مقدمــــــة:

البناء الإستراتيجي للتجربة السعودية :

بدأت التجربة السعودية الأولى في القرن الثامن عشر عندما تضامن الإمام محمد بن سعود مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب عام 1157هـ/ 1744م في الدرعية، فكان تضامناً بين القوة المادية والعمل الفكري .

لقد بدأت هذه التجربة وسط ظروف المعاناة الشاملة للعالم الإسلامي من الغزو الأوروبي الذي وظف أسلحة التدمير المادية والفكرية لاحتلال أطراف الأمة الإسلامية والعربية ، ومن ثم النفاذ إلى قلب الإسلام من خلال غزو نابليون لمصر ، كان السلاح المادي ممثلاً في الإعداد العسكري المتقدم ، كما كان السلاح الفكري واضحاً في عملية التغريب وفرض الحضارة الغربية لطمس الحضارة الإسلامية .

إن التجربة السعودية رغم يفاعتها  تمثل الصمود المتكامل أمام هذا الغزو ، فكانت هذه التجربة هي التصدي للاستعمار بنوعيه العسكري والثقافي ، وهي التي أوجدت للأمة رؤية فكرية جعلتها تحافظ على هويتها ، فبعثت فيها روح المواجهة أمام التغلغل الاستعماري ورفض الثقافات الغربية وغيرها من الثقافات الوافدة .

إن البناء الإستراتيجي للكيانات السياسية إذا لم يعتمد على مبادئ فكرية سوف يسقط أمام الانتصار المادي، ويتبدد كما تتبدد الغيوم .

لكن القيم الفكرية هي التي تظل حية نابضة رغم الهزيمة العسكرية والسقوط المادي ، فالقوة هي التي تعطي التجديد والبعث المتلاحق .

إن القيادة السياسية والعسكرية المتفوقة تقنياً لدى محمد علي باشا استطاعت أن تسجل انتصاراً عسكرياً على التجربة السعودية الأولى ، فتقتلها عسكرياً وسياسياً بفعل التفوق المادي والتقني ، لكنها لم تفككها فكرياً ، فبعثت من جديد .

أما تجربة محمد علي باشا نفسها  فلم تتمكن من الصمود أكثر من اثني عشر عقداً من الزمان ، فانتهت بثورة 23 يوليو لعام 1952م الموافق 2/11/1371هـ؛ لأن تجربة محمد علي لم تؤسس على منهج فكري متكامل ، بل اعتمدت على الأغراض السياسية والقدرات العسكرية .

أما التجربة السعودية الأولى فعلى الرغم من هزيمتها عسكرياً أمام ضربات محمد علي باشا القاتلة بقوة السلاح والمعدات ، إلا أن التجربة السعودية استطاعت أن تصمد فكرياً ، فبعثت من جديد ، لقد بعث الله – عز وجل – التجربة السعودية من جديد على يد الملك عبد العزيز طيب الله ثراه ؛ لأن المنهج الفكري ظل صامداً لم يهزم أمام قوات محمد علي باشا .

لقد استطاعت التجربة الصهيونية أن تحقق انتصاراً عسكرياً في فلسطين ، وأن تتخذ لها وجوداً سياسياً في الأراضي العربية ، لكن إسرائيل لن تتمكن من الصمود ولا البقاء ؛ لأنها لا تعتمد على منهج فكري قادر على إحلال الهزيمة بالعرب على المدى الطويل ؛ لأن الصهيونية في حد ذاتها ليست عملاً فكرياً ، بل هي أثر استعماري وتوجه عنصري ، والتوجه العنصري يتعارض مع الفكر الصحيح .

إن شرعية التجربة السعودية في الحكم قامت على مبدأ أهل الشوكة ؛ فإذا كان الحكم في الإسلام يقوم إما على التعيين أو الاختيار ، فإن أهل الشوكة هي الفئة التي تقطع على نفسها عهداً على القضاء على الفساد في الأمة وتحقيق الأمن وتنفيذ شرع الله، فإذا حكمت بالكتاب والسنة وأخذت البيعة كان حكمها شرعياً .

وهو ما قاله الإمام الجويني إمام الحرمين الشريفين  والماوردي وأبو يعلى الفراء وابن تيمية وغيرهم من الفقهــاء استناداً إلى قوله تعالى الآية (53) من سورة المائدة : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } .

 

 

الفصل الأول

الإستراتيجيــة وعناصرهــا

 

التعريــف :

إن الدهشة تعتري أذهان الكثير من رجال الفكر الإستراتيجي  ، وهم ينظرون إلى المملكة العربية السعودية ، وقد صمدت طوال مائة عام أمام جميع المتغيرات التي ألمت بالساحة العربية بشكل خاص والدولية بشكل عام .

وليس هذا فحسب ، بل إن المملكة العربية السعودية استطاعت أن تطوي صفحات الحضارة قدماً إلى الإمام ، فسجلت تقدماً مضطرداً على جميع الأصعدة .

إن السبب الرئيس في صمود المملكة العربية السعودية وتقدمها هو أن الملك عبدالعزيز – رحمه الله – لم يشيد هذا الكيان على أسس تكتيكية قاصرة ، تعتمد على المنظور الضيق للأحداث ، بل بنى هذه الدولة على أسس المنهج الاستقرائي INDUCTIVE METHOD في التفكير ، منطلقاً من أسس وثوابت إسلامية ، مستفيداً من تاريخ الفكر الإسلامي لتجارب عديدة ، تركت لها مساحة في ذاكرة التاريخ عبر القرون الماضية .

يقول المفكر الإستراتيجي أندريه بوفر في كتابه مدخل الإستراتيجية  INTRODUCTION STRATEGY : إن السبب في الكارثة الفرنسية وسقوط باريس أمام الجحافل الألمانية في عهد هتلر هو أن البناء الإستراتيجي لفرنسا كان يعتمد على قضايا تكتيكية فقط ، لهذا كانت الهزيمة .

فالإستراتيجية بقدر ما هي أداء وممارسة هي أيضاً أسلوب وطريقة في التفكير ، تسمح بتصنيف الأحداث على حسب أهميتها واختيار أكثر الوسائل الملائمة فاعلية ، فلكل موقف إستراتيجية معينة ، تنسجم مع معطيات الموقف ، وقد تكون الإستراتيجية  المختارة صائبة في ظروف معينة، لكنها بالتأكيد سوف تكون ممعنة في الخطأ وسط ظروف أخرى ، وهنا تتألق الإستراتيجية الناضجة في تعاملها مع الظروف .

إن الإستراتيجية  لم تعد وقفاً على العسكريين ، بل أصبحت فناً يزاوله الجميع ، والفكر الإستراتيجي لديه القدرة على التخطيط السليم واجتناب الأخطار الفادحة .

إن السعي وراء التعرف على أسس الإستراتيجية ومبادئها للتقيد بها سوف يفقدها الأسس السليمة التي تبنى عليها ، عندئذ تصبح علماً من العلوم الجامدة .

فإن كانت الإستراتيجية بمعناها اللفظي كما وردت في كتب اليونان بأنها ( فن قيادة القوات ) فإن رواد الإستراتيجية الثلاثة كلاوز فيتز وليدل هارت وأندريه بوفر قد اتفقت آراؤهم على أن الإستراتيجية هي: (استخدام كافة الإمكانات المتاحة للوصول بها إلى النتائج التي حددتها السياسة العليا للدولة) .

وعلى هذا أصبح هدف الإستراتيجية هو الوصول إلى الأهداف التي حددتها السياسة العليا عن طريق الاستعمال الأمثل للوسائل المتاحة .

عناصر الإستراتيجية  :

الإستراتيجية  علم وفن ، احتكرها القادة العسكريون ردحاً من الزمن ، ومع هذا فإن التاريخ قد سجل لنا أن الفكر الإستراتيجي قد اصطبغ بألوان من الفن العسكري، والفن السياسي ، لكن التخطيط والتنظيم الاقتصادي كان هو الأساس الذي يعول عليه في الفكر الإستراتيجي ، بالإضافة إلى العامل المعنوي الذي كان له الأثر الأكبر ، لهذا أصبح للإستراتيجية عناصر عديدة ، أهمها :

أ‌-القوة العسكرية :

ويعتمد هذا العنصر لهذه القوة ، كما تبنى العمليات العسكرية على التماسك المادي والمعنوي للجبهة الداخلية والقدرة على الإنتاج الحربي والإمداد بالأسلحة والمعدات .

لهذا نجد أن الملك عبد العزيز – رحمه الله  – قد ركز على القوة البشرية، وطورها فنياً وثقافياً، وأكد – رحمه الله  – على التماسك المادي والمعنوي للجبهة الداخلية ، وسعى في الحصول على الأسلحة والمعدات وإنتاجها .

إن كفاءة القوات العسكرية ومرونتها وكفاءة المواصلات والاتصالات ومسائل النقل تشكل عنصراً مهماً من عناصر القوة العسكرية بالإضافة إلى القدرة في الحصول على المعلومات عن العدو والاعتماد على الموارد المحلية .

ب– الإمكانات الاقتصادية :

وتمثل الإمكانات الاقتصادية عنصراً مهماً من عناصر الإستراتيجية ، فالموارد الاقتصادية والموارد الأولية تؤثران في العنصر الاقتصادي بالإضافة إلى الأيدي العاملة وكفاءته وطرق المواصلات ووسائل الاتصال وتوفير الطاقة .

لقد ركز الملك عبد العزيز في البحث عن الموارد الاقتصادية، فسعى لاستخراج البترول والتنقيب عن المعادن، وطور الأيدي العاملة، ويسر طرق المواصلات وسبل الاتصالات .

ج– البعد السياسي :

إن البعد السياسي من أهم العوامل الأساسية في الارتفاع بكفاءة الدولة وخصائصها الإستراتيجية، فالدولة تستيطع أن تكون لها شخصية سياسية في المجتمع الدولي، فتكتسب نفوذاً إقليمياً ودولياً من خلال المنهج السياسي الذي ترتضيه لنفسها، ومن خلال الثوابت التي تقرها في التعامل مع المجتمع الدولي .

فالملك عبد العزيز – رحمه الله  – قد وضع منهجاً سياسياً للمملكة العربية السعودية يقوم على ثوابت ثلاثة .

هذا المنهج أكسب المملكة شخصية دولية ومصداقية في التعامل ، وهذه الثوابت هي عدم السماح بالتدخل في الآتي :

1-   الشؤون الدينية .

2-   الشؤون الأمنية .

3-   الشؤون السيادية .

وما عدا ذلك فتسري عليه قواعد التعامل مع الدول انطلاقاً من مصالح مشتركة وقواعد المعاملة بالمثل ، كما يتأثر وزن الدولة السياسية بفعل التراث التاريخي في المحيط العالمي ، وتتأثر الدولة بمواقفها من المنظمات الدولية والإقليمية ، وذلك من خلال الانضمام إليها وفاعليتها واحترامها .

د – الموقع الجغرافي :

إن موقع الدولة يؤثر تأثيراً كبيراً في إستراتيجيتها ، فإشراف الدولة على البحار وقربه من خطوط المواصلات العالمية وتوافر المواد الأولية وحجم السوق الاستهلاكية وأثر الظواهر الجوية على الإنتاج كل هذه العوامل رفعت من شأن المملكة ، وعززت من إستراتيجيتها .

إن قدرة المدى الإقليمي على الاتساع يوفر العمق الكافي للانتشار ، ويعطي الفرص للمناورة ، وهو ما تمتاز به المملكة عن كثير من دول الشرق الأوسط .

وقد وضع الملك عبد العزيز كل هذه العوامل في الحسبان وبخاصة في حروبه لتوحيد المملكة .

هـ– القوة المعنوية :

إن القوة المعنوية تؤثر في إستراتيجية الدولة ، وتعطيها مكانة في المجتمع الدولي ، فمكانة الدولة الدينية والأدبية والتاريخية تكسب الدولة أهمية إستراتيجية ، لقد أدرك الملك عبد العزيز – رحمه الله – أهمية وسائل الإعلام في الحرب والسلم ، فسن سياسة إعلامية تقوم على إبراز الحقائق ، وجعل الإعلام جزءاً من منهج الدولة ليتحمل مسؤوليته الوطنية ، فسما به عن المعارضة ، وأبعده عن ساحة الصراع التي نجدها في المجتمعات الديمقراطية ، وهو ما أسهم في تفكيك هذه المجتمعات ثقافياً .

لقد بنى الملك عبد العزيز علاقته مع الإعلام الخارجي على الآتي :

1- القناعة الفكرية ، وليس الإغراء المادي ، وهذا ما ولد لدى القيادات الفكرية في المجتمعات العربية والإسلامية شعوراً بالولاء والانتماء الفكري للمملكة ، انطلاقاً من أن قضية المملكة هي قضيتهم ، وانتصار المملكة هو انتصار لهم .

2- الاتصال مع الرموز الفكرية العربية أمثال الأمير شكيب أرسلان والسيد رشيد رضا والأستاذ محب الدين الخطيب والدكتور محمد حسنين هيكل وغيرهم ، فأصبح هؤلاء وأمثالهم من سفراء الثقافة للمملكة العربية السعودية .

3- التواصل مع بعض الصحف العربية ، وإقناعهم بوجهة نظر المملكة وعدالة مبادئها ، فأصبحت بعض الصحف تتابع انتصارات الملك عبدالعزيز وإنجازاته  مثل مجلة ( الفتح ) ومجلة ( المنار ) ، وتنتصر لمواقفه .

4- استطاع الملك عبد العزيز استقطاب بعض الرموز الثقافية من العالم العربي ، وكون منهم مستشارين ، فكان منهم خير الدين الزركلي ، وفؤاد حمزة ، وحافظ وهبة ، ويوسف ياسين ، وخالد القرقري ، ورشدي ملحس ، وجمال الحسيني، وفؤاد الخطيب ، والدكتور عبد اللطيف الدملوجي ، وغيرهم .

لقد ولد هذا العمل الإحساس لدى جميع الدول والشعوب العربية بأن المملكة هي وطن الجميع ، فكان الجميع حماتها ، وتعد هذه سابقة تاريخية وإستراتيجية لم يأت بها أحد من قبل .

و – التخطيط السليم :

يعد التخطيط والتنسيق من أهم عناصر الإستراتيجية، والملك عبد العزيز – رحمه الله – عمل على ذلك ، فأحاط نفسه بكوكبة من المستشارين من داخل المملكة وخارجها ، كلهم من العرب والمسلمين ، فكان إذا عزم على أمر شاورهم فيه بأن يطرح عليهم القضية ، ويقول : ( أشيروا عليَّ ) .

وكان – طيب الله ثراه – يمهلهم بالأيام ، ثم يجمعهم ، ويستمع إلى أقوالهم ، وغالباً ما كان – رحمه الله – يؤكد على أصحاب الاختصاص ، ومن ثم يرسم خطته، لهذا كانت خططه صائبة وموفقة .

 

الفصل الثاني

تطور الفكر الإستراتيجي  في العهود الثلاثة

 

يعتمد الفكر الإستراتيجي على مبادئ ثابتة ، لا تتغير بتغير السلاح والمعدات ، لكنها تتطور بتطور المفاهيم ؛ فقواعد الإستراتيجية التي كان يتعامل بها الإنسان عندما كان يقاتل بالسيف ويمتطي صهوة الجياد هي القواعد نفسها التي يتعامل بها الإنسان في عصر الطائرة والصاروخ .

إن قواعد الإستراتيجية هي قواعد التعامل الإنساني ، لهذا نجد أن معنى الإستراتيجية اتسع ، فاستوعب جميع الحقول ، واستخدم هذا المصطلح في مختلف الأحوال ، إن النظريات الإستراتيجية تختلف عن كثير من النظريات ، فهي تتطور بتطور الأزمان ، وتختلف المفاهيم ، فهي تصورات تنشأ في أذهان المحللين ، فترسم قواعد للصراع بين الإرادات البشرية .

فالنظريات الإستراتيجية التي أوجدها ( فون كلاوزز فيتس ) في القرن التاسع عشر تختلف عن النظريات التي قال بها ( ليدل هارت ) في القرن العشرين .

فعندما فجر الأمريكيون قنابلهم الذرية لأول مرة في التاريخ  في ( هيروشيما ) و(نجازاكي) اليابانيتين عام 1945م/ 1364هـ ظهرت نظرية الرعب النووي.

وعندما فجر السوفييت قنبلتهم الذرية الأولى على سبيل التجربة والتحدي عام 1949م/ 1368هـ ظهرت على الساحة الفكرية نظرية ( الردع النووي)، فصبغت الحروب بصبغة جديدة ، فتحقق السلام المتوتر بين الدولتين السوفيتية والأمريكية ، واشتعلت الحروب الباردة ، وانقسم العالم إلى معسكرين : شرقي ، وآخر غربي .

إن الفكر الإستراتيجي يقوم على التعامل مع القواعد الإستراتيجية العامة  وتطبيقها على الواقع المعاصر ، فالمفكر الإستراتيجي هو الذي يتعامل مع الواقع منطلقاً من أهدافه القومية العليا ، وموظفاً في ذلك جميع الإمكانات المتاحة ، مستخدماً في ذلك التنظيم والتنسيق والإعداد المناسب .

فالفكر الإستراتيجي السعودي فكر متميز ظهر في عهوده الأولى ، واستمد قواعده من قيم تراثية ودينية ، فأصبح منهجاً للتعامل قائماً إلى اليوم .

 

العهد السعودي الأول :

لقد بــدأت ملامح الفكر الإستراتيجي السعودي تظهر مع بداية النصف الثاني من القرن الثاني عشر للهجرة ، وبالتحديد عام 1157هـ / 1744م عندما تعاهد الشيخ محمـــد بن عبد الوهاب مع الإمام محمد بن سعود بالدرعيـــة على نشر التوحيـــد في البــــلاد بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية تحت ظلال سيف الإمام محمد ابن سعود.

وهذا العهد ينفي عن الدولة السعودية منذ نشأتها الأولى الرغبة في التسلط على رقاب الناس أو الاستشراف لشهوة الحكم ، فأصبح لهذه الدولة منطلقات قيمية .

ولهذا توحدت القلوب والأفكار للدفاع عن هذا الكيان السياسي ، فأصبح الجميع يعملون في انسجام وترابط ، وانعكس بَعْدُ على جميع المناهج الإعلامية والسياسة والاجتماعية حتى اليوم .

وبهذا تحقق الاستقرار والتماسك في الجبهة الداخلية ، وانتقلت الزعزعة إلى جبهة العدو بسبب الاقتناع بعدالة المطالب السعودية التي تستهدف الخير للجميع .

إن الدعوة الإصلاحية جعلت من الدرعية في العهد السعودي الأول مركزاً للإشعاع الفكري داخل الجزيرة العربية ، فهوت إليها أفئدة من العراق والشام والحجاز واليمن وعمان ، وازدهر فيها الاقتصاد ، وتيسرت إليها دروب المواصلات، فكان ذلك دعماً للنشاط العسكري والاقتصادي .

واتسع التطور السياسي والاقتصادي في فكر الإمام عبد العزيز بن محمد الإستراتيجي ، فامتدت تطلعاته إلى الأحساء ، ففتحها ، وإلى العراق فطرق أبوابها.

لقد استخدم الإمام عبد العزيز بن محمد مبادئ وتكتيكات الحرب الخاطفة التي تبعث الرعب في قلوب الأعداء ، وهو ما أدركناه واضحاً في المدارس الألمانية ، والروسية والصينية فيما بعد .

لكن الإمام سعود بن عبد العزيز الذي كان يلقب بلقب  ( سعود الكبير ) استطاع أن يفتح الحجاز ، ويوسع نفوذ الدولة السعودية الأولى إلى أقصى حدودها مستخدماً في ذلك إستراتيجية الاقتراب المباشر .

فإذا كانت هذه الإستراتيجية  قد فتحت أمامه الكثير من المدن والحصون وتأسيس دولة كبرى مترامية الأطراف ، إلا أنها سلبت منه القدرة على المناورة السياسية، مما فوت عليه الفرصة في المحافظة عليها  بسب استعداء الدولة العثمانية والقيادة السياسية في مصر .

وهذا ما أفاد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن – طيب الله ثراه – فيما بعد ، الذي عمد إلى إستراتيجية الاقتراب غير المباشر والتحلي بالمرونة السياسية ، فتجاوز بذلك جميع التحديات في سبيل الوصول إلى أهدافه ، وقد قال شكسبير : ( إننا نصل إلى المباشر بطريق غير مباشر ) .

 

العهد السعودي الثاني :

أراد الإمام تركي بن عبد الله محمد بن سعود أن يضع حداً للفوضى الناجمة عن سقوط الدولة السعودية الأولى بسبب الفراغ السياسي والأمني في الجزيرة العربية ، فحاول جمع المدن والقرى والقبائل وتوحيد الصفوف من جديد .

كان خروجه – رحمه الله – عام 1235هـ/ 1820م قادماً من الحائر جنوب الرياض متجهاً إلى الدرعية ، ولم يتمكن من بسط نفوذه عليها ، فاتجه نحو ( الحلوة ) بحوطة بني تميم .

لقد استعاد الإمام تركي قوته ، واتخذ منهجاً إستراتيجياً يجمع الشجاعة العسكرية والمرونة السياسية ، فاتسعت دائرة نفوذه ، كما اتخذ من الرياض قاعدة لحكمه بدلاً من الدرعية .

قتل – رحمه الله – عام 1249هـ/ 1833م بالرياض ، وتولى الحكم ابن أخته مشاري بن عبد الرحمن ، لكن الأخير سرعان ما قتل اقتضاءً ، وأعيد الحكم إلى الإمام فيصل بن تركي بن عبد الله  الذي بدأ في أعماله الإصلاحية .

لقد استطاع الإمام فيصل أن يجمع شمل الجزيرة العربية ، وأن يوحد صفوفها ، لكنه كان يتطلع إلى الحجاز ، ولم يدرك خطورة الموقف ، فتقدم لمهاجمتها ، فأثار بذلك حفيظة الدولة العثمانية ونقمة محمد علي باشا الذي أرسل جيشاً بقيادة (خور شيد باشا ) ، وبعـــد عدة معــارك استسلم الإمام فيصل بن تركي ، وكان ذلك في عام 1254هـ/ 1838م، لكن الإمام فيصلاً استطاع الهرب من سجنه فيما بعد والعودة إلى نجد، عندئذ سلك هو وأبناؤه من بعد سياسة عدم التحديات ، لكن ابن رشيد استطاع بعد مد وجزر أن يستأثر بالحكم في نجد ، وبهذا انتهت الدولة السعودية الثانية .

 

العهد السعودي الثالث :

توجست الدولة العثمانية من ممارسات الشيخ مبارك الصباح حاكم الكويت ، خصوصاً عندما أخذ يقترب من الإنجليز ويبتعد عن تركيا ، وتأكد ذلك بالمعاهدة السرية التي عقدها مع الإنجليز عام 1316هـ/ 1899م، عندئذ قررت تركيا محاربة حاكم الكويت عن طريق الوكالة ، فأوعزت إلى عبد العزيز بن متعب آل الرشيد الذي أصبح حاكماً لنجد أن يضم إليه الكويت .

انتهز الملك عبد العزيز فرصة انشغال ابن رشيد بالإعداد لحرب الكويت ، فقرر الزحف على الرياض بالاتفاق مع حاكم الكويت ؛ ليخفف الضغط عن الكويت ، وليشتت قوات ابن رشيد .

كما قرر الملك عبد العزيز – رحمه الله –  تأسيس قاعدة له ينطلق منها إلى نجد، فلم يجد أفضل من الرياض لمعرفته بها ، ولكونها آخر قاعدة للدولة السعودية ، ولكثرة مؤيديه وأصدقائه بها .

 

التحم الجيشان جيش مبارك وجيش ابن رشيد في ( الصريف ) بالقرب من بريدة عام 1318هـ/ 1901م بعد أن استدرج ابن رشيد الجيش الكويتي إلى مواقعه التكتيكية المناسبة ، وهزم الجيش الكويتي .

كان هجوم الملك عبد العزيز – رحمه الله – على الرياض لوناً من ألوان الاستطلاع بالقوة ، وكان ذلك عام 1318هـ / 1901م ، وكان جيشه مكوناً من ألف مقاتل ، وتعرف خلال هذه العملية على مسرح العمليات ، كما درس أحوال القبائل ، وفاز بولائها.

قسم – رحمه الله – جيشه أربعة أقسام رئيسة :

أ‌-           القوة الرئيسة : وتتكون من الفرسان والمشاة بقيادة الملك عبد العزيز نفسه ، وتتولى الهجوم على المواقع .

ب‌-       قوة الاستطلاع : للتعرف على طرق الاقتراب ، وقوة الأعداء ، ومواقعهم ، وحصونهم ، ومعنوياتهم .

ت‌-        جماعة الدعوة : لوعظ الناس ، وكسب الناس ، والتأثير على معنوية الخصم .

ث‌-       القوة الإدارية : وتهتم بالتموين والإمداد ، وجمع الغنائم ، وتجهيز الجيش ، وتسليحه .

لقد أخذ – رحمه الله – بجميع الأسباب العسكرية الحديثة ، منها :

·       تحديد القوة الرئيسة وهدفها .

·       اعتماد مبدأ خفة الحركة وسرعة التقدم .

·       تنظيم الاحتياجات .

·       المحافظة على السرية والكتمان .