المقدمــــة:

الحمد الله الذي أسبغ علينا فضيلة الإيمان ، وأنعم علينا بالأمن ، والصلاة على رسولنا e ، وبعد :

لما أهلت علينا إطلالة تمام مائة عام على قيام دولتنا الرشيدة، وأعلنت أمانة الاحتفال بمرور مائة عام عن دعوتها للإسهام ببحوث للمشاركة في المؤتمر العلمي العالمي عن المملكة بمناسبة ذكرى التأسيس.

فقد قمت بإعداد بحث عن الحصاد الأول، والثمرة الجنية الأولى للدولة المتمثل في القاعدة الأساس لهذا البناء ، ذلكم هو الأمن، فلا أمن بلا دولة ولا استقرار بلا أمن، ولا علم بلا أمن، ولا حضارة مع فقدان الأمن، فما كانت جيوش القائد الباني الملك عبد العزيز تنطلق من مدينة الرياض إلى كل قرية أو بلدة أو مدينة إلا وتمنحها هبة الأمن حتى أضحى الأمن يظلل أرجاء الوطن، ويكتنف أطرافه، فحُقَّ لنا أن نلقبها بـ " دولة الأمن " ، فالأمن الديمة المستقرة ذات البركة التي تسقي جذور الحضارة وتولدها.

وقد حاولت أن أحصر موضوعي في الشعر ، فاستعرضت إبداع الشعراء الذين عايشوا الأحداث ، وتكوين الدولة، فتجلت لي مراحل بناء الأمن في المدن والقرى والبوادي بل في مسارب المدن، ودروب الصحراء ، فكان عنوان البحث ( الأمن في عهد الملك عبد العزيز من خلال الشعر ) ، وتتبعت أقوال الشعراء من استعادة الرياض حتى عام 1373هـ ، واقتصرت على أولئك الشعراء الذين عاصروا الأحداث ، وأشرت إلى أمن الحاج ، وما قاله الشعراء العرب.

 

مقومات الأمــن:

إن قيام الدولة الحضارية يعتمد على مقومات أساسية تؤهلها للثبات والاستمرارية، وقد حبا الله الدولة السعودية مقومات أرست دعائمها ، ومن أهمها:

1 – القيم والمبادئ : الدولة السعودية قامت على خير قيم ، وأصلح دستور، إنها القيم الربانية التي أودعها الله في الإسلام ، فهي أولاً رسخت الإيمان في كيان المجتمع ، وهذه كفيلة برسوخ الأمن في كيان كل فرد له ولما يصدر من أفعال .

   والدين الإسلامي كان روحاً للدولة ، وكان شرعة ومنهاجاً ، فقد كفاها مؤنة القانون الإنساني، والتيه في جدل الفكر البشري . ومصداق ذلك أن الأحكام الإسلامية التي نفذها الملك عبد العزيز لها أثرها الكبير في استتباب الأمن .

2 – وجود قائد حكيم لبيب قادر على التحكم في المواقف الطارئة ، ويملك العزيمة الصادقة كثير التأمل ، يعمل رأيه قبل سيفه ، بل يكون الرأي هو المدبر للسيف كان – رحمه الله – مسالماً في غير ضعف ، محارباً في غير تهور ، ولم يدخل في الأحلاف الحربية ، ولم يخض حرباً مع القوى العالمية ، إنه الاعتدال ، والتدبير .

3 – اتحاد الأمة لغاية واحدة هي نشر الإيمان ، وتصحيح المعتقدات الباطلة والروح الإيمانية سلبت الفرد من سلبيات العصبية والإقليمية ، فالتقت أهدافه مع أهداف الدولة فكان الفداء ، وكانت الجيوش القوية من أبناء الجزيرة العربية من القبائل والمدن والقرى . اجتمع القادة ، والمرشدون ، والمحاربون في الجيش الواحد . وكانت مهمة الجيوش ضم البلاد وتأمين العباد ، وقمع الفساد .

4 – فضيلة اختيار العقول العبقرية ، فرجاله من القادة ، ورجاله من المستشارين ، كانوا من المخلصين ومن الموهوبين الأذكياء ، وقد فتح قلبه ليستقبل الأدمغة من الداخل والخارج ، وهؤلاء اشتركوا في بناء الأمن ثم في استمراريته ، يقول العقاد: " الملك ابن السعود يستشير ويكثر الاستشارة مع ما وهب الله له من البطولات القومية ، وقد رأينا بين مستشاريه شيوخاً محنكين لا تخفى عليهم خافية من شؤون البلاد العربية ومنهم السوري ، والفلسطيني ، والطرابلسي ، والمصري، ومن أبناء نجد ، والحجاز "([1]) .

بهذه القيم وغيرها انطلق الملك عبد العزيز كما يقول الزيات: " من بوادي نجد منبت المرار والخزامى ، ومهب الصَّبا ، ومسرى النعامى ، فاحت عطور الإسلام من جديد ، وباحت الرمال الصافية بسرها المكنون منذ بعيد ، وهبت نفحات الرسول على آل الشيخ ، وآل سعود ، فجددوا ما رثَّ من حبل الدين ، وجمعوا ما شت من شمل العرب ، وتهيأت الفرصة مرة أخرى لشريعة الله لتري الناس كيف بسطت ظلال السلام والوئام ، والأمن على أشد بقاع الأرض ضلالة وجهالة وفتنة ، وتجلت في طويل العمر عبد العزيز فضائل العرب الأصيلة "([2]) .

والمفكر المشهور عباس العقاد يقف عند تكوين الدولة الآمنة ، فيقول عن الملك عبد العزيز: " فهناك حقائق أربع ماثلة للعيان لا يتطرق إليها الخلاف ؛ لأنها في حكم الواقع المشهود :

أولــــها:    أن جلالة الملك عبد العزيز قد أقام ملكه بيديه ، وبما رزقه الله من حول وحيلة.

والحقيقة الثانية: أن جلالته بسط حكمه على أوسع نطاق من البلاد حكمه ملك عربي منذ ألف سنة.

والحقيقة الثالثة: أنه وطد الأمن في هذه المملكة الواسعة كل التوطيد .

والحقيقة الرابعة: أنه سلك بدولته في مهاب العواصف الدولية مسلك السداد والأمان"([3]) .

يرى عبدالله فيلبي أن مراعاة الإنسانية في الدولة السعودية مدعاة إلى التفاءل بالخير من الخالق سبحانه وتعالى ، واحترام الأكابر في السن وقرى الضيف والغريب ، وخاصية الاستقلال في الرأي والعمل ، هذه في الواقع هي القواعد الأربع لصرح المجتمع العربي اليوم"([4]) ، وامتاز مع المحافظة على هذه الأصالة إلى الأخذ بالوسائل الحديثة الخارجية .

وقد أشار إلى حكمته الأمنية الخارجية (( بيد أن ابن السعود كان حكيماً في جميع خطواته ؛ لأنه لم يثر أي خصومة مع الدول الكبرى ، إذ رغم ما أبداه شعبه من مظاهر التبرم المتعددة ))([5]) . فإن ذلك لم يستفزه إلى حروب غير معروفة العواقب ، وقد استطاع أن يمتص غضب الدول المجاورة من الأشراف في الحجاز والعراق وشرق الأردن، وعقد صلحاً مع الدولة اليمنية ، وبهذا أمن حدوده ، ولم يجلب العداء مع الآخرين .

إن الأعمال العبقرية الخالدة من البطولات الحربية ، والعزائم المتوثبة ، والمواهب المتقدة ، والعقلية الثاقبة ، والرؤية المتدبرة كونت أسطورة الملك عبد العزيز التي فاقت الخيال ، وعجز عنها الرجال في قرون عديدة ، فليس من اليسير قيام الدولة في مسارح القبائل العربية والفيافي الشاسعة ، والأقاليم المتناحرة، والقوى الداخلية والاضطراب الخـــــارجي للعالم بأســــــره ، لكن بنى ابن سعود دولته أثناء قيام الحرب العالمية الأولى ( 1323–1328هـ / 1914–1919م) ، واستمرارية الصراع بين القوى العالمية . فأمّن بلاده في وهج الحروب أمنها من الحروب الخارجية ، وأمنها من الداخل ، وليس ذلك وحسب بل أمنها أمناً غذائياً ، فلم تعان المجاعات أثناء الحربين العالميتين، إن أسطورة الأمن بين قبائل متحاربة وأعراب يغيرون على المدن تارة ، وبين تناحر المدن والأقاليم والإمارات المتوارثة إن هذا الأمن  لشيء عجاب ، وإنني في هذا البحث أقف عند قضية الأمن عند عبد العزيز بن عبدالرحمن الفيصل ، وأحدد ذلك من خلال الشعر . فإن الشعراء أكثر إحساساً بلفح التيارات على مجتمعاتهم ، وهم أكثر استشرافاً للمستقبل، وقد قيظ الله عدداً من الشعراء صحبوا الملك عبد العزيز فسجلوا وقائعه الحربية ، والمعارك التي خاضها من بداية عام 1320هـ، فقد كان سليمان بن سحمان من الذين عاصروا الصراع بين آل سعود في آخر مرحلته الثانية ، وشهد حكم آل رشيد في نجد والرياض ، وابتهج باستعادة الملك عبد العزيز لسلطان آبائه ، ثم صار مصاحباً له الشاعر محمد بن عثيمين ، وكان من أقدر الشعراء ، وقد لحق بالشاعرين الشاعر محمد ابن بليهد، ثم انضم إليهم الشاعر الغزاوي ، وكان لهؤلاء قصب السبق . وقد سجلوا بناء الدولة السعودية وسيرة الملك عبد العزيز ، ثم جاء كثير من الشعراء بل استقطب الملك عبد العزيز بمآثره كبار شعراء الأمة العربية ، وإن سكت شوقي لصداقته مع أسرة الخديوي وحاكم اليمن لكن العقاد ، وخليل مطران ، وعلى محمود طه وشوقي الأيوبي، وفؤاد الخطيب، ومحمود حسن إسماعيل وغيرهم شاركوا بشعرهم ، وأثارت تجاربهم ما اطلعوا عليه عن كثب من سيرة الملك عبد العزيز .

وأقدم الشعراء الذين صحبوا الملك عبد العزيز الشاعر ابن سحمان الذي بادر لمدحه في عام 1320هـ ، والشاعر يشير إلى حالة الاضطراب في الفراغ السياسي ، والإداري في المدة بين عهدي آل سعود الثاني والعهد الثالث ، فهو يرثي حالة الأمن التي عاشها أولاً :

ولكن على صحبٍ أرثَّ بحبلهم وعهد تقضيناه بالأمس وانقضى  فبدد شملاً كان بالصحب شامـــل

 

صروف القضا بعد احتكام ومرت وبدّلت أفراحاً بأتراح جَمّتِ       بكل مكان فرقــة مــن أحبتِي

 

فقد تفرق شمل صحبه داخل الجزيرة وخارجها عند اضطراب الأمن ، فمنهم عصبة في الأفلاج وأخرى لجأت إلى الهند.

ففي بلد الأفلاج منهم عصابة وبالهند منهم صاحب أيّ صاحـب

 

إليهم تتوق النفس كل عشية           له همة تسمـو بهـا فـاشمعلـت

والشاعر يبكي من واقع الحال التي ألمت بالبلاد ، فبعد أن كانت دولة قوية  تحمي العلم والعلماء ، وينشر الدين في ظلالها فإذا بها تتداعى ويفترق أهلها:

فأخضلت دمع العين لما ذكرته وجالت بي الأشجان من كل جانب ووا جزعي أن ليس للدين ناصر

وفي النفس أشياء سوى ما ذكرتـه

 

وجالت بحار دونه واستقلت

فوطنت نفسي باللقا فاطمأنتووا حزني من معضلات أصمت أطامنها صـبراً على مــا أجنت

نعم إن الشعر يومئ إلى الأحداث ولا يفصلها، لكن النتيجة تتجسد في فقدان الدولة والأمن، وشيوع الاضطراب وفراغ الأحبة من طلبة العلم ، وكثير من المآسي تحدث في غياب الأمن.

لكن الشاعر ما يلبث به ذلك الزمن طويلاً حتى يرى معالم النور تنبلج من المشرق كالشمس ، إنه خروج الإمام عبد العزيز من الكويت ، وقيام دولته بالرياض، فهو يرى أنه طالع السعد والهناء .

 

ولما تبـدى طالع السعد والهنا

 

ومنّ علينا الله أعظم منّـة

والشاعر قال قصيدته بعد سنة من استعادة الرياض عام 1319هـ ، فهو لم يتعجل أمره ، وإنما قالها بعد ثبات الدولة وقوة سلطانها شأنه شأن العلماء ، فقد تجلت هموم الشاعر في عام 1320هـ حيث زال القتام والغم والأسى ، فالقصيدة هذه ( قوارع الحدثان ) أول قصيدة في مدح الملك عبد العزيز :

 

لألف من الأعوام قد مرّ وانقضت تجلت هموم النفس وانكشط الضنى وزال قتام الهم والغم والأسى

بآل سعود حين أُطِلـع سعدُهـم

 

 

ثلاث مئين بعد عشرين سنة

وولت غموم بالفؤاد استكنت   وضاء لنا ضوء الهنا والمسرة

بعبد العزيز الشهم سامي الفتوة

 

فهو قد بعث الأمن من جديد بتوطيد الدولة ، ومدّ سلطانه على العارض وحكم فيها بالشرع الحنيف ، مما جعل الأمن يسود ، وطالب العلم ينشر علمه ، وذهب الفزع والخوف ، وساد الأمن .

 

 

فأطد طود العز بعد وهائه

فلا أمر بالعرف يعرف بيننا

فأبدل بعد الخوف أمناً وأقلعت

ورتب من أهل الهدى وذوي التقى

لأمر بمعروف ونهي عن الردى وأضحت بنور الحق تخفق بعدم

 

فعاش الورى في ظل أمن وغبطة ولا منكر للمنكرات الممضة

غياهب ما تجني الغوات العتوة

دعاة إلى فعل النهى أهل حسبة

وقد كان من أخلاق أهل المروءة عفت وانمحت في نجدنا واضمحلت

إذن فإن أهل الحسبة من القائمين على الأمن فهم عيون الحاكم وهم سلطته :

ويصبح أهـل الحق في ظـل أمنـه

 

يقيمون للسمحـا أقــوم ملة([6])

ونلحظ أن الشعراء حصروا مظاهر الاضطراب بفقدان الأمن في زوال الدولة القوية، وفي تصارع أهل الإمارات الصغيرة ، وفي هجوم الأعراب على المدن ، وفي قطع الطرق ، والشاعر ابن سحمان يمثل ظاهرة قطع الطرق في قصيدته ( اللصوص ) ، فهو يسرد الواقعة التي حدثت سرداً قصصياً ، فقد اعتلى قطاع الطرق مكاناً مرتفعاً مطلاً على سائر المكان ، يرقبون القافلة من حيث يرونهم ولا يُرون ، وأمهلوهم حتى طوقهم الظلام ، وبيّتوهم وداهموهم بإطلاق النار من الأسلحة ، فتفرق شمل القافلة، وظن كل منهم هلاك الآخرين من صحبه :

 

فجاء اللصوص المعتدون ببغيهم فلما رأونا أمهلونا هنيئة فجاءوا عشاء قبل هدء وهجعة فبيتنا الأعداء لا در درهم فأوروا بنا ناراً من الصمع جهرة فكل أمرئ منا تولى ولم يكن سوى أنه ينجو ويخلـص سالماً

 

وعدوانهم حتى علو مرقباً يبدو وقد أجمعوا أن يقتلوا من له شد وقد أيقنوا أنا سنسري ولا نغدو بباطن طلح والتوى منهمُ القصد كأن الفضا من زجل أصواتها رعد له همة حقاً تروح ولا تغدو وقد حال من دون التخلص ما يبدو

وهو يصور المأساة التي نجمت من قطع الطرق ، فإن الأطفال أخذوا يبكون ويندبون آباءهم، وكذلك النساء فقدن المدافع عنهن، فأخذن يصرخن ، ويبحثن عن أطفالهن ورجالهن ، والآباء تركوا أسرهم مرغمين .

وقد قتلوا منا امرءا في بياتهم وقد غادروا أطفالهم طول ليلهم ويندبن أمّاً لا تجيب دعاءهم

 

وزوجة ظلماً فلا نالهم سعد لهم ضجة تعلو وأصواتهم تبد وأباً لهم قد كان من أمره الفقد([7])

وهذه الحالة متكررة في الجزيرة ، فإن الغارات تداهم القوافل ، وتداهم القرى ، ومنازل البوادي في سائر الأقاليم .

والناس قد استبشروا بعودة الدولة التي تنشر الأمن وترعى الرعية ، ولم يكن ورود ذكر الدولة إلا بعد اتساع الرقعة بضم إقليم الأحساء عام 1331هـ يقول ابن سحمان في الملك عبد العزيز :

 

وقد ظن قوم أنها دولة مضت وقد عاد ما قد فات غضاً كما بدا بمهد هزبر ألمعي مهذب يقودهم ليث همام سميدع يخوض عُباب الموت والموت ناقع ويركب هول الخطب والخطب معضل هو الملك السامي إلى منتهى العلا إمام الهدى عبد العزيز الـذي به

 

وليس لما قد فات عود ولا رد فلله مولانا على ذلك الحمد يقود أسوداً في الحروب بها حرد أبي وفيّ فاتك إن عثى الضد إذا استعرت نار لها في الوغى وقد وقد هابه الأبطال رعباً وقد ند وقد أمّه في نيلها الطالع السعد تضعضعت الأمــلاك واستعلن الرشد([8])

حقاً إن هذه الصفات من القوة والألمعية والإقدام وخوض عباب الموت ، وركوب الأهوال هي التي أهلت الملك عبد العزيز لقيام دولة نشرت الأمن في جزيرة العرب طال انتظارها لها ، واخضعت القبائل التي تمردت على الإمارات بل على الخلفاء الأقوياء في العصور الإسلامية لكن قيض لها ذلكم القائد الملك عبد العزيز .

ونحن نلحظ بعد ضم الأحساء ، تسمية الإمام بالملك ، والتحول من الإمارة لذكر الدولة، ونلحظ في الشعر ظهور معالم الحكم القوي الشامل الذي يهيمن على الفكر والمجتمع من الأفراد والقبائل :

 

 

وذلت بك الأعداء من كل فاجر فصار الأعادي والبوادي ومن بهـم

 

وكل كفور دينه الكفر والجهد نفـاق أذلاء لـو أنهـم كمد([9])

والشعراء يسدون النصح للملك عبد العزيز يقول ابن سحمان :

 

ملكت فأسجح وابذل العفو والندى وعامل عباد الله باللطـف وأرعهـم

 

لتنجو في يوم اللقاء حين ما نفد بعـدل وإحسـان ليصفو لك الود

فقد كان هذا شأن الملك عبد العزيز جعل الأفراد متساوين يحكمهم بالشرع ، واستقطب أهل الحاضرة والبادية ، وكلهم انضم إلى جنده .

فلا فــــرق بين جماعــــة المسلمــــين إذا ما اهتدوا ، وقد تعاونـــــوا وتـــآزروا مع الملك عبد العزيز ، فتبين حسن نيــــة الملك عبد العزيز ، وحكمته الثاقبة وقصر نظر الشاعــــــر.

والشاعــــر ابن سحمان يصــــــور الاضطـــــراب في البلــــدان،وغارات الأعــــداء عليهــــا .

 

لقد جاءنا الأعداء على حين غفلة على عدة منهم وشدة أهبة وما كان منا عالم بمجيئهم فجاء الطغاة المعتدون بخيلهم إلى أن غشوا كل البلاد وأحـدقو

 

وفي هجعة من آخر الليل بالجرد وغيظ وإبعاد عنيف بما يردي إلينا ولا كنا على أهبة تجدي وجندهم المخذول يمشي على وخد بأرجائها واستنجدوا كل ذي كمد([10])

وتستمر القصيدة في سرد المعركة التي قادها الملك عبد العزيز في بداية سلطانه ، ونصره الله على الجيوش المتربصة المهاجمة للمدينة ، فهذه القصيدة تمثل اضطراب الأمن بين الإمارات المتصارعة .

ومن أوائل الشعراء صحبة للملك عبد العزيز الشاعر محمد بن عثيمين الذي مدحه بعد ضم الأحساء عام 1331هـ ، ومدحه بقصيدته البائية المشهورة التي مطلعها :

العزُّ والمجد في الهندية القضــب

 

لا في الرسائل والتنميــق للخطب

والموقف يفرض على الشاعر الإشادة بالبطولات الحربية ، ويدعوه إلى الانفعال الحماسي ، ولم يكن للأمن من تجسد في بداية الأمر في الجزيرة إلا في الأقاليم التي فرض الملك عبد العزيز سيطرتـــه عليها ، ومن أوائلهـــا الأحساء فإن الشاعر أشــار إشـــارة سريعة للأمن ، فهو يذكر اضطـــراب الأحوال في الأحســاء التي لم تخضع لسلطة موحدة وإنما يهيمن  العثمانيون على جزء منها ، والجزء الآخر خاضع للقبائل وللصراع القبلي، لكن اختلف الحال بعد دخول الملك عبد العزيز فساد الأمن ، فقال الشاعر :

شكراً بني هجر للمقرنيّ قد كنتم قبله نهباً بمضيعة وللأعاريب في أموالكم عبـث

 

قد كنتم قبله في هوّة العطب ما بين مفترس منكم ومستلب يمرونكم مري ذات الصنو في الحلب([11])

فهو يأتي بمضمون الأمن ولم يصـــرح به ، وهو في القصيدة الثانية في تمام عام 1339هـ يصرح بالأمن في بيت واحد :

دعــــــوة وجبت للمسلمــين بـــــــــــه

 

أمّا تـــــرى عمهــم أمـــــــن وإيمــان([12])

لكن في قصيدته البائية يعلن أن الأمن قد اضطرب في نجد لكن قيض الله الملك عبدالعزيز لنشر ظلاله .

 

وحين قلَّص ظل الأمن وانقشعت أتى بك الله غوثاً للعباد وللب

 

من نجد أعلامه ، واستفحل الكلب ـلاد غيثاً هنيئاً بعدما جدبـو

وكذلك فإن شعر محمد بن بليهد دوّن بشأن بطولات الملك عبد العزيز ووقائعه الحربية ، ولم يتناول قضية الأمن في قصائده الأولى إلا ما ندر كقوله في قصيدة قالها عام 1339هـ في معركة الحائط قرب حائل :

 

به تأمن الأظعان شرقـاً ومغرب

 

ومن أمنه الأفلاك في البحر تركب([13])

لكن لما اتسع سلطان الملك عبد العزيز وشمل (حائل) ودخلت القبائل في طاعته ، وحكم فيهم بشرع الله فقد ظهرت معالم الأمن لابن بليهد المشهور بطوافه للتجارة ، ولجبي الزكاة ، فإنه استشعر الأمن في أسفاره ، ولا سيما بعد أن ضم الملك عبد العزيز حائل عام 1340هـ ، فإن معالم الأمن ظهرت بين القبائل المتحاربة ، التي يكثر فيها قطع الطرق فلا عصابة ، وإنما الناس في أمن، ومواشيهم لا خشية عليها من الغارات السائدة قبل هذا .

 

وأصبح البدو في أمن وفي سعة إذا تحل من الأوطان ما طلبت بالله ثم بأهـل الأمــر آمنــة

 

يمشون فيما تشاء الشاة والجمل فلا تُسائل أنّى تسرح الإبل بأي دار سقاها الصيب الهمــل([14])

 

وملخص القـــول إن الشعر أبان عن أحوال المرحلة الأولى المتمثــلة ما بين عام 1319هـ حتى عام 1344هـ ، وهي حالة اضطراب شُغِلَ فيها الملك عبد العزيز بضم المدن والأقاليم ، ونشر الحكم بين أفراد رعيته ، وقيام أهل الحسبة بالوعظ الديني الذي وحد صفوف القبائل المتنافرة ، وقد كانت هناك غارات قبلية ، وحرب بين الإمارات ، وقطاع الطرق ؛ لكن السلطة السعودية أخذت تجتثها من البلدان والأقاليم ، والقبائل ، فأصبح الناس في أمن تتمناه سائر الأقاليم والقبائل ، وأشاد به المؤرخون .

إذن فإن تمثل قيام الأمر بالمعروف ، والأمن في ظلال سلطة قوية كان مدعاة أو دعوة لتدبر بعض الأقاليم والقبائل مما يسر انضمامها للسلطة الجديدة بقيادة الملك عبد العزيز، ولا سيما بعد أن امتدت سلطته على العارض والأحساء والقصيم ، وحائل ، فإن ابن عثيمين يُسر بقيام قناة الدين بعد اعوجاجها ، وأصبح شرع الله هو الذي يستقى منه ، ونشره غاية الدولة ، وأدرك الشاعر أن الملك عبد العزيز لم يترك الدنيا ، وإنما أخذ يرعاها، ويحمي الرعية من شرور أنفسهم ، يقول عام 1341هـ :

 

أقام قناة الدين بعد اعوجاجها ولم يترك الدنيا ضياعاً لغاشم لكن حمى هذا وذاك بهمة

 

وثقفه حتى استقامت شرائعه مخيف سبيل أو على الناس قاطعه يهدُّ بها من شامخ الطود فارعــه([15])

ويتضح أن الشعر في هذه المرحلة اقتصر على الشعراء النجديين ، وأولهم ابن سحمان، الذي بدأ يقول الشعر في عبد العزيز منذ عام 1320هـ ، وتبعه ابن عثيمين الذي قال أول قصائده فيه عام 1331 بعد ضم الأحساء ، ثم ابن بليهد الذي قال أول قصيدة له في عام 1337هـ .

وتنطلق المرحلة الثانية من ضم مكة المكرمة عام 1343هـ ، فرأى فيها ابن عثيمين عهد جديداً لم يطرقه من قبل ذلك دخول موضوع أمن الحج ، فيدعو المسلمين للعمرة والحج لسائر الحضر والبدو ، بل تجاوز ذلك إلى الدول الإسلامية :

 

فتح به فتحت للدين أعينه فناد في الناس أعلى صوت مرتفع الآن حجوا بني الإسلام جامعة فدعوة يا بني الإسلام جامعة خذوا بحظكم من فرصة سنحــت

 

وقبله قد شكا من علة الرمد غرباً وشرقاً وفي البادي وفي البلد قد بدل الله ذاك البؤس بالرغد هند ومصر ومن أصقاع ذي العمد في آخر الدهر لم تخطر على خلـد([16])

والتاريخ يذكر أن شريف مكة منع أنصار عبد العزيز من الحج لمدة ثلاث سنوات ؛ لذلك انطلق الشاعر يلهج بفتح سُبل الحج الذي سبق وأن أوغر أهل الدعوة السلفية على ملك الحجاز.

والناس حين استشعروا العدل ، والحكم بالشرع فإنهم يستجيبون ، وقد رأى الناس ما لاقى أهل مكة المكرمة من الأمن ، ولم يحصل لهم نهب ولا تعذيب، وكذلك جدة بعد استسلامها مما جعل الناس ينقادون في المدن الأخرى كينبع والمدينة المنورة :

 

نظروا صنيعك في المدينة والتي كي يشهدوا أن الفضائل قسمت ويسرَّهم إحياؤك الشرع الذي

 

يهوي إليها كل أشعث أغبر بالفضل بين مقدَّم ومؤخر قد كان قبلك مثل روح مغرغر([17])

وما زالت حكاية الأمن في سنيه الأولى بعد ضم الحجاز تدور بشأن الأمن الفردي داخل المدن والقرى ، لكن اتضحت معالجته لمن هو داخل المدن ، بل حدد الشاعر المكان بالحجاز :

ظفر الحجاز من الزمان بغبطة أمنوا على أموالهم ودمائهم ولطال مـا أُخِذ الفتى من بيتــه

 

بعد النبي وصحبه لم تُخبر من بعد ما كانوا الأوّل مجتري واليـوم يمسي مصحراً لم يحذر([18])

فأمن أهل المدن على دمائهم وأموالهم وأعراضهم ، ولم يحدث سطو على المنازل والدور لقوة الأخذ بالشرع ، وسرعة تنفيذ الأحكام ، فالقاضي ينظر في القضية ويعقبها مباشراً تنفيذ الحكم كقتل قاطع الطريق ، أو قتل القصاص ، أو السرقة ، وقد حدثنا متقدمو السن بهذه مما أوجدت رعباً مخيفاً عند العابثين بالأمن .

وابن بليهد يحكي حكاية الأمن في قصيدته اللامية عام 1343هـ بعد ضم مكة المكرمة فإن الحرم آمن ، ويأنس بالأمن فيه كل إنسان ، ولا يتعرض لظلم ولا نهب ، فالحاج والمعتمر والمستوطن في طمأنينة وأمن ، فهو يشير إلى عبد العزيز وجنده :

 

يحمون جانبه من كل حادثة ولا يرى فيه مظلوم وليس به حتى يبيت أميناً قلب قاصده يحميه إن شاء رب الناس طائفـة

 

ولا يراع به حاف ولا نعال بحول ربك مقتول وقتال ويستقر له بالأمن أطلال هم الملوك وفيهم ينعـم البـال([19])

ونحن نلحظ أن السياق يدل على أن الشاعر يأمل ذلك ثقة في قوة الدولة لكنه يتحقق بعد ، فهو قد عبر بالفعل المضارع يحمون ، ولا يرى ، ويستقر ، ويحميه .

ولما مضى موسم حج عام 1343هـ ، ولم يحدث فيه شغب ولا قتال ولا نهب ولا تعارض مع أن الحرب ما زالت قائمة، وجدة لم تستسلم بعد ، فأخذ ابن بليهد يفخر بهذا الحج الآمن :

اسألوا من أدى المناسك عنا نحمد الله أصبح البيت حراً أصبح البيت في أرومـة مجد

 

يخبروكم عما رأوا حين آبوا طاب للوافدين منه جناب فبذا تسهل الأمـــور الصعاب([20])

والشعراء تحدثوا عن الأمن الحربي الذي يصحب القتال ، فإن العفو يعقب ضم البلاد كي يعود المجرم عن إجرامه :

 

وباشـــــرها بالعفو عن كـل مجـرم

 

وجـــــاد عليهـــا بالنــــــوال وديم

بل هو يسترضي الناس بالعطايا فضلاً عن العفو الذي يؤلف بين القلوب كي لا يكون هناك نقيصة على أحد ، فهو يقول عن الأمير محمد بن عبد العزيز الذي يأتمر بأمر أبيه :

 

فهذا أوان الشكر والعفو عنهم ذلك فعــــل مـــــن أبيـــــــه يسنــه

 

فلا نقصوا مالاً ولا نقصوا دما وقــد كان هذا الفعل فيهم مقدمـا([21])

ويتسع مفهوم الأمن بعد استسلام جدة في عام 1344هـ ، فهو يشمل الحرم المكي ومن يقطنه ومن يفد إليه ، ويزيد على ذلك بإطفاء الفتن الهوجاء في سائر الحجاز وسبله الموصلة إلى الحج .

 

به أمن البيت الحرام ومن أتى ويسكن هذا الثغر من كل حادث سل الناس تنبيك الرواة بما ترى وهو يؤرخ لهذه الحالة :

ثـــــلاث مئين فوقــهــــا ألف حجــــــــــة

 

إليه أميناً ولم ترعه الروائع كما سكنت عن جانبه ال