ويحمدون الله لسلامة قائدهم ،
فالغزاوي يسجل لنا الحادثة ، بل أرخ لها في شعره بأنها يوم الإفاضة ، ففيها روع
الحادث المسلمين ، لكن الله لطف بهم ، وتدارك الأمر قبل أن تكون فتنة في الحج ،
ولم يحدث فيها سفك دماء ، وإنما واصل الحجاج عباداتهم في أمن ورعاية :
|
أبى الله إلا أن يتم ضياءه
ويحفظ في ( عبد العزيز ) وشبله
فإن عظمت يوم ( الإفاضة ) كربة
وروع فيه (( المسلمون )) جميعهم
فقد لطف الله العزيز بعبده
وكمل حج (( المؤمنين )) وصانهم
وراحوا وقد نجى الإله (( وليه ))
وقد وعد الله المطيع بنصره
ودافع عنه (( بالكتاب )) ولم يزل
وأقسم لو أن (( الأخاشب )) زلزلت
لمــــا كـــــان مـــــــــن تأثــــــيره في قلــوبنــا |
|
ويرفع للدين الحنيف لواءه
على رغم كيد الخائنين بناءه
وخف لها (( التوحيد )) يحمي ذماءه
(( بثالثة ))كادت تريق دماءه
وأنقذ في قلب العدو قضاءه
من الشر واستبقى عليهم هناءه
يطيلون بالشكر الصميم نداءه
وخوله أجر التقى وحباءه
يحقق للإسلام فيه رجاءه
وما (( ثبير )) أو شهدنا انكفاءه
كرجفـــــــــة غاو قد فريت حشــــــاءه([62]) |
أمّا الشاعر ابن بليهد فإنه أكثر
وقوفاً عند الحادثة ، حيث أبان أن ثلاثة نفر من أهل اليمن اعتدوا على الملك عبد
العزيز ، لكن الله حماه منهم ، وقتلوا جميعاً في الحرم ، ويشير إلى أنهم من
الزيدية حملوا خناجرهم ، واتجهوا إلى الملك في الشوط الرابع لكن أبناءه وحراسه
كانوا أكثر يقظة فدافعوا عنه حتى قضوا على الثلاثة :
|
اليوم تفترق الركبان بالخبر
على تقى وفي أرض مقدسة
فأبطل الله كيد الكائدين ، وقف
قاموا من الحجر والرب العزيز يرى
يستغفر الله في اليوم العظيم وفي
أموه تلمع في الأيدي خناجرهم
زيدية عقدت بالغدر حيلتهم
فعبرت عن ولي العهد همته
من دون حرز بني الإسلام كلهم
أما الزيود فسيف الله أهلكهم
ثلاثة قتلوا قتل الكلاب فما
فتم باقي طواف الحج يتبعه
هنيت يا الملك الشهم الهمــــــــــــام علـى |
|
عن حادث الأمس بين الحُجْر والحَجَر
في جيرة الله محفوظ من الخطر
أمام زمزم وانظر مقتل النفر
عبد العزيز بيوم الحمد والشكر
أرض تصان عن الأدناس والضرر
في رابع الشوط هذي أكبر العبر
عن معتد فاجر أو فاسق أشر
كأنه الليث عند الورد والصدر
يجيره الله عند المأزق الخطر
كذلك الغدر لم يبق ولم يذر
نالوا سوى العار في الدنيا وفي الأخر
سعود قد شملوا بالعز والظفر
تلك السلامة يا ابن السادة الغـــرر([63]) |
ويظهر فيها السرد القصصي الشعري ، فقد
استهلها بتحديد المكان ، وبيان أهميته وقدسيته، ثم هجومهم والصراع الذي حدث بينهم
بين رجال الأمن ، وختم بقتل المعتدين ، والتهنئة بالسلامة .
وقد تنبه الشعراء إلى الأمن الاجتماعي
الذي يبني دعائمه على القوة الذاتية للفرد والمجتمع ولا يكون إلا بناء الفكر أولاً
ثم إشادة العمران والمصانع ، وقيام النهضة الزراعية ، والشاعر الغزاوي يعلن في
صراحة من أمره رغبة المجتمع ، ويرفعها لقائده بأن المجتمع أحوج ما يحتاجون إلى
العلم بعد بناء دعائمه من الأمن والاستقرار .
|
وإني وقد حانت لي الآن فرصة ففي الشعب روح أنت قادح زنده فقـــد بلغت فيـك الجزيرة غايـــــــة |
|
أبثك إخلاصاً بما هو جامع وفيه طموح نجحه بك واقع من المجد أعيا سمتها مــــن يضـــارع |
لكنها تريد المزيد ، فلما
أشادت الأمن والدولة القوية فأجدها رافعاً همتها إلى طلب العلم لتكون في مصاف
الدول المتحضرة ، فتبني فكراً وعلماً ، وتكون وعياً ، وتشيد مصانع .
|
ولكنها غرثى إلى العلم فاحدها إلى أن تباري كل شعب ثقافة إلى أن تراها في ثراها ثرية إلى أن يخاف المستطيرون شره |
|
إلى المثل الأعلى وما هو نافع وتحذق ما دارت عليه ( المصانع ) ومن بعض ما يبني بنوها ( الدوارع) ويفرق منها الخاتـــــل المتواضــــع ([64]) |
([64])
الغزاوي : الديوان : 1/854.
§
إبراهيم
رفعت باشا ، مرآة الحرمين ، الطبعة الأولى ، دار الكتب المصرية بالقاهرة عام
1344هـ .
§
أحمد
الغزاوي : الديوان جمع مسعد بن عيد العطوي ، الطبعة الأولى ، الرياض عام 1408هـ .
§
ابن
بطوطة : رحلة ابن بطوطة ، الطبعة الأولى ، المكتبة التجارية الكبرى بمصر سنة 1964م
.
§
سليمان
بن سحمان : ديوان عقود الجواهر المنضدة الحسان ، علق عليه عبد الرحمن بن سليمان
الرشيد، الطبعة الأولى ، منشورات الحرمين، مؤسسة الدعوة الإسلامية الصحفية .
§
عبد
القادر الجزيري : الدرر الفرائد المنظمة أعده للنشر حمد الجاسر ، الطبعة الأولى ،
منشورات دار اليمامة عام 1400هـ .
§
عبد
المحسن اليوسف : سلطان نجد والحجاز في صحافة عصره ، الطبعة الأولى ، لم تذكر بقية
المعلومات .
§
عبيد
مدني : المدنيات ، الطبعة الأولى ، دار العلم للطباعة والنشر 1406هـ .
§
محمد
بن عبد الله بن بليهد : ابتسامات الأيام ، تعليق د.محمد بن سعد بن حسين ، الطبعة
الأولى ، مطابع الفرزدق التجارية ، الرياض عام 1405هـ
§
محمد
بن عبدالله بن عثيمين : العقد الثمين ، جمعه وحققه سعد بن عبد العزيز بن رويشد،
الطبعة الثالثة ، مطابع دار الهلال ، الرياض عام 1400هـ.
§
محمد
محمد حسين : الاتجاهات الوطنية ، الطبعة الثالثة ، دار النهضة العربية ، بيروت
1392هـ .
§
صحيفة
أم القرى من عام 1343هـ حتى 1373هـ .