المقدمـــة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين،
نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فإن المملكة العربية السعودية قد أضحت
محط الأنظار المتفكرة، والعقول المتدبرة، فيما وصلت إليه من أمن وأمان، ورغد عيش
ونهضة حضارية في شتى المجالات ومختلف الميادين.
وليس في الأمــر عجب، فهــي مســألة بدهية،
وأمر حتمي، نتيجة حرص حكومة هذا البلد – وفقها الله – على الالتزام بأصول الشريعة
وقواعدها وتطبيقها في شتى المجالات.
ومن المسلمات أن التلازم حتمي بين
تطبيق الشريعة وتحقيق الأمن، تشهد لهذا حقب التاريخ ومقرراته.
إذا الإيمان ضاع فلا أمان ولا
دنيا لمن لم يحيِ دينا
وفي هذا البحث الموجز إشارة سريعة إلى
منهج ونموذج ونتيجة.
أما المنهج فمنهج تطبيق الحدود الشرعية
خاصة بعد تطبيق أحكام الشريعة عامة.
وأما النموذج فالمملكة العربية
السعودية التي قامت على هذا المنهج والتزمت به، وما تزال بحمد الله وفضله.
وأما النتيجة فما تنعم به هذه البلاد
من أمن ورخاء ورغد، واستقرار في شؤونها العامة والخاصة.
أدام الله هذه النعمـــة، وسدد الخطى،
ووفق العاملين المخلصين في هذا البلد خاصـــــة، وفي جميع بـــلاد المسلمين عامة،
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الأمن مطلب وضرورة:
وذلك أن تحقيق الحياة السعيدة، لا يتم
في مجتمع مضطرب، أو بيئة قلقة، والعمل لا يتم، والحضارة لا تزدهر، والمجتمعات لا
ترتقي، والرخاء لا يسود إلا بمطلب لا بد منه هو الأمن والأمان.
وحاجة الناس إلى الأمن ضرورية، لا تقل
عن حاجتهم إلى الماء والطعام كيف لا ؟ وقد قرن الله الإطعام والأمن معاً ، فقال
سبحانه: { فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ
، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ } ([1]) .
وتظهر مكانة الأمن وأثره في استقرار
المجتمعات ورقيها في دعوة إبراهيم –عليه السلام – {
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً
}([2])،
وجعله الله – تعالى – بلداً آمناً : {
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً }([3])
وامتنّ –سبحانه –على عباده بهذا الأمن : { أَوَلَمْ
نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ }([4]) .
كما امتنّ على أمم سابقة بالأمن : { وَضَرَبَ
اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً }([5]) ،
{سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّاماً
آمِنِينَ }([6]) { وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ }([7]) ،
{ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً
لِلنَّاسِ وَأَمْناً }([8]) .
حتى أهل الجنة وهم في الجنة بحاجة إلى الأمن : {
يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ }([9]) ،
آمنين من الموت ومن انقطاع النعيم ومن كل أذى.
فالأمن إذن مطلب ضروري، ودونه لا يهنأ إنسان بحياة، ولا يسكن قلب في
صدر، ولا يهنأ طاعم بطعام، ولا عين بمنام، ولا شعب برخاء، ولا دولة باستقرار.
والأمن في الإيمان لفظاً ومعنى من
ابتغاه في غيره ضل وتاه، ولم يتحقق له مراده، ولم يحصل على مبتغاه قال – تعالى–: { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ
أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ
}.([10])
أدرك ذلك الحكماء وعرفه العارفون،
فجعلوا الإيمان سكناً، ورسموه منهجاً، واتخذوه سبيلاً.
وكانت نشأة المملكة العربية السعودية
–بحمد الله وفضله –في جذورها العميقة راسخة في هذا المنهج وسائرة على هذا الدرب،
وملتزمة بهذا السبيل ، وذلك حينما تم التلاحم والتلاقي والترابط والتلازم بين
الإمامين محمد بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب، رحمهما الله وأسكنهما فسيح جناته.
تأسيس المملكة:
عقد ابن خلدون في مقدمته فصلاً في أن
الدول، العامة الاستيلاء، العظيمة الملك، أصلها الدين إماّ من نبوة، أو دعوة حق ،
ثم علل ذلك بقوله: "وذلك لأن الملك إنما يحصل بالتغلُّب، والتغلُّب إنما يكون
بالعصبية واتفاق الأهواء على المطالبة، وجمعُ القلوب وتأليفُها إنما يكون بمعونة
من الله في إقامة دينه، قال تعالى: {
لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ }([11]) ،
وسِرُّهُ أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل، والميل إلى الدنيا حصل التنافس
وفشا الخلاف، وإذا انصرفت إلى الحق ورفضت الدنيا والباطل وأقبلت على الله اتحدت وجهتها
، فذهب التنافس، وقَلَّ الخلاف ، وحسن التعاون والتعاضد، واتسع نطاق الكلمة لذلك ،
فعظمت الدولة".([12])
وعقد فصلاً آخر في أن الدعوة الدينية
تزيد الدولة في أصلها قوة على العصبية التي كانت لها من عددها([13])
وعقد فصلاً في "أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية
أو أثر عظيم من الدين على الجملة".([14])
قلت : ونجد مصداق ما قرره ابن خلدون في
اتفاق الدرعية الذي تم بين الإمام محمد ابن سعود –رحمه الله تعالى– والشيخ محمد بن
عبد الوهاب –رحمه الله تعالى– سنة 1157هـ، وهو الأساس الذي قام عليه بناء الدولة
السعودية حتى الآن والحمد لله.
ويظهر ذلك جلياً في الحوار التاريخي
بين الإمام والشيخ في أول لقاء بينهما ؛ حيث قال الإمام محمد بن سعود –رحمه الله
تعالى–: أبشر ببلاد خير من بلادك. وأبشر بالعز والمنعة، فقال الشيخ: وأنا أبشرك
بالعز والتمكين، وهذه كلمة (لا إله إلا الله) من تمسك بها وعمل بها ونصرها
ملك بها البلاد والعباد، وهي كلمة التوحيد، وأول ما دعت إليه الرسل من أولهم إلى
آخرهم.([15])
قال ابن بشر –رحمه الله تعالى–:
"ثم إن محمداً بسط يده وبايع الشيخ على دين الله ورسوله والجهاد في سبيل
الله، وإقامة شرائع الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"([16]) .
وعلى هذا الأساس قامت هذه الدولة
فنصرها الله نصراً مؤزّراً، وكتب لها التمكين في الأرض، وما زالت ولن تزال –بإذن
الله –على ما كانت عليه.
وقد تحدث عن هذا الأمر وفصله خادم
الحرمين الشريفين في خطابه التاريخي بمناسبة صدور النظام الأساسي للحكم ، ونظام
مجلس الشورى ، ونظام المناطق ؛ حيث قال: "…فقد
سعد المسلمون بشريعة الإسلام حين حكموها في حياتهم وشؤونهم جميعاً، وفي التاريخ
الحديث قامت الدولة السعودية الأولى منذ أكثر من قرنين ونصف على الإسلام، حينما
تعاهد على ذلك رجلان صالحان مصلحان هما الإمام محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد
الوهاب رحمهما الله.
قامت هذه الدولة على منهاج واضح في
السياسة والحكم والدعوة والاجتماع، هذا المنهاج هو الإسلام عقيدة وشريعة.
وبقيام هذه الدولة الصالحة سعد الناس
في هذه البلاد، حيث توافر لهم الأمن المكين، واجتماع الكلمة فعاشوا إخوة متحابين
متعاونين بعد طول خوف وفرقة.
ولأن أحكام العقيدة والشريعة هي الأصول
الكلية التي نهضت عليها هذه الدولة، فإن تطبيق هذه الأصول يتمثل في التزام المنهج
الإسلامي الصحيح في العقيدة والفقه والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي
القضاء، وفي العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
وبذلك كانت الدولة السعودية نموذجاً
متميزاً، في السياسة والحكم في التاريخ السياسي الحديث.
وقد استمر الأخذ بهذا المنهج في
المراحل التالية جميعاً، حيث ثبت الحكام المتعاقبون على شريعة الإسلام، وذلك فضل
الله يؤتيه من يشاء"([17]) .
مكانة المملكة ونظامها:
لا شك أن المملكة العربية السعودية – بحمد الله وفضله – تعد مثالاً
متميزاً في السياســــة والحكــــم في التاريـــخ السياسي الحديث، كما قـــــال
خادم الحرمين الشريفين آنفـــاً.
وهي لم تأخذ هذه المكانة، وتحتل هذا
المنصب بين يوم وليلة بل نتيجة التزام طويل وعمل دائب، دام أكثر من قرنين ونصف في
تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، منذ نشأتها في عهد محمد بن سعود –رحمه الله تعالى–
إلى يومنا هذا وما بعده بإذن الله.
يظهر هذا الأثر حين نقرأ وصف أحوال
الدرعية قبل اتفاقيتها المشهورة ، ثم حالها بعد ذلك. وقد بين ذلك مؤرخ نجد المشهور
ابن بشر –رحمه الله تعالى– الذي قال: "ولما هاجر من هاجر إلى الدرعية
واستوطنوها كانوا في أضيق عيش وأشد حاجة، وابتلوا بلاء شديداً، فكانوا في الليل
يأخذون الأجرة ويحترفون، وفي النهار يجلسون عند الشيخ في درس الحديث والمذاكرة،
وأهل الدرعية يومئذ في غاية الضعف وضيق المؤنة".([18])
وقال في موضع آخر : "ثم إن هذا
الدين الذي منَّ الله به آخر هذا الزمان على أهل نجد بعد ما كثر فيهم الجهل
والضلال والظلم والجور والقتال، فجمعهم الله تعالى به بعد الفرقة، وأعزهم بعد
الذلة، وأغناهم بعد العيلة، وجعلهم إخواناً، فأمنت به السبل، وحيت به السنن، وماتت
البدع، واستنار التوحيد بعد ما خفي ودرس، وزال الشرك بعد ما رسا في البلاد وغرس،
وطفئت نيران الظلم والفتن، ورفعت مواد الفساد والمحن، ونشرت راية الجهاد على أهل
الجور والعناد، وكان مظهر ذلك من يقول للشيء كن فيكون : {
وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ
يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ}([19])، وذلك بسبب
من عمت بركة علمه العباد، وشيَّد منار الشريعة في البلاد، قدوة الموحدين، وبقية
المجتهدين، وناصر سنة سيد المرسلين، شيخ مشايخنا المتقدمين، الشيخ الأجل، والكهف
الأظل (محمد بن عبد الوهاب) أحله الله تعالى فسيح جنانه، وتغمده برحمته ورضوانه،
فآواه من جعل عز الإسلام على يديه، وجاد بنفسه وما لديه، ولم يخشَ لومة اللائمين،
ولا كيد الأعداء المحاربين، (محمد بن سعود) وبنوه، ومن ساعدهم على ذلك، وذووه، خلد
الله ملكهم مدى الزمان، وأبقاه في صالح عقبهم ما بقي الثقلان فشمر في نصرة الإسلام
بالجهاد، وبذل الجد والاجتهاد".([20])
ثم بين حال الدرعية بعد قيام الدولة
وتطبيق الشريعة وما عَمَّ من الرخاء، وانتشر من الأمن فقال: "ولقد رأيت
الدرعية بعد ذلك في زمن سعود – رحمه الله تعالى–
وما فيه أهلها من الأموال وكثرة الرجال، والسلاح المحلى بالذهب والفضة،
الذي لا يوجد مثله، والخيل الجياد، والنجائب العمانيات، والملابس الفاخرة، وغير
ذلك من الرفاهيات ما يعجز عن عَدِّه اللسان، ويكل عن حصره الجنان، والبنان، ولقد
نظرت إلى موسمها يوماً في مكان مرتفع، وهو في الموضع المعروف (بالباطن) بين
منازلها الغربية التي فيها آل سعود المعروفة بالطريف، ومنازلها الشرقية المعروفة
بالبجيري التي فيها أبناء الشيخ، ورأيت موسم الرجال في جانب، وموسم النساء في
جانب، وموسم اللحم في جانب، وما بين ذلك من الذهب والفضة والسلاح والإبل والأغنام
والبيع والشراء والأخذ والإعطاء، وغير ذلك وهو مدُّ البصر ولا تسمع به إلا كدوي
النحل من الحراج وقول: بعت وشريت، والدكاكين على جانبيه الشرقي والغربي وفيها من
الهدوم والسلاح والقماش ما لا يعرف ولا يوصف ، فسبحان من لا يزول ملكه".([21])
هذا من حيث الرخاء أما الأمن وتطبيق الشريعة فقد أفاض المؤرخون في بيان
ذلك ، وذكروا أن آل سعود كانوا إذا تولوا بلداً كبيراً جعلوا فيه قاضياً ومفتياً،
كما كانوا يجعلون في الطريق محتسباً، يتفقد أحوال الناس، وما هم فيه من المعاملات الدنيوية
كالبيع والشراء، كأن ينقصوا المكيال والميزان، أو يفسد بعضهم بتعدٍّ على أحد، أو
تعدل القضاة أو الحكام عن إقامة حدود الله بأخذ رشوة.
أما شأنهم مع البادية فكانوا يقرون
أمراءها القدماء فيها، ولا يعزلونهم وينصبون غيرهم، إلا إذا تمرد أحدهم، فإنهم
يعزلونه ، ويجعلون أخاه أو ابن عمه مقامه، وكانوا يجعلون في كل قبيلة قاضياً أو
مفتياً وإماماً للصلاة، يقيمون لهم الصلاة جماعة، ويبينون لهم حدود الله وأحكامه.
ثم إنهم منعوا الأعراب من أخذ (الخوّة)
على الحاج، فقد كان البدو الأقوياء يأخذون على الحاج مالاً، لا فرق في ذلك بين
العرب والعجم، فلما استقر الحكم لآل سعود منعوا جميع العرب الذين هم تحت سلطانهم
من الأعراب وغيرهم من التعرض للحاج، فعلى هذا كان الحاج يمر بجميع جزيرة العرب لا
يتعرض له أحد.
وكان لهم حكم قاهر، فلم يجرؤ أحد من
البدو أو الحضر أن يسرق شيئاً ولو عقال بعير، وقد أجروا هذه السياسة على جميع من
في مملكتهم، بحيث كانت المرأة تحمل حليها ، وتمضي وحدها مسافة مرحلة مثلاً أو أكثر
إن شاءت ليلاً أونهاراً ، ولا يتعرض لها أحد قط.
وبالجملة تبدلت الحال في نجد من الفوضى
إلى النظام، ومن الخوف إلى الأمن والاطمئنان، ومن الفرقة إلى الاجتماع، واجتمعت
كلمة الأمة، وتوحدت القلوب".([22])
وما زالت هذه حال البلاد ما طبقت
الشريعة وأقيمت الحدود، فإن تغلب على البلاد من لم يأخذ بها عادت الفوضى والسلب
والنهب، وقل الأمن، واضطربت البلاد، وما زال الأمر متقلباً بين هذا وذاك إلى أن
استرد الملك عبد العزيز بن عبدالرحمن آل سعود الحكم، واسترد الرياض سنة 1319هـ ،
وأقام الدولة، وأعلن تطبيق الشريعة، وأقام الحدود، ونفذ الأحكام وانتشر الأمن وعم
السلام.
ولم يزل الملك عبد العزيز –رحمه الله تعالى– يعلن في كل محفل منهجه، ويشرح دعوته، ويعلن
التزامه بالكتاب والسنة، ويحذر من مخالفة أحكام الشريعة، لا يخلو من هذه الأمور
خطبة من خطبه أو حديث من أحاديثه، ومن أراد اليقين فدونه كتاب (المصحف والسيف)
الذي جمع خطب الملك عبدالعزيز وأحاديثه ورسائله ، وسيجد أنها كلها بلا استثناء على
هذا النحو.
خطب مرة في الطائف فقال: "أما نحن
فلا عزَّ لنا إلا بالإسلام، ولا سلاح لنا إلا التمسك به، وإذا حافظنا عليه حافظنا
على عزنا وسلاحنا، وإذا أضعناه ضيعنا أنفسنا وبؤنا بغضب من الله، وإن الذي أريده وأطلبه
منكم هو ما ذكرته لكم من التمسك بدين الله، وهذه طريقتي التي أسير عليها ، والتي
لا يمكن أن أحيد عنها مهما تكلفت، وإني أحب أن أردد عليكم هذا لاعتقادي أنه كالمطر
إذا تكرر نزوله على الأرض أنبتت وأثمر نباتها"([23]) . وقال في
الخطاب نفسه : "وإني أرى كثيراً من الناس ينقمون على ابن سعود، والحقيقة ما
نقموا علينا إلا لاتباعنا كتاب الله وسنة رسوله، ومنهم من عاب علينا التمسك بالدين
وعدم الأخذ بالأعمال العصرية، فأما الدين فوالله لا أغير شيئاً مما أنزل الله على
لسان رسوله e ، ولا أتبع إلا ما جاء به، وليغضب علينا من شاء وأراد، وأما
الأمور العصرية التي تعيننا وتفيدنا ويبيحها دين الإسلام، فنحن نأخذها ونعمل بها،
ونسعى في تعميمها، أما المنافي منها للإسلام فإننا ننبذه ، ونسعى جهدنا في
مقاومته؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا مدنية أفضل وأحسن من مدنية
الإسلام، ولا عز لنا إلا بالتمسك به".([24])
وكان –رحمه الله تعالى– ليِّناً من غير
ضعف، ما لم تنتهك حرمة من حرمات الله، فصلب وحادٌّ، فهاهو ذا يعلن أمام ملأ من
المواطنين: "إن الذي دعاني لجمعكم في هذا المكان هو النصح لكم، حتى لا يغتر
السفيه بالحلم، ولا يسترسل في غوايته، وأحذركم من أمرين:
الأول: الإلحاد في الدين، والخروج عن الإسلام في هذه
البلاد المقدسة، فوالله لا أتساهل في هذا الأمر أبداً، ومن رأيت منه زيغاً عن
العقيدة الإسلامية فليس له من الجزاء إلا أشده، ومن العقوبة إلا أعظمها.
الثاني: السفهاء الذين يسول لهم الشيطان بعض الأمور
المخلة بأمن البلاد وراحتها، فهؤلاء شأني معهم شأن الديناميت مع النار".([25])
وقد وصف –رحمه الله تعالى– الأمن في
هذه البلاد قبل توليه الحكم وبعد توليه الحكم وتطبيقه للحدود فقال: "لقد حكمت
هذه البلاد حكومات قوية ذات طول وحول قبلنا، ولكنها لم تقدر على تأمين الطرق بين
مكة وجدة فضلاً عن بقية الأماكن والطرقات([26]) . أما اليوم
فإن الأمن سائد في طول البلاد وعرضها، قد لمستموه بأيديكم، وشاهدتموه بأعينكم ،
وهذا من فضل ربي".([27])
كان هذا نهج الملك عبد العزيز – رحمه
الله تعالى– فاستتب به الأمر، وأمنت به الطرق، وعمَّ به الخير، وانتشر به الرخاء،
وسعد به المسلمون، وقامت عليه الدولة.
وسلك أبناؤه من بعده هذا المنهج، فكان
أبناؤه من بعده سعود وفيصل وخالد وفهد يعلنون ذلك في كل محفل، ويطبقون الشريعة،
ويلتزمون بأحكام الدين، وينفذون الحدود بلا هوادة، ويقيمونها بصرامة، لا يأبهون
بنقد الحاقدين، ولا دعاة الحضارة الزائفة، ولا المنظمات المريبة ؛ لأنهم يدركون أن
هذه الأحكام ربانية لا مساومة في تطبيقها، ولا مجال لمناقشتها أو تفضيل المذاهب
البشرية عليها.
وتزداد قناعتهم حين ينظرون وينظر
المسلمون معهم إلى نتيجة هذا الالتزام، وعاقبة هذا الحزم من انتشار للأمن في هذه
البلاد، وحين يلتفتون يمنة ويسرة، فيرون الخاضعين الخانعين لهذه الدعوات الزائفة،
والمنظمات المريبة، وما جنت عليهم أحكامهم وأنظمتهم من قوة للمجرمين وضعف
للمسالمين، واضطرب للأمن، وانتشار للجريمة.
فهذا الملك سعود بن عبد العزيز –رحمه
الله تعالى– يقول: "لا يمكن لنا بأي حال من الأحوال أن نستبدل دين الإسلام
بأديان أخرى، وأن نستبدل الشريعة الإسلامية بمذاهب وشرائع وقوانين ما أنزل الله
بها من سلطان مهما كانت الأسباب والمسببات".
وقال الملك فيصل –رحمه الله تعالى–:
"إننا حين ندعو إلى التمسك بكتاب الله وسنة رسوله e فإنما ندعو أنفسنا إلى سلوك السبيل
الذي نأمل به خير الدنيا والآخرة" . ويقول: "إننا في هذا البلد الشريف
قد عاهدنا الله على أنفسنا بأن نكون – بحول الله وقوته – خداماً لشريعة الله،
داعين إلى الله متعاونين مع كل إخواننا المسلمين في أقطار الأرض لما فيه نصرة هذا
الدين، وتحكيم شرع الله، وخدمة شعوبنا ، بل وفي نشر العدالة في العالم أجمع".
وقال الملك خالد –رحمه الله تعالى–:
"إن تطبيق الشريعة الإسلامية لهو من أول الواجبات التي يجب علينا وعليكم تطبيقها،
والتمسك بعراها في كل شؤون حياتنا فهي فيها النجاح والفلاح لنا ولكم وللإسلام
وللمسلمين".([28])
وسار خادم الحرمين الشريفين الملك فهد
بن عبد العزيز على المنهج نفسه، وأكد ذلك مراراً ومن ذلك قوله : "نحن في هذه
البلاد نفتخر ونعتز أننا متمسكون بعقيدتنا الإسلامية ، وسوف ندافع عنها بالنفس
والنفيس، وسوف نجعلها هي القدوة سواء كان في تشريعاتنا أو تنظيماتنا في مختلف
حاجاتنا للتنظيم أو في حياتنا اليومية أو الأسبوعية أو الشهرية أو السنوية".([29])
وقال : "إن الإنسانية اليوم تعيش
في عصر مادي مظلم، يتنكر للدين ومبادئه، ويسخر من القيم الروحية والفضائل الخلقية،
عصر مليء بالشبه الإلحادية، تسوده الشحناء والبغضاء، والإسلام وهو دين الله الجامع
لأصول شرائع الأنبياء والمرسلين أقدر النظم التشريعية على تقديم العلاج الإصلاحي
لأمراض العالم وأسقام الإنسانية".([30])
وقال أيضاً بعد ما تحدث عن ما تنعم به
المملكة من نعم كثيرة "…والفضل في هذا
كله إنما يعود إلى تمسكنا بتعاليم ديننا الحنيف، وحرصنا على اتباع ما أمر الله به،
واجتناب ما نهى الله عنه، وهذا هو سر أمننا ومبعث رخاء معيشتنا".([31])
ونصوص قادة هذه البلاد وعباراتهم من
تأسيسها إلى يومنا هذا أكثر من أن تحصى، تعلن أن هذا الأمن وهذا الرخاء الذي نعيشه
في بلادنا إنما هو نتيجة حتمية لتطبيق الشريعة وتنفيذ الحدود.
ويؤكدون في كل حين إصرارهم على التزام
هذا المنهج، وحزمهم في ذلك بلا هوادة مهما تكلم الأعداء ، وشكك المتربصون.
ولعلي في هذه العجالة أذكر سريعاً
بالحدود وتنفيذها ، وأشير إشارة سريعة إلى آثار ذلك في رخاء البلاد ، وانتشار
الأمن.
الحدود الشرعية:
شرع الإسلام وسائل كثيرة للحد من
الجريمة وعلاج الانحراف، لم تصل إليها كل الشرائع، فلم يقف عند حَدِّ التربية
الأولية، بل بدأ العلاج في وقت مبكر، باختيار الزوجة الصالحة، والأسرة الصالحة،
وفي الحديث:"فاظفر بذات الدين تربت يداك"([32]). وهكذا في
الحمل وبعد الولادة، تعاهده التشريع ، وأبعد عنه كل دواعي الانحراف. فإذا وقع منه
بعد ذلك فقد تجاوز الأمر التوجيه إلى الردع والزجر له ولغيره فشرع الحدود.
والحدود لغة: جمع حَدّ، وهو المنع.
وأصل الحد الحاجز بين الشيئين لئلا يختلط أحدهما بالآخر، أو لئلا يتعدّى أحدهما
على الآخر، وحدود الله محارمه ؛ لأنها ممنوعة قال تعالى: {
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا }([33])،
وحدود الله أيضاً أحكامه ؛ لأنها تمنع عن التخطي إلى ما وراءها.
والحد شرعاً: عقوبة مقدرة
شرعاً تجب حقاً لله تعالى. وكونها حقاً لله –تعالى– يعني أنها لا تحتمل العفو
والصلح والإبراء بعد ثبوتها، لا من ولي الأمر ولا من القاضي، ويخرج بهذا التعزير
والقصاص. ومعنى "مقدرة " أن الشارع عين نوعها، وحد مقدارها بنص شرعي فلا
يغير ولا يبدل.
والحدود خمسة أنواع: حد الزنا، وحد
القذف، وحد السرقة، وحد الحرابة، وحد الردة.
ونحن هنا نؤكد على الحدود وأهمية
تطبيقها، ولا يدخل في هذا على أهميته أيضاً تطبيق العقوبات الأخرى كالقصاص مثلاً؛
لأن المعارضة فيه أقل وأضعف من المعارضة في الحدود، ولذلك نرى كثيراً من القوانين
قد أخذت به مبدئياً([34])،
أما الحدود فهي التي يعارضها الغرب وتلامذته، وهي التي لا تكاد تطبق إلا في هذه
البلاد – أعزها الله – كرجم الزاني ، وجلد القاذف ، وقطع السارق ، وقتل قطاع الطرق
والمرتد، وهذا فارق أساس بين الحدود والعقوبات الأخرى.
وما تحقق من أمن في هذه البلاد – بحمد
الله وفضله– كان نتيجة تطبيق النوعين معاً.
وسأعرض في هذا البحث لأثر تطبيق كل حد
من هذه الحدود الخمسة مع الحرص على أن لا أزج في البحث بالأحكام الفقهية ومسائلها
التي لا يتسع لها المقام ولا يقصدها البحث.
حد الردة:
والمراد بهذا الحد قتل المرتد عن الإسلام.
وسأجيب هنا عن سؤالين:
الأول: لماذا يقتل المرتد؟!
والثاني: ألا يعارض قتل المرتد قوله
تعالى: { لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } ؟
أما لماذا يقتل المرتد؟
فهناك أسباب، وسأحرص عند ذكر بعضها على ربطها بالأعراف السياسية والاجتماعية
المألوفة؛ لقربها من الذهن وليتضح المراد.
فمن ذلك أن المرتد خائن. ونحن نعرف أن
الدول تحمي أنظمتها وقوانينها ودساتيرها ما استطاعت، وإذا ظهر للحاكم أن هناك من
يهدد النظام، ويخالف الدساتير، وكثيراً ما يحصل هذا، فإنه يتهم بالخيانة العظمى
للبلاد، وهي تهمة عقوبتها في كثير من البلدان الإعدام. فإذا كان من يخون النظام
الوضعي يتهم بالخيانة العظمى ويعدم، أفلا يحق إعدام من يخون النظام الإلهي؟!
ولنفرض أن شخصاً تقدم إلى دولة يطلب
منحه جنسيتها، فتم منحه الجنسية، ولبث مدة يتقلب في هذا البلد آمناً مطمئناً، ثم
انقلب، وأصبح يذم البلد وأهله بغير حق في المجامع والمحافل. ألا يعد هذا جريمة
وخيانة يستحق عليها الإعدام؟
ومن ذلك –أيضاً– أن المسلم يشهد أن لا
إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وهي شهادة إقرار على التسليم بكل أحكام
الإسلام، وهو يعلم حين يقر بالشهادة أن من أحكام هذا الدين قتله إن ارتد فقبل
وأذعن مختاراً فقتله بعد الردة تنفيذ لبند من بنود العقد، وكثيراً ما نرى في
العقود التي تنظم بين الأفراد أو المؤسسات أو الشركات أو الحكومات عقوبات جزائية
عند انسحاب أحد الطرفين، وينفذ هذا البند عند حدوث الانسحاب؛ لأنه دخل في هذا
العقد بطوعه واختياره، وكذلك ينفذ في الإسلام ؛ لأنه دخله بطوعه واختياره.
ومن ذلك أيضاً أن الردة سلاح خطير، إذا
استعمله الأعداء، فإن له أثره في زعزعة المسلمين، وتشكيك ضعاف الإيمان بدينهم،
وإحداث البلبلة بينهم، ومن خبث اليهود أنهم استعملوا هذا السلاح لتدمير الإسلام
وزلزلة المسلمين وإيقاعهم في الشك والارتياب في دينهم، فقد كان كبار اليهود يقولون
لصغارهم: تظاهروا بالإيمان في أول النهار واكفروا آخره، لكي يقول المسلمون: إن
رجوعهم عن الدين بعد ما دخلوا فيه دليل على عدم صحته، وعدم صلاحيته؛ لأنهم أهل
كتاب، ولهم سبق إلى دين السماء، ويتضح ذلك من قوله تعالى: { وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا
بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا
آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }([35])([36]) ، فكان قتل
المرتد علاجاً حاسماً لهذا المكر من الأعداء.
أما الاعتقاد بأن قتل المرتد يعارض
قوله تعالى: { لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } فغير صحيح ؛ لأن المرتد دخل في الدين باختياره وبلا إكراه،
فلزمه إمضاؤه، كما ذكرت في التشبيه السابق أنه كمن أمضى عقداً باختياره ووافق على
جميع بنوده، ومن ضمنها بند عقوبته حال انسحابه، لما يترتب على ذلك من ضرر على
شركائه في العقد.
أما ما يعرض له من شبهات فإن عليه أن
يسال أهل الذكر فيزيلوها عنه، وليس العيب أن يسأل عمّا أشكل عليه للعلم والمعرفة؛
لا لإثارة الشكوك. ولكن الجريمة أن يطوي هذه الشبهات في نفسه، ويرتد عن دينه، فليس
له عذر بعد هذا في الردة إلا العناد والاستكبار، وهما أصل الكفر.
ولذا وجب على ولي الأمر حماية المجتمع
من أمثال هؤلاء، فهم داء وبيل، يسعى لتمزيق وحدتهم، وتضارب آرائهم، وزعزعة
معتقداتهم.
حد الزنى :
يدعو الإسلام إلى كل ما من شأنه توثيق
أواصر القربى، وترابط المجتمع، وينبذ كل ما من شأنه تفكيك عرى المجتمع، ولا شك أن
الأسر هي لبنات المجتمع، وبتفككها تنهار المجتمعات.
والزنى أقوى الدواعي وأفتك الأمراض
لتشرد الأسر وتحللها، بل الانصراف عن بنائها.
يقول الشيخ محمد خاطر مفتي جمهورية مصر
العربية : "جريمة الزنى من الجرائم الخطيرة، بالنسبة للمجتمع، لما يترتب
عليها من شيوع الفاحشة بين الناس فلا يقبلون على الزواج الحلال، مكتفين بتلك
العلاقات الآثمة، وبذلك تنحل الأسرة، وبانحلالها تذهب أقوى رابطة في بناء المجتمع
الفاضل، ويضيع النسل، ويوجد الأولاد غير الشرعيين الذين لا يعرف لهم آباء تنحل بهم
روابط الجماعة، وتذهب وحدتها وقوتها، وإذا فشى الزنى في أمة فإن مآلها الانحلال،
وتناقص السكان، ووجود رجال فيهم عداوة للمجتمع يضيقون به، ويضيق بهم".([37])
ويقول الشيخ د/ عمر المترك – رحمه الله
– "الزنى جريمة شنيعة، وفاحشة قبيحة تقوض كيان المجتمع، وتهدم الأسر، وتقطع
العلاقة الزوجية، وتعرض المجتمعات للتحلل الخلقي، والتفكك الأسري، والتردي في بؤرة
الشر والفساد والدعارة والمجون، ويترتب على شيوعه عزوف الشباب عن الزواج الشرعي
مكتفين بهذه العلاقة البهيمية، ومن عرف آثاره السيئة ونتائجه الخبيثة من تدنيس
للعرض والشرف، واختلاط الأنساب وضياع الأولاد أدرك حكمة الله في تحريمه وتشديد
عقوبته".([38])
وإذا كانت هذه بعض آثار جريمة الزنى
فإن مرتكبها يستحق عقاباً مماثلاً لجريمته، فالجزاء من جنس العمل، فكانت عقوبة
الزاني المحصن هي الرجم وغير المحصن الجلد.
وقد أفاض العلماء في بيان علة التفريق
بين الزاني المحصن وغير المحصن، وقد يجزع أناس ويفزع آخرون من عقوبة الرجم للزاني
المحصن.
ولو أدرك هؤلاء أثر جريمة الزنى على
المجتمع لما جزعوا من غلظ العقاب، فإن العقوبة ليست متعلقة بمجرد الموت. فمجرد الموت
ربما لا يكفي للردع، بل لا بد من أن يذوق الألم ويتجرعه، وأن يعم العقاب سائر بدنه
كما عمته لذة الجماع المحرم، وأكثر الناس إذا فكروا بالموت فكروا بما يصاحبه من
عذاب وألم، وكلما كانت طريقة الموت أشد كانت أكثر ردعاً وزجراً ، فقتل أهل الحرابة
ليس مثل قتل الزاني، وقتلهما ليس مثل قتل القاتل في القصاص، وفي العقوبات بالقتل
لم يراع الشارع الحكيم اختيار الراحة للمقتول، كما اختارها للبهيمة (فليحد شفرته
وليرح بهيمته) ، فقتلها لا لذنب اجترحته، وإنما لأكل لحمها، فناسب بل أوجب
إراحتها، أما الجاني فقتله مقصود وإيلامه مطلوب، وإن كان إيلامه ليس لردعه هو،
وإنما لردع من تسول له نفسه مثل فعله، وهنا يظهر البعد التشريعي، والنظرة الحكيمة،
والاستثمار الأمثل للعقوبة الشرعية في ردع المفسدين، والمحافظة على بناء المجتمع
وسلامته، فضلاً عن الأسباب التي قررتها الشريعة الإسلامية لمنع وقوع جريمة الزنى
قبل الوقوع، والأسباب التي جعلتها لدرء الحد قبل إقامته، والشروط البالغة لتطبيق
الحد بعد وقوعها، فإذا تجاوز كل هذه الأسباب والموانع فقد استحق العقوبة بلا رأفة
ولا رحمة.
وقَلَّ أن يحـــدث مثل هذا ففي المملكة
العربيــــة السعودية، التي تطبــق هذه العقوبة – أعزها الله – قال الشيخ صالح بن
محمد اللحيدان : "ولا أذكر أنه حدثت حادثة رجم لزانية في المملكة، رغم توليتي
القضاء لمدة طويلة، أو أن أحداً رجم بشهادة الشهود، وإنما رجم عدد قليل بإقرارهم
على أنفسهم، وبأنهم فعلوا جريمة الزنى، ثم أصروا على هذا الإقرار، رغم تلميح
القاضي لهم بأسئلته إياهم وفق ما سأل الرسول e ماعزاً، فثبتوا على إقرارهم بفعل جريمة
الزنى إلى أن نفذ حكم الرجم فيهم".([39])
وليس هذا القول للتبرؤ من إقامة هذا
الحد، أو لعار في تطبيقه –حاشا هذه البلاد ذلك – ولكن لبيان أثر إقامة الحد في ردع
المجرمين، وتستر من يقدم على ذلك غاية التستر، ولا يكون هذا في بلد لا يقام فيه
الحد بل حدث منهم في قارعة الطريق لعدم وجود الرادع الزاجر.
حد القذف :
القذف هو الرمي بالفاحشة، كأن يقول شخص
لآخر: يا زاني أو نحو ذلك ، أو يتهمه بالزنا أو اللواط، والقذف كبيرة من الكبائر ،
وعقوبة القاذف ثمانون جلدة، وسقوط عدالة القاذف.
وذلك أن الرجل أو المرأة ركن من أركان
الأسرة، وفرد من أفراد المجتمع، وقذفه طعن في كرامته يؤلمه ألماً نفسيًّا يعطل
طاقته، ويصيبه بالشلل، ويكون معه منبوذاً، في مجتمعه، والقاذف بهذا حقق مراده في
إيذاء خصمه، وجاءت الشريعة الإسلامية بالعلاج الحاسم لهذا الأمر، حماية للأبرياء،
وردعاً للمعتدين، فشرعت العقوبة على القاذف ثمانين جلدة إن لم يثبت التهمة
بشروطها.
وفي هذا حماية لأعراض المسلمين، وسدًّا
لباب الفتنة، وإعادة لكرامة سلبت، وعرض انتهك، وحق اغتصب : { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي
الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ }([40]) .
وبهذا عومل القاذف بنقيض قصده، وفي هذا
ردع له ولأمثاله من لصوص الأعراض عن انتهاك حرمات المسلمين.
حد الحرابة:
قال تعالى: {
إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي
الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ
وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ }
الآية.([41])
قال ابن قدامة –رحمه الله تعالى–:
"المحاربون هم الذين يعرضون للقوم بالسلاح في الصحراء فيغصبونهم المال
مجاهرة"([42]) .
وبناء المجتمع يتطلب تنقل أفراده بين
البلدان والسعي للكسب، وللعلم وللدعوة والإصلاح والجهاد وغير ذلك، وقد حرص الإسلام
على تأمين السبل وقطع دابر المفسدين الذين يتربصون للمسافرين مستغلين انفرادهم في
الصحراء، وبعدهم عن مراكز السلطة، معتقدين أن في هذا البعد حماية لهم من العقاب،
وتعجيزاً للسلطة عن ملاحقتهم، فجاء العلاج حاسماً لهذا المكر والكيد، مُغَلَّظاً
لهذا المعنى، ليكون في هذا العقاب الشديد سدٌّ لهذه الثغرة، من أن يجد فيها اللصوص
بغيتهم، أو تحقيق مآربهم، وردع لمن تسول له نفسه أن يفعل مثل هذا الفعل، فليس بوسع
السلطان أن يضع في كل زاوية من يحمي الطريق، ويوفر الأمن، فكان في هذا الحد العلاج
الحاسم الحكيم.
حد السرقة :
شرع الإسلام كل ما يحفظ للمسلم حقوقه
البدنية والمالية والنفسية فجعل العقوبات الصارمة للمعتدين عليها.
ومال المسلم حق من حقوقه لا يجوز أخذه
بغير حق : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا
تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً
عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ
} ([43]) .
أما إذا كان أخذه عن طريق السرقة فالجزاء صارم :