مقدمــــــة:

البناء الإستراتيجي للتجربة السعودية :

بدأت التجربة السعودية الأولى في القرن الثامن عشر عندما تضامن الإمام محمد بن سعود مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب عام 1157هـ/ 1744م في الدرعية، فكان تضامناً بين القوة المادية والعمل الفكري .

لقد بدأت هذه التجربة وسط ظروف المعاناة الشاملة للعالم الإسلامي من الغزو الأوروبي الذي وظف أسلحة التدمير المادية والفكرية لاحتلال أطراف الأمة الإسلامية والعربية ، ومن ثم النفاذ إلى قلب الإسلام من خلال غزو نابليون لمصر ، كان السلاح المادي ممثلاً في الإعداد العسكري المتقدم ، كما كان السلاح الفكري واضحاً في عملية التغريب وفرض الحضارة الغربية لطمس الحضارة الإسلامية .

إن التجربة السعودية رغم يفاعتها  تمثل الصمود المتكامل أمام هذا الغزو ، فكانت هذه التجربة هي التصدي للاستعمار بنوعيه العسكري والثقافي ، وهي التي أوجدت للأمة رؤية فكرية جعلتها تحافظ على هويتها ، فبعثت فيها روح المواجهة أمام التغلغل الاستعماري ورفض الثقافات الغربية وغيرها من الثقافات الوافدة .

إن البناء الإستراتيجي للكيانات السياسية إذا لم يعتمد على مبادئ فكرية سوف يسقط أمام الانتصار المادي، ويتبدد كما تتبدد الغيوم .

لكن القيم الفكرية هي التي تظل حية نابضة رغم الهزيمة العسكرية والسقوط المادي ، فالقوة هي التي تعطي التجديد والبعث المتلاحق .

إن القيادة السياسية والعسكرية المتفوقة تقنياً لدى محمد علي باشا استطاعت أن تسجل انتصاراً عسكرياً على التجربة السعودية الأولى ، فتقتلها عسكرياً وسياسياً بفعل التفوق المادي والتقني ، لكنها لم تفككها فكرياً ، فبعثت من جديد .

أما تجربة محمد علي باشا نفسها  فلم تتمكن من الصمود أكثر من اثني عشر عقداً من الزمان ، فانتهت بثورة 23 يوليو لعام 1952م الموافق 2/11/1371هـ؛ لأن تجربة محمد علي لم تؤسس على منهج فكري متكامل ، بل اعتمدت على الأغراض السياسية والقدرات العسكرية .

أما التجربة السعودية الأولى فعلى الرغم من هزيمتها عسكرياً أمام ضربات محمد علي باشا القاتلة بقوة السلاح والمعدات ، إلا أن التجربة السعودية استطاعت أن تصمد فكرياً ، فبعثت من جديد ، لقد بعث الله – عز وجل – التجربة السعودية من جديد على يد الملك عبد العزيز طيب الله ثراه ؛ لأن المنهج الفكري ظل صامداً لم يهزم أمام قوات محمد علي باشا .

لقد استطاعت التجربة الصهيونية أن تحقق انتصاراً عسكرياً في فلسطين ، وأن تتخذ لها وجوداً سياسياً في الأراضي العربية ، لكن إسرائيل لن تتمكن من الصمود ولا البقاء ؛ لأنها لا تعتمد على منهج فكري قادر على إحلال الهزيمة بالعرب على المدى الطويل ؛ لأن الصهيونية في حد ذاتها ليست عملاً فكرياً ، بل هي أثر استعماري وتوجه عنصري ، والتوجه العنصري يتعارض مع الفكر الصحيح .

إن شرعية التجربة السعودية في الحكم قامت على مبدأ أهل الشوكة ؛ فإذا كان الحكم في الإسلام يقوم إما على التعيين أو الاختيار ، فإن أهل الشوكة هي الفئة التي تقطع على نفسها عهداً على القضاء على الفساد في الأمة وتحقيق الأمن وتنفيذ شرع الله، فإذا حكمت بالكتاب والسنة وأخذت البيعة كان حكمها شرعياً .

وهو ما قاله الإمام الجويني إمام الحرمين الشريفين  والماوردي وأبو يعلى الفراء وابن تيمية وغيرهم من الفقهــاء استناداً إلى قوله تعالى الآية (53) من سورة المائدة : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } .

 

 

الفصل الأول

الإستراتيجيــة وعناصرهــا

 

التعريــف :

إن الدهشة تعتري أذهان الكثير من رجال الفكر الإستراتيجي  ، وهم ينظرون إلى المملكة العربية السعودية ، وقد صمدت طوال مائة عام أمام جميع المتغيرات التي ألمت بالساحة العربية بشكل خاص والدولية بشكل عام .

وليس هذا فحسب ، بل إن المملكة العربية السعودية استطاعت أن تطوي صفحات الحضارة قدماً إلى الإمام ، فسجلت تقدماً مضطرداً على جميع الأصعدة .

إن السبب الرئيس في صمود المملكة العربية السعودية وتقدمها هو أن الملك عبدالعزيز – رحمه الله – لم يشيد هذا الكيان على أسس تكتيكية قاصرة ، تعتمد على المنظور الضيق للأحداث ، بل بنى هذه الدولة على أسس المنهج الاستقرائي INDUCTIVE METHOD في التفكير ، منطلقاً من أسس وثوابت إسلامية ، مستفيداً من تاريخ الفكر الإسلامي لتجارب عديدة ، تركت لها مساحة في ذاكرة التاريخ عبر القرون الماضية .

يقول المفكر الإستراتيجي أندريه بوفر في كتابه مدخل الإستراتيجية  INTRODUCTION STRATEGY : إن السبب في الكارثة الفرنسية وسقوط باريس أمام الجحافل الألمانية في عهد هتلر هو أن البناء الإستراتيجي لفرنسا كان يعتمد على قضايا تكتيكية فقط ، لهذا كانت الهزيمة .

فالإستراتيجية بقدر ما هي أداء وممارسة هي أيضاً أسلوب وطريقة في التفكير ، تسمح بتصنيف الأحداث على حسب أهميتها واختيار أكثر الوسائل الملائمة فاعلية ، فلكل موقف إستراتيجية معينة ، تنسجم مع معطيات الموقف ، وقد تكون الإستراتيجية  المختارة صائبة في ظروف معينة، لكنها بالتأكيد سوف تكون ممعنة في الخطأ وسط ظروف أخرى ، وهنا تتألق الإستراتيجية الناضجة في تعاملها مع الظروف .

إن الإستراتيجية  لم تعد وقفاً على العسكريين ، بل أصبحت فناً يزاوله الجميع ، والفكر الإستراتيجي لديه القدرة على التخطيط السليم واجتناب الأخطار الفادحة .

إن السعي وراء التعرف على أسس الإستراتيجية ومبادئها للتقيد بها سوف يفقدها الأسس السليمة التي تبنى عليها ، عندئذ تصبح علماً من العلوم الجامدة .

فإن كانت الإستراتيجية بمعناها اللفظي كما وردت في كتب اليونان بأنها ( فن قيادة القوات ) فإن رواد الإستراتيجية الثلاثة كلاوز فيتز وليدل هارت وأندريه بوفر قد اتفقت آراؤهم على أن الإستراتيجية هي: (استخدام كافة الإمكانات المتاحة للوصول بها إلى النتائج التي حددتها السياسة العليا للدولة) .

وعلى هذا أصبح هدف الإستراتيجية هو الوصول إلى الأهداف التي حددتها السياسة العليا عن طريق الاستعمال الأمثل للوسائل المتاحة .

عناصر الإستراتيجية  :

الإستراتيجية  علم وفن ، احتكرها القادة العسكريون ردحاً من الزمن ، ومع هذا فإن التاريخ قد سجل لنا أن الفكر الإستراتيجي قد اصطبغ بألوان من الفن العسكري، والفن السياسي ، لكن التخطيط والتنظيم الاقتصادي كان هو الأساس الذي يعول عليه في الفكر الإستراتيجي ، بالإضافة إلى العامل المعنوي الذي كان له الأثر الأكبر ، لهذا أصبح للإستراتيجية عناصر عديدة ، أهمها :

أ‌-القوة العسكرية :

ويعتمد هذا العنصر لهذه القوة ، كما تبنى العمليات العسكرية على التماسك المادي والمعنوي للجبهة الداخلية والقدرة على الإنتاج الحربي والإمداد بالأسلحة والمعدات .

لهذا نجد أن الملك عبد العزيز – رحمه الله  – قد ركز على القوة البشرية، وطورها فنياً وثقافياً، وأكد – رحمه الله  – على التماسك المادي والمعنوي للجبهة الداخلية ، وسعى في الحصول على الأسلحة والمعدات وإنتاجها .

إن كفاءة القوات العسكرية ومرونتها وكفاءة المواصلات والاتصالات ومسائل النقل تشكل عنصراً مهماً من عناصر القوة العسكرية بالإضافة إلى القدرة في الحصول على المعلومات عن العدو والاعتماد على الموارد المحلية .

ب– الإمكانات الاقتصادية :

وتمثل الإمكانات الاقتصادية عنصراً مهماً من عناصر الإستراتيجية ، فالموارد الاقتصادية والموارد الأولية تؤثران في العنصر الاقتصادي بالإضافة إلى الأيدي العاملة وكفاءته وطرق المواصلات ووسائل الاتصال وتوفير الطاقة .

لقد ركز الملك عبد العزيز في البحث عن الموارد الاقتصادية، فسعى لاستخراج البترول والتنقيب عن المعادن، وطور الأيدي العاملة، ويسر طرق المواصلات وسبل الاتصالات .

ج– البعد السياسي :

إن البعد السياسي من أهم العوامل الأساسية في الارتفاع بكفاءة الدولة وخصائصها الإستراتيجية، فالدولة تستيطع أن تكون لها شخصية سياسية في المجتمع الدولي، فتكتسب نفوذاً إقليمياً ودولياً من خلال المنهج السياسي الذي ترتضيه لنفسها، ومن خلال الثوابت التي تقرها في التعامل مع المجتمع الدولي .

فالملك عبد العزيز – رحمه الله  – قد وضع منهجاً سياسياً للمملكة العربية السعودية يقوم على ثوابت ثلاثة .

هذا المنهج أكسب المملكة شخصية دولية ومصداقية في التعامل ، وهذه الثوابت هي عدم السماح بالتدخل في الآتي :

1-   الشؤون الدينية .

2-   الشؤون الأمنية .

3-   الشؤون السيادية .

وما عدا ذلك فتسري عليه قواعد التعامل مع الدول انطلاقاً من مصالح مشتركة وقواعد المعاملة بالمثل ، كما يتأثر وزن الدولة السياسية بفعل التراث التاريخي في المحيط العالمي ، وتتأثر الدولة بمواقفها من المنظمات الدولية والإقليمية ، وذلك من خلال الانضمام إليها وفاعليتها واحترامها .

د – الموقع الجغرافي :

إن موقع الدولة يؤثر تأثيراً كبيراً في إستراتيجيتها ، فإشراف الدولة على البحار وقربه من خطوط المواصلات العالمية وتوافر المواد الأولية وحجم السوق الاستهلاكية وأثر الظواهر الجوية على الإنتاج كل هذه العوامل رفعت من شأن المملكة ، وعززت من إستراتيجيتها .

إن قدرة المدى الإقليمي على الاتساع يوفر العمق الكافي للانتشار ، ويعطي الفرص للمناورة ، وهو ما تمتاز به المملكة عن كثير من دول الشرق الأوسط .

وقد وضع الملك عبد العزيز كل هذه العوامل في الحسبان وبخاصة في حروبه لتوحيد المملكة .

هـ– القوة المعنوية :

إن القوة المعنوية تؤثر في إستراتيجية الدولة ، وتعطيها مكانة في المجتمع الدولي ، فمكانة الدولة الدينية والأدبية والتاريخية تكسب الدولة أهمية إستراتيجية ، لقد أدرك الملك عبد العزيز – رحمه الله – أهمية وسائل الإعلام في الحرب والسلم ، فسن سياسة إعلامية تقوم على إبراز الحقائق ، وجعل الإعلام جزءاً من منهج الدولة ليتحمل مسؤوليته الوطنية ، فسما به عن المعارضة ، وأبعده عن ساحة الصراع التي نجدها في المجتمعات الديمقراطية ، وهو ما أسهم في تفكيك هذه المجتمعات ثقافياً .

لقد بنى الملك عبد العزيز علاقته مع الإعلام الخارجي على الآتي :

1- القناعة الفكرية ، وليس الإغراء المادي ، وهذا ما ولد لدى القيادات الفكرية في المجتمعات العربية والإسلامية شعوراً بالولاء والانتماء الفكري للمملكة ، انطلاقاً من أن قضية المملكة هي قضيتهم ، وانتصار المملكة هو انتصار لهم .

2- الاتصال مع الرموز الفكرية العربية أمثال الأمير شكيب أرسلان والسيد رشيد رضا والأستاذ محب الدين الخطيب والدكتور محمد حسنين هيكل وغيرهم ، فأصبح هؤلاء وأمثالهم من سفراء الثقافة للمملكة العربية السعودية .

3- التواصل مع بعض الصحف العربية ، وإقناعهم بوجهة نظر المملكة وعدالة مبادئها ، فأصبحت بعض الصحف تتابع انتصارات الملك عبدالعزيز وإنجازاته  مثل مجلة ( الفتح ) ومجلة ( المنار ) ، وتنتصر لمواقفه .

4- استطاع الملك عبد العزيز استقطاب بعض الرموز الثقافية من العالم العربي ، وكون منهم مستشارين ، فكان منهم خير الدين الزركلي ، وفؤاد حمزة ، وحافظ وهبة ، ويوسف ياسين ، وخالد القرقري ، ورشدي ملحس ، وجمال الحسيني، وفؤاد الخطيب ، والدكتور عبد اللطيف الدملوجي ، وغيرهم .

لقد ولد هذا العمل الإحساس لدى جميع الدول والشعوب العربية بأن المملكة هي وطن الجميع ، فكان الجميع حماتها ، وتعد هذه سابقة تاريخية وإستراتيجية لم يأت بها أحد من قبل .

و – التخطيط السليم :

يعد التخطيط والتنسيق من أهم عناصر الإستراتيجية، والملك عبد العزيز – رحمه الله – عمل على ذلك ، فأحاط نفسه بكوكبة من المستشارين من داخل المملكة وخارجها ، كلهم من العرب والمسلمين ، فكان إذا عزم على أمر شاورهم فيه بأن يطرح عليهم القضية ، ويقول : ( أشيروا عليَّ ) .

وكان – طيب الله ثراه – يمهلهم بالأيام ، ثم يجمعهم ، ويستمع إلى أقوالهم ، وغالباً ما كان – رحمه الله – يؤكد على أصحاب الاختصاص ، ومن ثم يرسم خطته، لهذا كانت خططه صائبة وموفقة .

 

الفصل الثاني

تطور الفكر الإستراتيجي  في العهود الثلاثة

 

يعتمد الفكر الإستراتيجي على مبادئ ثابتة ، لا تتغير بتغير السلاح والمعدات ، لكنها تتطور بتطور المفاهيم ؛ فقواعد الإستراتيجية التي كان يتعامل بها الإنسان عندما كان يقاتل بالسيف ويمتطي صهوة الجياد هي القواعد نفسها التي يتعامل بها الإنسان في عصر الطائرة والصاروخ .

إن قواعد الإستراتيجية هي قواعد التعامل الإنساني ، لهذا نجد أن معنى الإستراتيجية اتسع ، فاستوعب جميع الحقول ، واستخدم هذا المصطلح في مختلف الأحوال ، إن النظريات الإستراتيجية تختلف عن كثير من النظريات ، فهي تتطور بتطور الأزمان ، وتختلف المفاهيم ، فهي تصورات تنشأ في أذهان المحللين ، فترسم قواعد للصراع بين الإرادات البشرية .

فالنظريات الإستراتيجية التي أوجدها ( فون كلاوزز فيتس ) في القرن التاسع عشر تختلف عن النظريات التي قال بها ( ليدل هارت ) في القرن العشرين .

فعندما فجر الأمريكيون قنابلهم الذرية لأول مرة في التاريخ  في ( هيروشيما ) و(نجازاكي) اليابانيتين عام 1945م/ 1364هـ ظهرت نظرية الرعب النووي.

وعندما فجر السوفييت قنبلتهم الذرية الأولى على سبيل التجربة والتحدي عام 1949م/ 1368هـ ظهرت على الساحة الفكرية نظرية ( الردع النووي)، فصبغت الحروب بصبغة جديدة ، فتحقق السلام المتوتر بين الدولتين السوفيتية والأمريكية ، واشتعلت الحروب الباردة ، وانقسم العالم إلى معسكرين : شرقي ، وآخر غربي .

إن الفكر الإستراتيجي يقوم على التعامل مع القواعد الإستراتيجية العامة  وتطبيقها على الواقع المعاصر ، فالمفكر الإستراتيجي هو الذي يتعامل مع الواقع منطلقاً من أهدافه القومية العليا ، وموظفاً في ذلك جميع الإمكانات المتاحة ، مستخدماً في ذلك التنظيم والتنسيق والإعداد المناسب .

فالفكر الإستراتيجي السعودي فكر متميز ظهر في عهوده الأولى ، واستمد قواعده من قيم تراثية ودينية ، فأصبح منهجاً للتعامل قائماً إلى اليوم .

 

العهد السعودي الأول :

لقد بــدأت ملامح الفكر الإستراتيجي السعودي تظهر مع بداية النصف الثاني من القرن الثاني عشر للهجرة ، وبالتحديد عام 1157هـ / 1744م عندما تعاهد الشيخ محمـــد بن عبد الوهاب مع الإمام محمد بن سعود بالدرعيـــة على نشر التوحيـــد في البــــلاد بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية تحت ظلال سيف الإمام محمد ابن سعود.

وهذا العهد ينفي عن الدولة السعودية منذ نشأتها الأولى الرغبة في التسلط على رقاب الناس أو الاستشراف لشهوة الحكم ، فأصبح لهذه الدولة منطلقات قيمية .

ولهذا توحدت القلوب والأفكار للدفاع عن هذا الكيان السياسي ، فأصبح الجميع يعملون في انسجام وترابط ، وانعكس بَعْدُ على جميع المناهج الإعلامية والسياسة والاجتماعية حتى اليوم .

وبهذا تحقق الاستقرار والتماسك في الجبهة الداخلية ، وانتقلت الزعزعة إلى جبهة العدو بسبب الاقتناع بعدالة المطالب السعودية التي تستهدف الخير للجميع .

إن الدعوة الإصلاحية جعلت من الدرعية في العهد السعودي الأول مركزاً للإشعاع الفكري داخل الجزيرة العربية ، فهوت إليها أفئدة من العراق والشام والحجاز واليمن وعمان ، وازدهر فيها الاقتصاد ، وتيسرت إليها دروب المواصلات، فكان ذلك دعماً للنشاط العسكري والاقتصادي .

واتسع التطور السياسي والاقتصادي في فكر الإمام عبد العزيز بن محمد الإستراتيجي ، فامتدت تطلعاته إلى الأحساء ، ففتحها ، وإلى العراق فطرق أبوابها.

لقد استخدم الإمام عبد العزيز بن محمد مبادئ وتكتيكات الحرب الخاطفة التي تبعث الرعب في قلوب الأعداء ، وهو ما أدركناه واضحاً في المدارس الألمانية ، والروسية والصينية فيما بعد .

لكن الإمام سعود بن عبد العزيز الذي كان يلقب بلقب  ( سعود الكبير ) استطاع أن يفتح الحجاز ، ويوسع نفوذ الدولة السعودية الأولى إلى أقصى حدودها مستخدماً في ذلك إستراتيجية الاقتراب المباشر .

فإذا كانت هذه الإستراتيجية  قد فتحت أمامه الكثير من المدن والحصون وتأسيس دولة كبرى مترامية الأطراف ، إلا أنها سلبت منه القدرة على المناورة السياسية، مما فوت عليه الفرصة في المحافظة عليها  بسب استعداء الدولة العثمانية والقيادة السياسية في مصر .

وهذا ما أفاد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن – طيب الله ثراه – فيما بعد ، الذي عمد إلى إستراتيجية الاقتراب غير المباشر والتحلي بالمرونة السياسية ، فتجاوز بذلك جميع التحديات في سبيل الوصول إلى أهدافه ، وقد قال شكسبير : ( إننا نصل إلى المباشر بطريق غير مباشر ) .

 

العهد السعودي الثاني :

أراد الإمام تركي بن عبد الله محمد بن سعود أن يضع حداً للفوضى الناجمة عن سقوط الدولة السعودية الأولى بسبب الفراغ السياسي والأمني في الجزيرة العربية ، فحاول جمع المدن والقرى والقبائل وتوحيد الصفوف من جديد .

كان خروجه – رحمه الله – عام 1235هـ/ 1820م قادماً من الحائر جنوب الرياض متجهاً إلى الدرعية ، ولم يتمكن من بسط نفوذه عليها ، فاتجه نحو ( الحلوة ) بحوطة بني تميم .

لقد استعاد الإمام تركي قوته ، واتخذ منهجاً إستراتيجياً يجمع الشجاعة العسكرية والمرونة السياسية ، فاتسعت دائرة نفوذه ، كما اتخذ من الرياض قاعدة لحكمه بدلاً من الدرعية .

قتل – رحمه الله – عام 1249هـ/ 1833م بالرياض ، وتولى الحكم ابن أخته مشاري بن عبد الرحمن ، لكن الأخير سرعان ما قتل اقتضاءً ، وأعيد الحكم إلى الإمام فيصل بن تركي بن عبد الله  الذي بدأ في أعماله الإصلاحية .

لقد استطاع الإمام فيصل أن يجمع شمل الجزيرة العربية ، وأن يوحد صفوفها ، لكنه كان يتطلع إلى الحجاز ، ولم يدرك خطورة الموقف ، فتقدم لمهاجمتها ، فأثار بذلك حفيظة الدولة العثمانية ونقمة محمد علي باشا الذي أرسل جيشاً بقيادة (خور شيد باشا ) ، وبعـــد عدة معــارك استسلم الإمام فيصل بن تركي ، وكان ذلك في عام 1254هـ/ 1838م، لكن الإمام فيصلاً استطاع الهرب من سجنه فيما بعد والعودة إلى نجد، عندئذ سلك هو وأبناؤه من بعد سياسة عدم التحديات ، لكن ابن رشيد استطاع بعد مد وجزر أن يستأثر بالحكم في نجد ، وبهذا انتهت الدولة السعودية الثانية .

 

العهد السعودي الثالث :

توجست الدولة العثمانية من ممارسات الشيخ مبارك الصباح حاكم الكويت ، خصوصاً عندما أخذ يقترب من الإنجليز ويبتعد عن تركيا ، وتأكد ذلك بالمعاهدة السرية التي عقدها مع الإنجليز عام 1316هـ/ 1899م، عندئذ قررت تركيا محاربة حاكم الكويت عن طريق الوكالة ، فأوعزت إلى عبد العزيز بن متعب آل الرشيد الذي أصبح حاكماً لنجد أن يضم إليه الكويت .

انتهز الملك عبد العزيز فرصة انشغال ابن رشيد بالإعداد لحرب الكويت ، فقرر الزحف على الرياض بالاتفاق مع حاكم الكويت ؛ ليخفف الضغط عن الكويت ، وليشتت قوات ابن رشيد .

كما قرر الملك عبد العزيز – رحمه الله –  تأسيس قاعدة له ينطلق منها إلى نجد، فلم يجد أفضل من الرياض لمعرفته بها ، ولكونها آخر قاعدة للدولة السعودية ، ولكثرة مؤيديه وأصدقائه بها .

 

التحم الجيشان جيش مبارك وجيش ابن رشيد في ( الصريف ) بالقرب من بريدة عام 1318هـ/ 1901م بعد أن استدرج ابن رشيد الجيش الكويتي إلى مواقعه التكتيكية المناسبة ، وهزم الجيش الكويتي .

كان هجوم الملك عبد العزيز – رحمه الله – على الرياض لوناً من ألوان الاستطلاع بالقوة ، وكان ذلك عام 1318هـ / 1901م ، وكان جيشه مكوناً من ألف مقاتل ، وتعرف خلال هذه العملية على مسرح العمليات ، كما درس أحوال القبائل ، وفاز بولائها.

قسم – رحمه الله – جيشه أربعة أقسام رئيسة :

أ‌-           القوة الرئيسة : وتتكون من الفرسان والمشاة بقيادة الملك عبد العزيز نفسه ، وتتولى الهجوم على المواقع .

ب‌-       قوة الاستطلاع : للتعرف على طرق الاقتراب ، وقوة الأعداء ، ومواقعهم ، وحصونهم ، ومعنوياتهم .

ت‌-        جماعة الدعوة : لوعظ الناس ، وكسب الناس ، والتأثير على معنوية الخصم .

ث‌-       القوة الإدارية : وتهتم بالتموين والإمداد ، وجمع الغنائم ، وتجهيز الجيش ، وتسليحه .

لقد أخذ – رحمه الله – بجميع الأسباب العسكرية الحديثة ، منها :

·       تحديد القوة الرئيسة وهدفها .

·       اعتماد مبدأ خفة الحركة وسرعة التقدم .

·       تنظيم الاحتياجات .

·       المحافظة على السرية والكتمان .

·       تحديد ساعة التحرك مع ساعة القتال على الجبهة الكويتية في ( الصريف ) .

·       الالتفاف حول أسوار الرياض وحصار ( المصمك ) .

وعندما هزم الشيخ مبارك انسحب الملك عبد العزيز  – رحمه الله – إلى الكويت عملاً بوصية والده ، لكن الملك عبد العزيز عاد فيما بعد ، واسترد الرياض ، وتابع فتوحاته حتى أسس المملكة العربية السعودية .

يمثل العهد السعودي الثالث تجارب العهدين السابقين ، ويتمثل العهد السعودي الثالث في فكر الملك عبد العزيز الإستراتيجي الذي عزَّز ما كان إيجاباً في العهدين السابقين ، وقوَّم ما كان سلباً فيهما .

كان استطلاعه – رحمه الله – دقيقاً للغاية ، تعرف خلاله على طريق الاقتراب وطبيعة الأرض ، وعرف القبائل والقرى ، ودخل مدينة الرياض ، ووقف على المنازل والأماكن ، واتصل بالأصدقاء ، وكان عمق استطلاعه يتجاوز 800 كيلو متر ، كما كانت مواجهة الزحف تتراوح بين 200 إلى 300 كيلو من المترات ، وهو ما لم يتسن لقوة استطلاع بهذا الحجم من قبل .

في الزحف الثاني على الرياض استفاد الملك عبد العزيز من جميع المعلومات التي استقاها ، وبنى خطته الحربية على أساسها ، فكانت تطبيقاً دقيقاً لكل ما سجله على الأرض والموقع والإنسان .

اعتمد – رحمه الله – على خفة الحركة وسرعة المسير عندما يكون ذلك واجباً، استخدم أسلوب الحرب الخاطفة عندما يكون ذلك جائزاً .

استخدم أسلوب الإزعاج والتشتيت للقبائل المعادية ، فبث فيها الرعب ، كما انتهج أسلوب التعزيز والمناصرة للقبائل الموالية ، فبعث فيها الولاء ، قام بأكبر عملية تذويب داخل الصحراء لقوات ابن رشيد فيما بعد ، فأدخلهم في معارك تكتيكية ، تصرفهم عن أهدافهم الإستراتيجية، فكانت أروع مما فعله ( هانيبال ) القائد القرطاجي في السهول الإيطالية قبل الميلاد ، و ( روميل ) القائد الألماني في شمال أفريقيا في الحرب العالمية الثانية .

انتهج – رحمه الله – أسلوب الاقتراب الخفي إلى مركز القيادة والسيطرة للعدو ، في قصر ابن عجلان بالرياض ، فكان له أكبر الأثر في تحقيق النتائج الحاسمة .

كانت خطته الإستراتيجية  تعتمد على عدم المبالغة في الانتصارات حتى لا يثير حفيظة ابن رشيد ، وبذلك ألقى في روعه أنها عملية استدراج له لإفساح المجال أمام الشيخ مبارك للهجـــوم عليه ، فتردد ابن رشيد في الهجوم على الملك عبد العزيز ، رحمه الله .

لهذا نجد أن الملك عبدالعزيز حصر العملية في عشرات الرجال لا تتجاوز الأربعين على حين كان زحفة الأول بالمئات .

لقد كان – رحمه الله – يظهر نفسه أمام ابن رشيد في كل مرة ينتصر فيها بأنه ضعيف ، وأن ابن رشيد يستطيع القضاء عليه بسهولة ، على حين كان يعظم من انتصاراته عند قومه مما يرفع لديهم المعنوية القتالية .

ظل – رحمه الله – منتهجاً هذا الأسلوب حتى قويت شوكته بعد أن فتح الرياض، وضم الحوطة والخرج والأفلاج والحريق ووادي الدواسر ، وبذلك أمَّن قاعدته في الرياض ، وحمى ظهره من الجنوب .

بعد مناوراته – رحمه الله – في الجنوب اتجه إلى الشمال واضعاً دقة التوقيت وحجم الإمكانيات في الحسبان مما أرغم خصمه ابن رشيد على العدول عن مهاجمة الرياض نهائياً والتوجه نحو القبائل الشمالية والكويت .

لقد استطاع الملك عبد العزيز – رحمه الله – توظيف الخطاب الشفوي في التعامل مع أعوانه ومؤيديــه ورفع معنوياتهم  وربطهم بــه وقناعتهم بخططه وأهدافه اقتداء بالنـبي e .

لقد تســاءل الكثير من المحللين الإستراتيجيين وهم يقرؤون سيرة الملك عبد العزيز – رحمه الله – وتأسيسه لهذا الكيان العظيم : ما الخلفية العلمية وراء تلك الانتصارات؟

لقد اعتمد – رحمه الله – على العبقرية الذاتية والانتهال من السنة المحمدية ، فكان صفوة الصفوة في فكره وسلوكه ، راجع سيرة أسلافه ، ونظر إلى التاريخ ببصيرة نافذة ، فاستطاع أن يحقق كل هذه الإنجازات وكل هذه المعجزات .

 

الفصل الثالث

فن الحرب عند الملك عبد العزيز

 

يبحث فن الحرب في نظرية خوض المعارك وتطبيقها والعمليات والحرب بالكامل، كما يبحث في أسس التنظيم والتدريب والتربية في القوات المسلحة .

وتاريخ فن الحرب هو تاريخ ولادة القوات المسلحة وتقدمها وأساليب خوض الأعمال الحربية وأشكال التدريب وأساليبها .

كما يبحث فن الحرب في العوامل المؤثرة على تطور القوات من أجل التوصل إلى الفهم العميق لفن الحرب المعاصر ولآفاق تطوره في المستقبل .

إن التاريخ العسكري يبين لنا أن من الصعب فهم أي ظاهرة معاصرة فهماً صحيحاً إلا بشرط دراستها دراسة تاريخية بالارتباط مع الظروف الراهنة .

لهذا أصبح فن الحرب المعاصر حصيلة لتراكم خبرات الحروب الماضية التي تم استخلاصها خلال سنوات طويلة ، وأن الفهم العميق لهذا الفن لا يمكن إدراكه إلا على أساس دراسة تطوره منذ ولادته حتى وقتنا هذا .

لقد أدرك رجال الفكر العسكري أن الدراسة التاريخية لفن الحرب هي التي تسمح ببلورة الرؤية الواضحة التي يتطور من خلالها هذا الفن ، فيبدو في شكله الحاضر ، كما تتيح الدراسة لفن الحرب القدرة على التنبؤ العلمي الصحيح لتطورات فن الحرب المقبلة  استناداً إلى وسائط الصراع القائمة وظروف المجتمع الراهنة .

لقد كتب القائد العسكري الصيني ( سان تزو ) في القرن الرابع قبل الميلاد يقول : ( على أساس الخبرة العسكرية الماضية يتم تحديد الحاضر والمستقبل ) ؛ لهذا كان من الضروري دراسة الحرب الماضية ، حتى لو اختلفت وسائط الصراع المسلح ؛ لأن أنظمة القتال والكتب العسكرية تعطينا خلاصة التطور ونتائجه .

 

فالتاريخ لم يعرف حربين تشابهتا في الأسلوب بسبب اختلف وسائط الصراع وسرعة تطورها ، ومع هذا فإن مبادئ خوض الصراع المسلح التي استخلصت من الحروب الماضية سوف تحافظ على قواعدها .

إن مبادئ خوض الصراع المسلح التي استخلصت من الحروب السابقة تظل تضيء الطريق أمام القادة في العصر الحديث ، ومن أهمها مبدأ التوزيع غير المتساوي للقوى والوسائط على طول الجبهة ، والمحافظة على الغرض ، ومبدأ حشد القوى ، ومبدأ المفاجأة ، ومبدأ المناورة ، ومبدأ التعاون ، والروح المعنوية ، والاقتصاد في القوى ، وحرية الحركة وغير ذلك .

إن دراســة التجربة العسكرية والبحث في إسترايتيجية الملك عبد العزيز – رحمه الله – تؤهل الفكر العسكري السعودي لإيجاد عقيدة عسكرية متميزة ، لها خصائصها وأسسها العميقة ، كما تبلور مذهباً إستراتيجياً ، يثرى بقيمة الإنسانية والبشرية جمعاء .

 

القسم الأول : مسرح العمليات

إذا ذكرنا مسرح العمليات انصرف الذهن إلى الإطار الجغرافي الواسع والميدان الذي شهد الأحداث العسكرية والإسترايتيجية موضع البحث .

فإذا كانت الجزيرة العربية هي مسرح العمليات لفتوحات الملك عبد العزيز  – طيب الله ثراه – فإن الحديث عن مسرح العمليات يتطلب معرفة الصراع الدولي المواكب للأحداث ، كما أن الأحداث تستوجب إدخال الموقف الدولي في الحسبان ، وهو ما ذكره الملك عبد العزيز ، ووضعه في حسبانه ، فانتصر ، وهو أيضاً ما نسيه الأمير عبد العزيز بن متعب بن رشيد ، ولم يضعه في الحسبان ، فسبب له المتاعب ، وأدى به إلى الهزائم .

في أواخر القرن الثاني عشر للهجرة وأواخر القرن التاسع عشر للميلاد كان الموقف الدولي – وبخاصة في القارة الأوروبية – شديد التوتر ، لقد كانت الدول الاستعمارية تسعى إلى تقطيع أوصال الإمبراطورية التركية ، لكن هزيمة الجيوش العثمانية أمام الجيوش المصرية في معارك الشام عامي 1832 م و 1840 م قلبت المفاهيم، كما أظهرت عدة تداعيات ، هي :

أولاً : وهن الإمبراطورية التركية .

ثانياً : تحفز الروس للاستيلاء على الأملاك العثمانية للوصول إلى البحار الدافئة .

ثالثاً : ظهور وريث عربي إسلامي للإمبراطورية المتداعية ، مما قد يشكل خطراً جديداً على أوروبا  .

إن هذه التداعيات دعت كلاً من فرنسا وإنجلترا إلى إعادة النظر تجاه التعامل مع الإمبراطورية التركية .

ما إن نشبت حرب القرم بين روسيا وتركيا عام 1854م حتى تدخلت فرنسا وبريطانيا لصالح تركيا لإيقاف المد الروسي المتجه نحو البحار الدافئة ، لكن هزيمة فرنسا أمام الجيوش الروسية عام 1870م أتاحت للامبراطورية الألمانية الظهور على مسرح الأحداث الأوروبية بشكل لملحوظ ، لقد ظهرت ألمانيا كأقوى دولة عسكرية في أوروبا، وهذا ما أحدث خللاً في التوازن العسكري الدولي ، وهذا ما حدا بفرنسا إلى التحالف مع روسيا في مواجهة ألمانيا التي عقدت حلفاً مع النمسا .

أما بريطانيا فاتخذت كعادتها في مثل هذه الأحداث موقف الترقب والحذر ، لكنها عندما وجدت ألمانيا قد شيدت لها أسطولاً قوياً أخذ ينافس البحرية البريطانية سارعت بريطانيا إلى توقيع اتفاق مع كل من فرنسا وروسيا عام 1904م.

وبينما كانت الأحداث تتلاحق كان ثلة من الضباط الأتراك الذين بهرتهم الحضارة الغربية وساءتهم أحوال الإمبراطورية العثمانية ، يجتهدون في تكوين جمعية تركيا الفتاة التي ما لبثت أن سيطرت على مقاليد الحكم في البلاد التركية .

كان الأتراك مجمعين في ذلك العهد على أن عدوهم الأول هو روسيا ، ولأن هناك تحالفاً بين الفرنسيين والروس فقد أصبح نفور القيادة الشابة في تركيا من الفرنسيين أمراً طبيعياً .

 

وعندما طلبت تركيا المعونة من بريطانيا أثناء حربها مع إيطاليا التي استولت على (ليبيا)  و (جزيرة رودس) وبعض جزر (الدوديكانتيز) في 15 أكتوبر عام 1912م رفضت بريطانيا الاستجابة لطلبات القيادة التركية .

عندئذ اندفعت تركيا تجاه ألمانيا تنشد صداقتها ، لكن الحكم في تركيا ما لبث أن عاد إلى الائتلافيين ، وتشكلت وزارة مصطفى كامل باشا التي أعادت ترتيب خطواتها نحو فرنسا وبريطانيا .

لكن الائتلاف التركي ما لبث أن تداعى نتيجة للحرب بين دول البلقان وألمانيا، وعاد رجال تركيا الفتاة إلى الحكم ، وظهر على الساحة السياسية ( مصطفى كمال أتاتورك ) صاحب الميول الألمانية زعيماً بعد أن تولى قيادة الجيش في تركيا .

ما إن انتهت الحرب البلقانية الثانية في 3 فبراير من عام 1913م حتى أعادت تركيا بسط سيادتها على بعض أراضيها المفقودة في البلقان ، وهذا ما أدى إلى التوجه التركي نحو ألمانيا .

وعندما أعلن الغرب الحرب على الصرب في 28 يونيو 1914م اشتعلت الحرب العالمية الأولى ، وعندما أعلنت روسيا التعبئة العامة في أول أغسطس 1914م أعلنت ألمانيا الحرب على روسيا ، وبعد يومين أعلنت ألمانيا الحرب على فرنسا ، واتجهت جيوشها لغزو باريس ، عندئذ أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا ، وكان ذلك في 4 أغسطس 1914م ،وتلتها بريطانيا بإعلان الحرب على النمسا بيومين .

أما تركيا فقد حددت موقفها من هذا الصراع بأن أعلنت أنها لن تشترك في الحرب، لكنها لم تتخذ موقف الحياد الكامل ؛ لأنها أعلنت التعبئة العامة من باب الاحتياط ، وعندما وقعت تركيا معاهدة مع ألمانيا في 2 أغسطس 1914م أثار الموقف التركي مخاوف بريطانيا من تحرك إسلامي في الهند ومصر ضد المصالح البريطانية ، كما أثار الموقف التركي المخاوف البريطانية من القيام بأعمال عدائية في الخليج العربي ، مما يهدد المصادر البترولية في إيران ، كما خشيت بريطانيا من تهديد تركي لسلامة قناة السويس التي تعد الشريان الرئيس للتجارة البريطانية .

عندئذ بادرت بريطانيا بإرسال قواتها إلى مصر وإيران لحماية قناة السويس والبترول .

لقد دارت رحى الحرب العالمية الأولى في أربعة ميادين هي : الميدان الشرقي ، والميدان الغربي ، والقوقاز ، والأناضول .

لقد استطاعت بريطانيا إغراء الشريف حسين بن علي بأن يكون ملكاً للعرب ، فدخل الحرب مع بريطانيا دون أن يعلم بأن الملك لا يكون هبة ولا منحة ، بل هو تأهيل ومسؤولية .

لقد كان دخول الملك حسين الحرب كسباً عظيماً للحلفاء ؛ لأنه أخل بالتوازنات الدولية ، فقد صرف أنظار المسلمين عن تركيا إلى بريطانيا ، ولأنه كان حاكماً على الحجاز – والكعبة هي قبلة المسلمين – تقبل المسلمون التعامل مع بريطانيا ، إن سقوط بغداد وسقوط بين المقدس وتحالف الحسين مع الإنجليز وحصار المدينة المنورة من قبل الأشراف كل ذلك تسبب في انهيار الروح المعنوية لدى الأتراك ، مما أدى إلى هزيمتهم أمام بريطانيا، فرجحت كفة الحلفاء .

1- الجزيرة العربية :

لقد أصبحت العراق تحت إدارة عسكرية يرأسها المندوب البريطاني ، كما كانت مصر تعيش تحت الانتداب ، أما سوريا ولبنان فقد وضعتا تحت الإدارة الفرنسية ، وبقيت فلسطين وشرق الأردن من نصيب بريطانيا .

كانت الجزيرة العربية في ذلك العصر مقسمة إلى أجزاء مستقلة ، فالحجاز يسيطر عليه الأمير حسين بن علي ، ونجد مع بلاد شمر كانت تحت سلطان عبد العزيز بن رشيد ، أما السيد الإدريسي فقد كان يمارس نفوذه على عسير ، و( معاهدة دعان ) التي وقعت بين تركيا واليمن عام 1915م مكنت الإمام يحيى بن المنصور من حكم صنعاء وما حولها ، فكان بداية استقلال اليمن ، أما جنوب الجزيرة وعمان والكويت والبحرين ومسقط فقد كانت خاضعة للحماية الإنجليزية .

 

2- نجـــــد :

يعد إقليم نجد القطاع الذي يتربع على وسط الجزيرة العربية ، فيرى بعض الباحثين أنه يمتد جنوباً إلى حدود اليمن  مشتملاً على نجران وغيرها من المدن ، كما يمتد القطاع النجدي شمالاً إلى النفود الكبرى ، فتدخل فيه كل من حائل والقصيم  والجوف ودومة الجندل ، أما الغرب فيبدأ من منحدرات جبال الحجاز عند حضن حتى ينتهي إلى شرق المملكة ، فيشتمل على الأحساء بأكملها ، كما يرى بعض الباحثين أن إقليم نجد يصل إلى شواطئ الخليج ، لهذا كان الأتراك يطلقون على الأحساء لواء نجد .

في إقليم نجد كان عبد العزيز بن رشيد يجلس في حائل منتشياً بنصره على ابن الصباح في معركة ( الصريف ) عام 1318هـ / 1901م ، وكانت نفسه تشرئب إلى الشمال من حائل ، على حين كانت تهفو نحو الشمال الشرقي ، ولم يعبأ في زهو النصر بتحركات عبد العزيز آل سعود شرق الإقليم .

كانت القبائل في نجد تعيش ولاء ظاهراً لابن رشيد خشية بطشه ، على حين كانت تحتفظ بولائها الحقيقي للملك عبد العزيز وآل سعود .

3- الحجاز :

يعد الحجاز صقعاً من أصقاع الجزيرة العربية ، فهو يمتد على الشاطئ الشرقي للبحر الأحمر ، ومع أنه لا يملك حدوداً دقيقة مع الجهات الأخرى إلا أن كلمة حجاز تطلق على جبال السراة التي تفصل نجد عن تهامة .

أما امتداد الحجاز بين الشمال والجنوب فقد اصطلح على أن يبدأ شمالاً من عكرة، وينتهي إلى الليث جنوباً على حدود عسير .

كان الحجاز في النظام الإداري التركي ولاية قصبتها مكة مكرمة ، وكانت تنقسم إلى ثلاثة سناجق هي : ( مكة ، والمدينة ، وجده ) ، وفي آخر العهد العثماني تحول سنجق المدينة المنورة إلى متصرفية مستقلة ، يحكمها شيخ الحرم ومحافظ تركي ، هو قائد الجند .

 

والحجاز قسمان مختلفان : ( قسم ساحلي منبسط وهو ممحل وحار ، وقسم جبلي وعر ) ؛ أما شواطئ الحجاز البحرية فهي مرجانية توفر المناعة الطبيعية ، وبها مرافق آمنة ، وقيمة الحجاز الحقيقة تكمن في الحرمين الشريفين ، ويسكن الحجاز قبائل من البدو ، لكن المدن الكبيرة ساطت فيها دماء البدو بدماء أخرى ، فجعلت منهم شعباً يتسم بالمرونة ، ويتميز بالحس الحضاري .

كان الإنجليز قد غرروا بالملك حسين بن علي على الرغم من فطنته ، فملكوه الحجاز بعدما وقف هو وأبناؤه ضد الأتراك ، حتى أخرجوا الأتراك من شرق السويس، ثم أمروا عبد الله بن الحسين على شرق الأردن ، وملكوا فيصل بن الحسين على الشام ثم العراق .

لكن الملك حسين سرعان ما أدرك الورطة التي أوقعه الإنجليز فيها ، ففقد ثقته بالسياسة البريطانية ، وساد جو من عدم الثقة بينهما ، فقرر الحسين المضي وحده بعيداً عن السياسة البريطانية ، وأنى له ذلك ؟

لكن بريطانيا ظلت تتعامل معه كحليف لها ، ورغبت في نسيانه خيانتها له وللأمة العربية ، وحرصت عليه في تنفيذ مخططاتها شرق السويس .

4- الأحســاء :

تقع الأحساء شرق الجزيرة العربية ، وتغلب عليها الرمال التي تمتد من الكويت شمالاً إلى شبه قطر وصحراء ( الجافورة ) جنوباً ، فبينما تبتل أطرافها الشرقية بماء الخليج فإن ( الصمان ) يجفف حدودها الغربية .

والأحساء تكثر بها الينابيع والآبار ، فتتكون من جراء ذلك بحيرات صغيرة ، وفي الشمال من الأحساء تقع واحة القطيف التي تقع مدينة الدمام جنوبها ، وتتميز الأحساء بكثرة القرى حتى كانت تبلغ أربعين قرية .

بسط الأتراك سلطانهم على الأحساء عام 1288هـ، ثم دخلت تحت السيادة السعودية في العهد الأول أيام الإمام عبد العزيز بن محمد ، وقد فتحها ابنه محمد ابن سعود الكبير سنة 1198هـ / 1783م إلى أن استولى عليها المصريون في عهد محمد علي باشا .

كانت سياسة الأتراك في الأحساء في آخر عهدها تقوم على التفريق بين القبائل والتحالف مع الأقوياء والتسلط على الضعفاء ، كانت الأوضاع الاقتصادية في الأحساء قبل دخول الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن تتدهور يوماً بعد يوم ، كما كان لعدم استتباب الأمن الأثر الأكبر على غياب المشروعات الاقتصادية التي من شأنها استثمار المناطق الخصبة .

لقد تأثرت الحركة التجارية بين الأحساء وداخل الجزيرة العربية ، مما أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار السلع التموينية في نجد .

5-   عســير :

كانت عسير محكومة بآل عائض ، وقد نسب بعض المؤرخين آل عائض إلى الأمويين ، وأنهم قد نزحوا إلى عسير بعد سقوط الدولة الأموية (1) ، على حين كان آخرون ينسبون آل عائض إلى قبيلة مغيد القحطانية (2) .

ولأسرة آل عائض ارتباط بآل سعود عبر الدعوة السلفية عن طريق محمد بن عامر معروف بأبي نقطة وأخيه عبد الوهاب بن عامر ، وهما من آل المتحمي من رفيدة ، وقد وفدا إلى الدرعية طلباً للعلم .

وعندما أراد الإمام عبد العزيز بن محمد غزو عسير بعث إليها بسرية مقاتلة على رأســــها ربيع بن زيد الدوسري ، وأرسل معه محمد بن عامر أبا نقطة وأخاه عبدالوهاب ابن عامر .

ما انصرم عام 1215هـ / 1800م حتى كانت عسير قد دخلت في طاعة الإمام عبد العزيز بن محمد ، عندئذ انطلقت الدعوة إلى القبائل والقرى المجاورة ، وانتشرت في تهامة وبني شهر ، حتى بلغت قريباً من صعدة باليمن .

لقد أسندت إمارة عسير إلى محمد بن عامر الذي ظل بها أميراً حتى توفي بعد سنتين؛ أي عام 1217هـ / 1802م ، ثم أسندت الإمارة إلى أخيه عبدالوهاب الذي ظل في إمارته حتى عام 1224هـ /1809م؛ إذ قتل في معركة بينه وبين حمود بن محمد في وادي (بيش) إثر خروج حمود عن طاعة الإمام سعود بن عبدالعزيز بن محمد ، ثم تولى بعده ابن عمه ( طامي بن شعيب المتحمي ) الذي واجه الجيش المصري بقيادة (عبدالحميد باشا) عام 1230هـ/ 1815م والذي ألقى عليه القبض ، وبعث به إلى مصر ، ومنها إلى أستنبول ، فأعدم فيها (3) ، وقد استمرت إمارته من عام 1225 حتى عام 1230هـ، وفي تاريخ الجبرتي شيء من التفصيل .

برز في عسير اسم سعيد بن مسلط على رأس قبائل بني مغيد ، وقد تولى الإمارة عام 1239هـ / 1824م ، كانت معظم أيامه قتالاً مع الشريف عون ، ثم تدخل (أحمد باشا ) والي الأتراك على الحجاز ، وبعد معارك مضنية عقد الصلح بينهم .

بعد وفاة سعيد تولى الإمارة ( علي بن مجثل ) عام 1242هـ / 1827م ، وكان موالياً لآل سعود ، فنشر العدل والعلم والأمن في ربوع عسير ، ففزع منه الشريف محمد عون ، وأشغل الله عنه الأتراك والمصريين ببعضهم ، فتفرغ لإخضاع القبائل في عسير ، كما أخضع تهامة ، حتى امتد نفوذه إلى الحديدة عام 1246هـ / 1831م، وعيَّن ابن عمه محمد بن مفرح أميراً على تهامة .

بعد وفاة علي بن مجثل في 12 شوال 1249هـ/1834م بايع الناس (عائض بن مرعي المغيدي ) ، وبعـــد سنه من ولايتــه زحف الأتراك على عسير ، ومعهم الشريف ( محمد بن عون ) ، وهزم عائض بن مرعي في وادي  ( عتود ) بين أبها وخميس مشيط، وسقطت أبها بيد الأتراك .

لكن الأمير عائض بن مرعي كر عليهم بعد أن أعاد تنظيم قواته وجمعها ، فطرد الغزاة من عسير ، لكن الأتراك عادوا في عهد خلفه ( محمد بن عائض ) ، واستولوا على أبها بقيادة ( محمد رديف باشا ) ، وظل الأتراك في عسير من عام 1289هـ –1333 هـ/ 1872م –1914م .

ومع هذا فقد أخذت تركيا تستعين بآل عائض في إدارة البلاد ، وكان آخر مساعد للمتصرف التركي هو الأمير حسن بن علي ، لقد كان الشعور العام في عسير هو الولاء لآل سعود على الرغم من الحكم التركي ومن الانكماش الذي اعترى العهدين السعوديين الأول والثاني .

فزكاتهم كانت تدفع لآل سعود ، وعلماؤهم كانوا يأخذون بمذهب السلف ، وعندما استبد حسن بن عائض واتسعت المظالم في عهده بعثت القبائل بوفودها إلى الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن تشكو من أميرها ، لقد ظلت عسير وتهامة طوال قرنين من الزمان حتى توحيد الجزيرة وأهلها وحكامها وقبائلها أشد ارتباطاً بآل سعود .

 

القسم الثاني : الخطط الإستراتيجية

لم يكن الملك عبد العزيز – رحمه الله – عفوياً تسيره الأحداث ، بل كان إستراتيجياً يوجه الأحداث ، فالباحث العسكري – عندما يتتبع خطوات الملك عبدالعزيز في مسيرته لتأسيس هذا الكيان العظيم – يجد أنه قام على أسس من التخطيط الدقيق الذي لا يعرف إلا عند كبار القادة الذين صنعوا التاريخ .

لقد عزز الملك عبد العزيز – رحمه الله – قاعدته الأساسية في الرياض ، لينطلق منها إلى فتوحاته ، فجعلها على مراحل أهمها : مرحلة التكوين الإستراتيجي  ، ثم مرحلة الانتشار الإستراتيجي  ، ثم مرحلة تشكيل الكيان السياسي الواسع المتمثل في المملكة العربية السعودية التي تحتفل اليوم بمرور قرن على إنشائها ، فكانت المنظومة الإستراتيجية .

المرحلة الأولى : مرحلة التكوين الإستراتيجي :

لقد بدأ التصور عند الملك عبد العزيز لبناء الكيان الإستراتيجي إثر معركة الرياض الأولى ، فقد كانت عملاً استطلاعياً وتجربة قتالية .

والتخطيط الإستراتيجي ليس عملاً خيالياً ، بل هو عبارة عن خطط تأتي إثر الحصول على معلومات دقيقة ، تبنى عليها التصورات ، وترسم على هديها الخطط .

إن التكوين الإستراتيجي لا يتم إلا باستعادة جميع الأراضي التي تشكل الكيان السياسي ودحر الأعداء الذين يقفون ضد هذه الأهداف .

لهذا استغرقت مرحلة التكوين الإستراتيجي للمملكة العربية السعودية واحداً وعشرين عاماً بدءاً من الوصول إلى نقطة الانطلاق نحو الهدف الرئيس في الرياض من واحة ( يبرين ) في 29 رجب 1319هـ الموافق 12/10/1901م، وانتهاء باستسلام (حائل) في 29 صفر عام 1340هـ الموافق 2/11/1921م.

1 – استرداد الرياض :

بدأ الملك عبد العزيز بهجوم مدبر على الرياض ، يسير وفق خطة عسكرية دقيقة، كانت العملية في ظاهرها أشبه بمغامرة غير محسوبة ، فكيف لشاب في مقتبل العمر أن يهاجم معقلاً من أهم معاقل ابن رشيد برجال لا يتجاوز عددهم الأربعين، وتسليح لا يتعدى ثلاثين بندقية ، ووسائل للمواصلات قوامها ثلاثون جملاً ، وأموال محدودة لمقدار أربعمائة روبية هندية ؟!

وهكذا أراد الملك عبد العزيز ؛ حتى لا يصبح الأمر حافزاً لأعدائه للسرعة في ملاقاته قبل أن يفرغ من تأمين قاعدته في الرياض .

أ‌-            الموقف العام :

كان الموقف العام ممثلاً في الآتي :

1-   نفور كويتي من الأتراك وعداء شديد لآل الرشيد في حائل نجم عنه اتفاق بين الكويت والإنجليز عام 1899م .

2-   تحفز من الملك عبد العزيز ووالده الإمام عبد الرحمن بن فيصل لاسترداد الرياض وبقية المناطق في نجد بعد أن خرجوا منها ، وظلوا ضيوفاً على أمير الكويت منذ عام 1309 هـ .

3-   استعداد في حائل وإمداد بالسلاح لأميرها عبد العزيز بن متعب آل الرشيد من قبل الأتراك لتأديب أمير الكويت الذي ظاهر الإنجليز على الأتراك ، ومن ثم انتصار على الكويت في موقعة ( الصريف ) عام 1318هـ / 1901م.

ب‌- الموقف الخاص :

ويتركز في انتهاز الملك عبد العزيز لفرصة الحرب بين آل الصباح في الكويت وآل الرشيد في حائل ، فأبدى دعماً لآل الصباح بأن قام بالهجوم على الرياض بجيش قوامه ألف مقاتل ، فأفاده في الاستطلاع لمواقع العدو في الرياض والاتصال بالقوات الصديقة والتعرف على طرق الاقتراب وطبيعة الأرض ، وكان ذلك في عام 1318هـ/ 1901م.

لقد راعى الملك عبد العزيز في هجومه الأول عدة أمور تكتيكية هي : السرية ، والحشد، والمفاجأة ، والمرونة ، والخداع ، والمناورة ، وخفة الحركة ، والإخفاء والتمويه، والمبادرة ، وقوة النيران ، والقوة المعنوية ، والصدمة التكتيكية . وكان من نتائج ذلك الآتي :

1-   التعرف على مسرح العمليات في الرياض بشكل خاص ، ونجد بشكل عام .

2-   كسب التأييد والولاء من القبائل ، وتعزيز مواقف الأصدقاء .

3-   ألقى في روع ابن رشيد أن القضية مرتبطة بالتحرك الكويتي ، وسوف تنتهي بانتهائها ، مما أدى إلى تضليله .

4-   رصد المواقع والأهداف المستقبلية .

ج – الهجوم الثاني :

في الهجوم الثاني على الرياض الموقف العام لم يتغير ، أما الموقف الخاص فقد قرر الملك عبد العزيز  الآتي :

1-   الاستيلاء على الرياض وتكوين قاعدته الإستراتيجية  للانطلاق نحو أهدافه .

2-   الاعتماد على إمكاناته الذاتية.

3-   إجراء العملية في هدوء دون إثارة أو استثارة لابن رشيد ؛ حتى لا يتقدم قبل تحصين الرياض .

4-   ارتكز الملك عبد العزيز بشكل رئيس على عنصرين هما : المفاجأة ، والاقتصاد في القوى ، وذلك عن طريق إخفاء نية الهجوم  حتى عن قواته وعدم أخذه من القوات إلا بضع عشرات لا يتجاوزون الأربعين ، ثم انضم إليهم عشرون .

د– سير العملية :

جمع الملك عبد العزيز مفرزته الصغيرة شمال شرق الربع الخالي في واحة (يبرين)، فأخذ منهم البيعة ، وحدد لهم المهمة أول مرة ، فجعل منها ( منطقة للتجمع)، ومع غروب يوم عشرين من رمضان سنة 1319هـ الموافق ديسمبر 1901م  تحركت هذه المفرزة في عملية اقتراب خفي نحو الهدف بعد أن انضم إليها عشرون من الأنصار ، ومع فجر اليوم الأول من شوال 1319هـ وصلت المفرزة إلى تلال ( أبو جفان ) ، ثم تابعت سيرها نحو الهدف ، وعلى مسافة عشرة كيلو من المترات جنوب الرياض توقفت عند شعب ( الشقيب ) شرق مصنع الجبس حالياً ، وجعل من هذا الشعب ( خطاً للبدء ) .

استبقى الملك عبد العزيز قوة احتياط مكونة من عشرين رجلا مع التموين والدواب عند جبل ( أبي غارب ) ، وتحرك بقوات خفيفة نحو الهدف ، وكان ذلك في الثالث من شوال ، واستقر خارج الأسوار شرق الرياض في بساتين كان تعرف بالشميسي ، وتعرف اليوم ( بحي العود ) ، وجعل من هذه البساتين ( خطاً للتشكيل ) .

في هذا الموقع أعاد الملك عبد العزيز تشكيل قواته ، فجعلها على نسقين :

نسق الاقتحام : وجعله تحت قيادته الشخصية ، وعددهم ثمانية مقاتلين . ونسق الإسناد واستغلال النجاح : وجعله تحت قيادة أخيه محمد بن عبد الرحمن ، ومعه ثلاثة وثلاثون مقاتلاً .

يقوم النسق الأول بجمع المعلومات عن والي الرياض من قبل ابن رشيد المعروف بالأمير عجلان ، والتأكيد من مكان نومه أهو في الحصن أم في القصر ؟

تمكن النسق الأول من الحصول على المعلومات المطلوبة عن طريقتين : القوة من خلال الأسرى المخطوفين ، والاستطلاع عن طريق الأنصار والمؤيدين .

ولما تبين للملك عبد العزيز أن الأمير عجلان ينام في الحصن قرَّر انتظاره خارج الحصن للقضاء عليه أثناء توجهه إلى القصر .

سارت المعركة بدقة كما ينبغي ، ودارت معركة القصر ، وتبادل الطرفان النيران بعد أن انضم إليهم النسق الثاني ، وتم التماسك بالأيدي .

اشترك في المعركة أربعون من طرف الملك عبد العزيز ، وثمانون من طرف والي الرياض ، وقُتل الوالي ( الأمير عجلان ) ، قتله الأمير عبد الله بن جلوي ، كما قتل أربعون من الأعداء ، وتكسر أربعة سقطوا من الجدار ، وحوصر الباقون ، فأمَّنهم الملك عبد العزيز على أرواحهم .

عندئذ رفع الملك عبد العزيز صوته قائلاً : ( الله أكبر ، الملك لله ثم لعبد العزيز)، وتردد النداء في أنحاء الرياض ، فكان له الأثر المعنوي البالغ في نفوس الجميع .

بدأ الملك عبد العزيز بإعادة تنظيم قواته وتحصين مواقعه والاستعداد للمفاجآت ، ثم أرسل ناصر بن سعود إلى الكويت ؛ ليبشرهم بالنصر ، ويطلب منهم المدد ، وبدأ الملك عبد العزيز في اليوم الثاني بترميم سور الرياض بعد أن أمَّن أهل الرياض على أرواحهم وأموالهم .

بعد شهر جاء سعد بن عبد الرحمن بمائة رجل مدداً مع بعض الذخيرة من الكويت ، وكان بناء السور قد أنجز ، والأمن قد ساد المنطقة ، عندئذ توافد أهل نجد مبايعين ، فاجتمع لدى الملك عبد العزيز قوة قوامها ألف رجل ، كلهم من نجد ، كان الصيف قد أقبل ، فاستدعى الملك عبد العزيز والده من الكويت ، فقدم اليه .

هـ – الدروس المستفادة :

لقد أظهرت هذه العملية الآتي :

1-   أهمية التخطيط الجيد وأثره على سير العملية .

2-   المفاجأة وأثرها في إحداث الشلل في صفوف الخصم وإرباكه .

3-   أهمية استخدام الأسلوب العلمي المدروس في إخفاء التقدم والاقتراب من الهدف.

4-   أهمية الاستطلاع الجيد للأرض ، ودراسة طبوغرافية الموقع ، وطرق الاقتراب ، والتعرف على الهدف ، والاستفادة من طبيعة الأرض ، والانتفاع من الموارد المحلية .

5-   استغلال نقاط الضعف عند العدو .

6-   التعرف على أثر الجانب المعنوي على القوة المهاجمة في رفع كفاءة القوات ، وأهمية تعاطف السكان .

 

 

2– تأمين الجبهة الجنوبية :

لقد بنى الملك عبد العزيز خطته الإستراتيجية  على حصر العدو ومواجهته في جبهة واحدة اقتداء بالنبي e  عندما أراد الخلاص من التهديد الشمالي المتمثل في قاعدة خيبر إثر غزوة الأحزاب .

كانت جبهة الملك عبد العزيز الشرقية مأمونة إلى حد ما ، كما كانت جبهته الغربية حافلة بالمؤيدين الذين لم يتمكن ابن رشيد من كسب ولائهم ، وإن كان قد سيطر عليهم ، لهذا تحرك – رحمه الله – لتأمين الجبهة من أجل حشد التأييد وتأمين العمق الإستراتيجي ، واستدرج ابن رشيد إلى مواقع يصطاده فيها ، ومساحات تذيبه في الصحراء ، فتصرفه عن أهدافه الإستراتيجية  .

انتهى الملك عبد العزيز من تعزيز مواقعه في مدينة الرياض ، فأعاد بناء سورها ، كما قام بتوزيـــع الســــلاح من مخازن آل رشيد على المؤيدين ، ثم حضر والده الإمام عبد الرحمن من الكويت ، عندئذ أصبح – رحمه الله – قادراً على مواجهة ابن رشيد، وقتها اتجه إلى الجبهة الجنوبية المتمثلة في الخرج والأفلاج وحوطة بني تميم ووادي الدواسر .

اتجه الملك عبدالعزيز إلى الجنوب ، وبهذا وضع ابن رشيد أمام خيارين :

الخيار الأول : أن يهاجم ابن رشيد الرياض ، فإن هاجمهم دون أن يكون قد أعد للأمر عدته فسوف يواجه بتحصينات قوية ، تفتت هجماته ، وسيتعرض لقوات الملك عبد العزيز تطوقه من الخارج فتقضي عليه .

وهذه النظرية الإستراتيجية أشار إليها القائد الصيني الشهير ( سان نزو ) قبل الميلاد في كتابه عن الإستراتيجية ؛ إذ قال : ( إذا هاجمت قوة معادية مدينة محصنة  وطوقتها قوة صديقة فإن القوة المعادية سوف تتعرض للتدمير الكامل ) .

الخيار الثاني : أن يتجه ابن رشيد إلى الجنوب حيث الملك عبد العزيز ، فيذوب في الصحراء بين قسوة الطبيعة وحرارة الأجواء وشح المياه ، كما يتعرض للضربات المفاجئة كلما رغب في الراحة والاستقرار ، وتصبح خطوط إمدادته طويلة ، كما يبعد عن أنصاره ومؤيديه .

لقد كانت إستراتيجية الملك عبد العزيز جنوب الرياض أشبه بإستراتيجية حرب الأنصار التي تبناها ( ماوتس تونج ) الزعيم الصيني الراحل ونظرها ، وخطة الملك عبدالعزيز أشد الشبه بإستراتيجية ( الوسادة الناعمة ) التي تعامل بها الروس في مواجهة المهاجمين ، فواجهوا بها نابليون بونابرت مع بداية القرن الثاني عشر ، كما واجهوا بها هتلر في منتصف القرن العشرين ، فتسببت في هزيمة الاثنين .

أ‌-            الموقف العام :

1-   في حائل : كان عبد العزيز بن متعب بن رشيد يعسكر بقواته في الحفر ، ويستعد للهجوم على الكويت لاحتلالها دون مبالاة بالأوضاع والتوازنات الدولية ودون حسبان لما يقوم به الملك عبد العزيز في الرياض وجنوبها ، لكنه كان ضائقاً بالتلكؤ التركي في تقديم المساعدات له .

2-   في الكويت : اعتمد الشيخ مبارك الصباح سياسة دفاعية مستنداً على حماية الإنجليز لأراضيه دون القيام بأعمال تعرضية .

3-   في الرياض : استكمل الملك عبد العزيز تحصينات الرياض ، وقام بتخزين المواد التموينية ، كما قام بتوزيع الأسلحة على أنصاره ومؤيديه ، واعتمد بذلك أسلوب ( الدفاع المتحرك ) ، وذلك بالاستعداد للحصار في مواجهة القوات المهاجمة وصدها وتدميرها ، كما عمد إلى إعداد القوات جنوب الرياض للتدخل لتطويق ابن رشيد والقضاء عليه إذا غامر بحصار الرياض .

ب‌-       الموقف الخاص :

لقد بنى الملك عبد العزيز خطته على الآتي :

1-   تأمين الرياض : وذلك بضم جنوبها وجنوبها الغربي ، حتى يستكمل كيانه الإستراتيجي  .

2-   التوجه نحو جنوب الرياض : لتوفير الحماية لقاعدته ، ومد عمقه الإستراتيجي  ، وجر ابن رشيد لمواقع اختارها هو ؛ لهذا فتح المدن في الجنوب وحصنها .

3-   أودع – رحمه الله – مفرزة من جنده في كل قرية لتنظيم المقاومة ولصد ابن رشيد إذا ما تقدم نحوها .

4-   اعتمد مواكبة التحرك الديني للتحرك العسكري في خطته لفتح المدن والقرى جنوب الرياض ، فاعتمد مبدأ الدعوة والنصح دون الحرب والإكراه .

5-   حافظ – رحمه الله – على الاتصال بالرياض لتقديم الدعم والمساعدة والتدخل لضرب القوة المهاجمة إذا ما فرضت حصاراً حول الرياض .

ج –  عوامل النجاح :

1– اعتمد الملك عبد العزيز – رحمه الله – على الجانب المعنوي إلى أقصى حد ، كما وظف قدراته الشخصية في كسب الولاء من القبائل والأفراد ، كما اعتمد على الجانب العسكري في ضرب الفئات المعادية وتدميرها إذا اقتضى الحزم ذلك .

2– قام – رحمه الله – بتهيئة الكوادر من أنصاره للحكم ، فأمَّرهم على القرى ، وحكمهم في القبائل  ، وشكل بهم عناصر المقاومة الشعبية ضد قوات ابن رشيد .

3– اعتمد – رحمه الله – المذهب السلفي منهجاً وعقيدة ، فبثها بين القبائل والقرى؛ لأنها تقضي بالسير على ما جاء به النبي e من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تجسيد ولا ابتداع ، فانتشرت الدعوة من جديد في أرجاء الجزيرة العربية المتقدمة على الفتوحات العسكرية ، لقد كان للدعوة السلفية أكبر الأثر في كسب المؤيدين ؛ لأنها تقضي بأن الولاء لله ، والطاعة لأولي الأمر .

د–  سير العملية القتالية :

بدأ عبد العزيز أولى خطواته بأن نزل ضيفاً على بني تميم في الحوطة ، فجاءته القبائل مؤيدة ومبايعة ، لقد انضمت إليه الخرج والدلم والحوطة والحريق والأفلاج ووادي الدواسر وما حولها .

 

نجحت دعوته الدينية والسياسية والحربية ، فأصبح أميراً على نجد وناصراً للدعوة، كما نظّم جيشه ؛ بأن تتولى كل قرية جمع المناصرين والمؤيدين ، وتكوين قوات برئاسة واحد من أتباعه ، ومؤازرة قليل من رجال الملك عبد العزيز ، وبهذا يكون قد درب أتباعه على ممارسة الحكم والإدارة وتحمل المسؤولية ، فأصبح من واجب كل قوة الدفاع عن نفسها حتى يصلها العون من القوة الرئيسة .

وبهذا يكون الملك عبد العزيز – رحمه الله – قد سن تنظيماً في الإدارة العامة والمحلية لم تعهده الجزيرة العربية من قبل  منذ عهد الخلفاء الراشدين ؛ إذ كان المتعارف عليه أن يعيَّن أمير على أكبر مدينة ، فيتولى السيطرة على باقي القرى والمدن ، فإذا سقط الوالي سقط الجميع ، وهو ما حدث لعجلان والي الرياض .

3– إحباط خطط ابن رشيد :

كان الأمير عبد العزيز بن متعب بن رشيد قائداً عنيداً لا يلين ، وشجاعاً لا يعرف الخوف ، وحازماً لا يتردد ، كما كان واسع الحيلة شديد النقمة ، لكنه لا يلقي بالاً للتأييد الشعبي ، ولا يقيم وزناً للمواقف الدولية ، أدرك أبعاد استعادة الملك عبد العزيز للرياض ، فتقدم من ( الحفر ) إلى ( بنبان ) متجهاً شطر الرياض .

بدأ زحفه في شهر ربيع الأول من عام 1320هـ / 1902م ، ولما وجد أن الرياض قد أصبحت منيعة بحصونها أدرك بثاقب نظره المكيدة التي يدبرها له الملك عبد العزيز ، فاتجه لملاقاته في الجنوب .

فإذا كان ابن رشيد قد أفلت من خيار الملك عبد العزيز القاتل فقد وقع في الخيار الثاني المجهد لقواته ، فكان أول صدمة تلقاها على مشارف بلدة ( السلمية ) عندما فوجئ بوقوف السكان ضده وشنهم حرباً شعبية على قواته ، فتعذر عليه دخولها أو الانتفاع من الموارد المحلية والمياه ، مما أفقده خطوط مواصلاته وإمداداته .

لقد صدته بلدة ( السلمية ) ، فاتجه إلى ( نعجان ) التي لم يتمكن من دخولها ، ثم قصد ( الدلم ) ، فكانت هي الفخ ، وعندها تمت المواجهة الأولى مع الملك عبدالعزيز .

أ‌-            المواجهة الأولى مع ابن رشيد :

علم الملك عبد العزيز بتحرك ابن رشيد إلى ( الدلم ) ، فأغذَّ السير متجهاً إليها في غسق الليل منطلقاً من حوطة بني تميم ، وفي الدلم دارت بينه وبين ابن رشيد أول مواجهة قتالية ، تكبد فيها ابن رشيد خسائر فادحة ، لقد التف عليه الملك عبد العزيز ، فصده حين هجم على ( الدلم ) ، ثم قام بهجوم مضاد على قوات ابن رشيد فهزمه ، وطارده إلى ( السلمية ) ، ثم هزمه ثانية ، وأجبره على الارتداد شمالاً في اتجاه حائل .

فوجئ ابن رشيد بالتنظيم الجيد والتخطيط السليم الذي لم يعهده في معارك الجزيرة العربية ، كما فوجئ بقوة الملك عبد العزيز التي كان يعتقد أنها أضعف من ذلك، فأدرك أنها يواجه قائداً إستراتيجياً ينظر إلى الأمور بأبعادها .

لقد تقهقر ابن رشيد من حيث أتى ، والملك عبد العزيز يتعقبه ، حتى أخرجه من نصف نجد .

ب‌-             التوجه نحو الكويت :

جمع ابن رشيد فلوله ، واتجه نحو الكويت ، حتى يعتقد العرب أنه عاد منتصراً ، وأنه فرغ من لقائه مع عبد العزيز باختياره ، فحاصر الكويت ، لكن الشيخ مباركاً الصباح استنجد بالملك عبد العزيز الذي أعد عشرة آلاف من المقاتلين ، وسار بهم لملاقاة ابن رشيد عند الكويت .

ما إن زحف الملك عبد العزيز في اتجاه الكويت حتى انضمت إليه ثلة من قوات ابن صباح ، عندئذ بادر ابن رشيد إلى الانسحاب نحو قاعدته في ( حائل  ) .

عاد الملك عبد العزيز إلى نجد ، ونزل ببلدة ( جلاجل ) بسدير ، وتسامعت القبائل بأنباء انتصاراته وعدله وكرمه ، فوفدت عليه مبايعة وموالية ، فانضمت إليه مدن ( الوشم ) وقراها و( سدير ) ماعدا ( المجمعة ) التي ظلت على ولائها لابن رشيد .

        جـ – الدروس المستفادة :

لقد نجم عن هذه العملية عدة دروس ، أهمها:

1-         أظهرت العملية أهمية التخطيط المتتابع والأخذ في الحسبان كل الاحتمالات .

2-         أظهرت العملية أهمية التقدير السليم للموقف الذهني والاعتبار الدقيق لعاملي الوقت والمسافة في لقاء العدو .

3-         أظهرت العلمية أهمية العامل الديني وأثره في رفع المعنوية وتوحيد الصفوف .

4-         أظهرت العملية أهمية شن الحروب الشعبية لإرهاق الخصم وإضعافه ومن ثم الانقضاض عليه .

5-         أظهرت العملية أهمية السيطرة على الموقف والمحافظة على مبدأ المبادرة والمبادأة، وعدم تركها للعدو حتى هزيمته وطرده خارج المنطقة .

6-         أظهرت العلمية أهمية الالتفاف على العدو ومفاجأته في مواقع لا يتوقعها وجره إلى مواقع لا تتناسب مع إمكاناته .

7-         أظهرت العملية أهمية التفاف السكان حول القائد وأثر شخصيته المباشرة في كسب الولاء والتأييد .

8-         حافظ الملك عبد العزيز على خطوط مواصلاته وتموينه سليمة طوال العملية .

4– دخول القصيم :

كان القصيم بمدنه وقراه تحت سيطرة ابن رشيد ، أما الولاء فكان مختلفاً ، فإذا كانت سيوف أهل القصيم مع ابن رشيد فإن قلوبهم كانت مع الملك عبد العزيز ، وهنا يظهر الفرق بين السيطرة والولاء ؛ فالسيطرة قد تكون بالإكراه ، لكن الولاء لا يكون إلا بالحب ، كان أهل القصيم يخشون سطوة ابن رشيد وانتقامه ، لكنهم كانوا يحتفظون بولائهم لآل سعود ، وقليل منهم كان يوالي ابن رشيد ، أو يحتفظ بشيء من ولائه للدولة العثمانية .

        أ    خطة الملك عبد العزيز الإستراتيجية  :

بعد الانتصار الذي أنعم الله به على الملك عبد العزيز رغب في استكمال كيانه الإستراتيجي، فأعد نفسه للتقدم إلى القصيم متجهاً نحو ابن رشيد ، لقد بنى كيانه التكتيكي على جعل الرياض قاعدة للانطلاق .

 

لقد فكر في استغلال النقمة الدفينة في قلوب أهل القصيم على ابن رشيد ، كما حاول أن ينزع من نفوس أهل القصيم الاعتقاد بأنه يريد التسلط على رقابهم أو الطمع في أراضيهم وأموالهم .

قرر الملك أن يبعث إلى أمير الكويت بطلب إرسال اللاجئين لديه من أهل القصيم الذين فروا من وجه ابن رشيد ، وعلى رأسهم ( آل مهنا ) أمراء ( بريدة ) و(آل سليم ) أمراء ( عنيزة ) ؛ ليعيدهم إلى أوطانهم وإماراتهم .

ب – سير العملية :

استجاب اللاجئون من أهل القصيم ، فتوافدوا على الملك عبد العزيز في (جلاجل ) حتى بلغوا مائتي مقاتل ، فضمهم إلى قواته ، ثم رحل بهم إلى ( الزلفي ) .

رفض أهل القصيم فتح ثغرات للملك عبد العزيز ليتقدم منها خشية من عقاب ابن رشيد وانتقامه ، فضاقت بالملك عبد العزيز الأحوال في ( الزلفي ) بسبب الجفاف وقلة التموين ، فقرر العودة إلى الرياض .

ما إن رأى ابن رشيد انسحاب الملك عبد العزيز إلى الرياض حتى غادر (الأرطاوية) مرتداً إلى ( البطين ) ؛ لأنه تقدم لملاقاة الملك عبد العزيز ، ولما تراجع الملك عاد هو أدراجه .

لكن ابن رشيد بعث بسرايا قتالية لتأمين مدن القصيم ، فرابطت في كل من : (الوشم ) و( عنيزة ) و ( بريدة ) ، وهي مثقلة بالسلاح والذخيرة ، وأمَّر عليها واحداً من آل الرشيد ، هو ( ماجد الحمود الرشيد ) .

في هذه الأثناء ثارت قبائل الشمال ضد ابن الرشيد ، فاستنجدت به قبائل شمر، فترك عبد العزيز ابن رشيد ( البطين ) متجهاً نحو الشمال لإخماد الثورة .

انتهز الملك عبد العزيز فرصة انشغال ابن رشيد بفتنة الشمال ، فتقدم في أواخر شهر ذي الحجة من عام 1321 هـ متجهاً إلى عنيزة ، فهجم على سرية ابن رشيد المرابطة بين ( الفيضة ) و ( السر ) بقيادة ( حسين بن جراد ) ، فشتت القوة ، وقتل قائدها ، وغنم الكثير من السلاح والذخائر ، وعاد بها إلى الرياض ، وعلى إثر انتصاره انضمت إليه قبائل ( حرب ) التي تستوطن ( السر ) و( القصيم ) .

وما هي إلا أيام معدودات حتى خرج الملك عبد العزيز متظاهرا بأنه يريد الكويت، لكنه كان ينوي القصيم متأسياً في ذلك بالنبي e الذي كان يتجه في معظم حروبه عكس ما يقصد ، ثم يتجه نحو الهدف الصحيح .

انقض الملك عبد العزيز على بلدة عنيزة ، فدمر سرية ابن رشيد التي بها ، وقتل قائدها ( فهيد السبهان ) ، وعيَّن ( ابن سليم ) أميراً عليها .

ثم أرسل الملك عبد العزيز قوة ثانية إلى ماجد الحمود الذي كان معسكراً خارج عنيزة ، فهرب ماجد ، لكن أخاه ( عبيد بن حمود ) قتل في المعركة .

أما مدينة ( بريدة ) فقد دخلها الملك عبد العزيز دون مقاومة من أهلها ، لكن حاميتها امتنعت عن التسليم ، وبقيت داخل القصر محصنة أكثر من ثلاثة أشهر ، ثم استسلمت بعد أن قصفها وسقط جانب من سورها ، فدانت له بريدة بالكامل عام 1322هـ .

1- المواجهة الثانية مع ابن رشيد :

أثار انتصار الملك عبد العزيز الضغينة في نفس ابن رشيد ، كما أثار انتصار الملك المخاوف لدى الدولة العثمانية على نفوذها في الجزيرة العربية ، فأمدت ابن رشيد بالرجال والسلاح والمال بعد تلكؤ دام طويلاً ، كما بعثت بالمشير ( أحمد فيضي باشا ) الخبير التركي في حروب الصحراء لدعم قوات ابن رشيد .

زحف ابن رشيد بجيشه العظيم المعزز بالمدافع الألمانية التي بلغ عددها أحد عشر مدفعاً لدك المدن والحصون وتدمير التجمعات وتحطيم المعنويات ، فنزل بلدة ( الكهفة ) ثم ( القرعاء ) .

وحقناً للدماء – وهو شأن الملك عبد العزيز – في حروبه بعث إلى ابن رشيد بمندوبه (فهد الرشودي) وهو من أعيان بريدة بدعوة إلى الصلح وحقن دماء المسلمين، فاعتقد ابن رشيد أن الملك قد دفعه الوجل إلى ذلك ، فرد ابن رشيد قائلاً : ( من يريد أن يحكم نجداً عليه ألا يتضجر من  الحروب ، ولا يخاف الموت ، وهل يصالح من بيده القوة قوة الدولة العثمانية ؟ ) ، ثم هدد ، وتوعد .

استشار الملك عبد العزيز رجاله ، وكان أحدهم – وقد هالته قوة ابن رشيد – قد اقترح الانسحاب ، لكن الملك عبد العزيز أجاب قائلاً : ( إن جيشاً لا يتجاوز الثمانية آلاف لهو قليل بالنسبة لجيش ابن رشيد ، ولكني سأحارب معتمداً على الله سبحانه ، وعلى قوة إيماني وثقتي بربي ، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ، والله مع الصابرين ، فتوكلوا على الله ، واستعينوا بالله ، فالله معكم ، ولن يتخلى عنكم ؛ لأنكم تنشدون الخير للمجتمع ، وتكرهون الظلم والتعدي ).

لقد كان لطلب الصلح أبعاد إستراتيجية ، كان يبتغي– رحمه الله – شد أزر بعض أعوانه الذين تراخت نفوسهم عن الجهاد ، وتاقت إلى الراحة ، فأراد لهم أن يعايشوا الموقف ، وأن يذكرهم بنصر الله – عز وجل – وبأهدافهم السامية ، كما أراد أن يبــــدو أمــــام ابن رشيد ضعيفاً ، فيستهين به ، ومن ثم يتمكن من مفاجأته ، لكنه – رحمه الله – لم يظهر ضعفاً أمام أعوانه ، بل بدا لهم بإيمانه قوياً بعزيمته ، وكأن محمود سامي البارودي يعنيه وهو يقول :

ولي همة تأبى الدنايا وعزمة   تهد لهام الجيش وهو يمور

انطلق الملك عبد العزيز من بريدة إلى ( البصر ) ، ولما علم أن ابن رشيد نزل (البكيرية ) زحف الملك عبد العزيز إليه حيث هو ، فنزل الملك بقواته مقابل قوات ابن رشيد متخذاً موقعاً جنوب شرق ( البكيرية ) ، قسم الملك جيشه إلى ثلاث فرق متخذاً من توزيع القبائل مسوغاً كما فعل النبي e في معركة الخندق وعام الفتح ، وأيضاً كما فعل خالد بن الوليد في معركة ( العقرباء ) باليمامة .

جعل الملك عبد العزيز الفرقة الأولى بقيادته ، وشكلها من أهل ( العارض ) و(الوشم) وبعض من آل سعود .

أما الفرقة الثانية فجعلها بقيادة عبد العزيز بن مساعد ، وشكلها من بوادي نجد .

أما الفرقة الثالثة فجعل عليها عبد الله بن جلوي ، وشكلها من أهل القصيم .

كانت الفرق أشبه بالكراديس المستقلة ، وكان هذا التشكيل أدعى للصمود ؛ لأن كل فئة أصبحت تخشى أن تأتي الهزيمة من قبلها .

بدأت معركة في الجبهة الشرقية من مدينة البكيرية بمسافة لا تتجاوز خمسمائة متر تقريباً ، ومع شروق اليوم الأول من ربيع سنة 1322هـ اشتبك الجيشان .

لقد كان لقصـــف المدفعيـــة أثر ســـلبي على جيـــش الملك عبد العزيز ، وأصيب – رحمه الله – بشظية في يده ، فسارع إلى بلدة ( المذنب ) لتضميدها .

لقد كانت أشبه المعارك بغزوة حنين ، لكن الأمير عبد الله بن جلوي تدارك الموقف ، وأدرك الهزة المعنوية التي ألمت بالمقاتلين ، فرفع صوته الجهوري مذكراً الجنود بدعوة التوحيد ونبل القصد وسمو الهدف ، ثم اندفع إلى المقدمة يقاتل ، فالتهب الموقف ، وانكسر جيش ابن رشيد .

عاد الملك عبد العزيز بجراحه إلى أرض المعركة ، ورأى جيش ابن رشيد يتقهقر ، فزاد ذلك من حماس الجنود ، ولكن ابن رشيد ترس في أحد المواقع ، وقد امتلأت الأرض بجثث القتلى من جيشه ، فجمع جيش الملك عبد العزيز الغنائم .

أراد ابن رشيد أن يعيد تنظيم قواته ، وأن يصمد أمام الملك عبد العزيز ، لكن انضمام الأهالي والمقاتلين الذين بلغوا عشرة آلاف إلى الملك عبد العزيز دعا ابن رشيد إلى الانسحاب ، وترك حامية ( البكيرية ) التي سرعان ما استسلمت ، عندها نزل الملك عبد العزيز عن حصانه ، وسجد شكراً لله .

توجه الملك عبد العزيز إلى المذنب ، واجتمع برؤساء القبائل من أهالي نجد ، فالتفوا حوله ، لكن ابن رشيد عزت عليه نفسه أن يخلي الساحة للملك عبد العزيز ، فاتجه إلى بلدة ( الخبراء ) ، فوجد منها صدوداً ، ثم اتجه إلى مدينة ( الرس ) ، فواجه صموداً ، ثم تحول إلى بلدة ( الشنانة ) ، وعسكر فيها ؛ ليعد نفسه للقتال من جديد .

ساء المقام في الشنانة بابن رشيد ، وتفشى في معسكره مرض الكوليرا ، وتفرق رجاله من حوله ، فرحل عنها ، لكن الملك عبد العزيز فاجأه عند ( قصر بن عقيل ) ، وانكسر جيش ابن رشيد ، وولى هارباً ، وكان ذلك في 18 رجب 1322هـ الموافق 29 سبتمبر 1904م ، وغنمت قوات الملك عبد العزيز السلاح والمعدات وصناديق الذهب، ففرقها – رحمه الله – بين رجاله .

أعاد ابن رشيد تنظيم قواته من جديد ، واستقر في قرية ( الكهفة ) من قرى حائل، على حين كان المبايعون يغدون على الملك عبد العزيز الذي أصبح أملاً للجزيرة العربية كلها للتخلص من الاستعمار والجهل والتمزق .

لم تجد تركياً أمامها إلا التفاوض مع الملك عبد العزيز ، فعرضت عليه الصلح عن طريق ابن صباح ، واقترحت أن يكون اللقاء في ( الزبير ) ، فوافق الملك عبدالعزيـــز، وطلب من والده الإمام عبد الرحمن أن يدير هذه المفاوضات ، وأن يقابل والي البصرة.

عرضت تركيا أن تكون القصيم مقاطعة مستقلة بينه وبين ابن رشيد ، وتقرر أن تستأنف المفاوضات في القصيم ، فبعثت تركيا بالمشير ( أحمد فيضي باشا ) للتفاوض مع الملك عبد العزيز ، كما بعثت إلى المدينة بالفريق ( صدقي باشا ) ، لقد كانت تركيا ترغب في استرداد القصيم بالقوة ، لكنها أدركت قوة الملك عبد العزيز والتأييد الشعبي له ، فعدلت عن ذلك .

لقد أراد فيضي باشا النزول في مدينة ( بريدة ) ، لكن أهلها رفضوا استقباله ، فعسكر جنوبها بمقدار 25 ميلاً .

لم يكن الملك عبد العزيز راغباً في الدخول في مواجهة مع القوات التركية ، ولم يأذن لأهل بريدة بقتالهم ؛ لأنه يدرك خطر التدويل للصراع .

ما إن بدأت المفاوضات مع الإمام عبد الرحمن حتى سافر ( أحمد فيضي ) إلى اليمن لمعالجة الموقف مع ثورة الإمام يحيى حميد الدين ، وتولى المفاوضات (صدقي باشا) ، وكان ذلك عام 1323هـ/1905م ، لكن المفاوضات فشلت .

توجه الملك عبد العزيز إلى قطر لمساعدة حاكمها الشيخ ( قاسم بن ثاني ) في تهدئة ثورة داخلية ، وحاول ابن رشيد استغلال الفرصة لاحتلال القصيم ، فلم يفلح، ففتك جنده في أهل القصيم ، واعتدوا على الأموال والممتلكات ، وكان آخرها ما عرف بمذبحة ( الحشاحيش ) في ( روضة مهنا ) .

غضب الملك عبد العزيز لذلك ، وقرر عقاب ابن رشيد ، فجهز جيشاً قوياً قوامه ثلاثــــة آلاف مقاتل ، وزحف إلى روضة مهنا حيث ابن رشيد في محرم 1324هـ / 1905م .

2– المواجهة الثالثة مع ابن رشيد وقتله :

التقى الملك عبد العزيز ابن رشيد للمرة الثالثة في معركة ( روضة مهنا ) ، ففاجأه صباح يوم الثامن عشر من شهر صفر عام 1324هـ ، وكان للمفاجأة التي أعدها الملك أثر في إرباك ابن رشيد وقواته ، ودخل ابن رشيد معسكر الملك عبد العزيز ظناً منه أنه معسكره ، فقتل ، وفر الباقون تاركين خيامهم وأسلحتهم وأمتعتهم .

3– وطأة الأصدقاء ومواجهتها :

انتصر الملك عبد العزيز في روضة مهنا ، وقتل خصمه اللدود ، ودانت له القصيم، ومع هذا فإن الغرور لم يعرف طريقه إلى نفس الملك ؛ لأنه كان ينسب الفضل لله وحده، لكن الحسد عرف طريقه إلى قلوب الآخرين ، فتغير بعضهم عليه ، فكان ذلك ابتلاء ، وذلك في الآتي :

أ‌-           أخذ الأعداء في تشكيك الشيخ مبارك الصباح في نوايا الملك عبد العزيز إثر انتصاره ، فتوجس منه الشيخ مبارك ريبة .

ب‌-       استعد آل الرشيد في حائل للانتقام ، وأخذوا في إعداد العدة لذلك .

ت‌-       غضبت الدولة العثمانية من قتل حليفها الذي عولت عليه الكثير ، فراحت تشعل الفتن .

ث‌-       أخذ الشريف حسين يترقب صعود نجم الملك عبد العزيز ، فبيت في نفسه أمراً .

ج‌-         التف حول الهزازنة في الحوطة بعض الموتورين والحاسدين ، فراحوا يعلنون التمرد على الملك عبد العزيز ، ويشعلون نار الفتنة .

ح‌- بدأ بعض أهالي القصيم ممن يحملون الضغينة التشويش على الملك عبد العزيز والاتصال بصدقي باشا ، كل هذه التجاوزات دعت الملك عبد العزيز إلى التفكير في توسيع نطاق أمنه القومي ، فسارع إلى بريدة ، وثبت أقدامه بها ، وألقى القبض على المرجفين ، وبعثهم إلى الرياض ، وعيَّن ( محمد العبد لله أبا الخيل ) أميراً على بريدة .

4– المواجهة مع خلفاء ابن رشيد :

أصبح متعب بن عبد العزيز بن رشيد أميراً على حائل وخلفاً لأبيه ، وكان متزناً راغباً في الصلح ، فاستجاب له الملك عبد العزيز على أن تبقى حائل وملحقاتها وبادية شمر تابعة لإمارة ابن رشيد ، وباقي البلدان بما فيها القصيم تابعة للملك عبد العزيز .

على إثر هذا الاتفاق عاد الملك عبد العزيز إلى الرياض ، لكن خبراً أقض مضجعه، هو أن صدقي باشا في ( الشيحية ) أخذ يستميل بعض البوادي بالمال ، وتبين أن فيصلاً الدويش زعيم مطير أخذ يدعم هذه التوجهات ، وهذا ما دعا الملك عبدالعزيز إلى الهجوم على الدويش وتمزيق شمله .

توجه الفاروقي إلى القصيم بعد عزل صدقي باشا ، والتقى بالملك عبد العزيز في (البكيرية ) بناء على طلبه ، فقال للملك عبد العزيز : ( إن أهل القصيم يريدون أن تكون السيادة للدولة العلية التركية ) ، فقال له الملك : ( إن الذين قالوا لكم ذلك  يجهلون مصالحهم ، وليس لهم رأي في بلادهم ، وهم من أتباعي ، ولا يخرجون عن طاعتي) ، فقال سامي الفاروقي : ( إنهم في حاجة إلى الحماية ) ، فأجاب الملك عبدالعزيز قائلاً : ( وهل حمتهم الدولة ؟ ) ، فقال أهل القصيم – وكانوا  في مجلس التفاوض – : ( لا نرضى عن ابن سعود بديلاً ) ،  فخرج سامي الفاروقي غاضباً ، وفشلت المفاوضات  .

لقد كان هذا منهج الملك عبد العزيز في المفاوضات ، كان يعتمد على المعلومات الدقيقة ، وكان حازماً في حواره ، كما كان حريصاً على الثوابت لا يتنازل عنها .

بعد ذلك طلب الملك عبد العزيز من القائد التركي الرحيل من ( الشيحية ) ، واستبقى القوات العراقية رهينة لديه ، فاشترط المشير للانسحاب أن يؤمن له على جنوده ومعداته أثناء الانسحاب ، فأجابه إلى ذلك ، واشترط عليه ألاّ يذهب إلى حائل، وأن يتوجه إما إلى المدينة المنورة أو إلى العراق ، قبل الباشا الشروط على مضض، وتم جلاء الأتراك عن القصيم .

ما إن بدأ الملك عبد العزيز بالتفرغ لتنظيم شؤون كيانه السياسي حتى بلغه اغتيال متعب بن رشيد على يد أبناء عمومته ، وتولي سلطان بن حمود الرشيد الحكم في حائل، ونقضه الاتفاق مع الملك عبد العزيز والسعي لاستمالة الناس ، كما بلغه تمرد بعض الزعماء من الأخوان ، وتحول أمير الكويت إلى سلطان بن حمود الرشيد ، كما بلغته خيانة أمير بريدة ( محمد عبد الله أبا الخيل ) وموالاته لأمير الحائل  .

لكن الذي أغاظ الملك عبد العزيز وقوف السلطات التركية في الأحساء أمام قافلة له كإشارة لبداية حرب اقتصادية سوف تفرض عليه ، وهذا ما دعاه – رحمه الله – إلى التفكير في فتح الأحساء .

لقد استغرقت هذه الفتن والقضاء عليها خمس سنوات من عام 1325هـ إلى عام 1330هـ ، أدَّب – رحمه الله – خلاله القبائل المنشقة ، وسجن قادتها بعد أن أمنهم عدة مرات ، فلم يحفظوا ذلك ، كما هزم سلطان بن حمود الرشيد ، وشتت جمعه ، وقد أصيب – رحمه الله – خلال هذه المعركة في ترقوته ، فكسرت ، لكنه تحامل على نفسه في شجاعته المعهودة ، وظل يقود المعركة حتى انتصر ، وهجم على بريدة ، واستسلم محمد أبا الخيل .

بدأ الخلاف يدب بين آل الرشيد ؛ إذ أقدم سعود بن حمود الرشيد على قتل أخيه سلطان ، ثم صالح الملك عبد العزيز على مضمون الاتفاق الأول ، ثم قتل سعود بن حمود ، وأسند الأمر من بعده إلى سعود بن عبد العزيز بن متعب ، وكان حدثاً لا يتجاوز العاشرة من العمر ، لكن الوصي عليه كان خاله ( زامل السبهان ) الذي لم يعرض الصلح ، فدارت بينه وبين الملك عبد العزيز عدة معارك ، انتهت بانتصار الملك عبد العزيز في معركة ( الأشعلي ) في ليلة الخامس من ربيع الأول من عام 1327هـ .

5– دخول الأحساء وطرد الأتراك :

علم الملك عبد العزيز بفكره الإستراتيجي أن الكيان السياسي لا يستقر إلا بتحقيق الأمن الغذائي ، فالفوضى التي تضرب أطنابها في الأحساء وتسلط الأتراك وعداوتهم له لا بد أن تفضي إلى قلق اقتصادي وقلق أمني يورث ضائقة اقتصادية في نجد .

لقد دخلت الأحساء في حكم الأتراك مؤخراً على يد ( مدحت باشا ) إثر الخلاف الذي وقع بين أبناء فيصل بن تركي ، رحمه الله .

ولما سطع نجم الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن وأصبح أمل الجزيرة العربية بعث أهالي الأحساء يستنجدون به ؛ ليخلصهم من الفوضى والنهب والسلب .

وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى عام 1333 هـ / 1914م عرضت الدولة العثمانية على الملك عبد العزيز وهو في بريدة أن تقدم له تركيا المال والسلاح ، وأن يقوم بحماية الأحساء ، وأن يحافظ على سلامة الأتراك ، فرفض الطلب ؛ لأنه وجد فيه روح التبعية والانزلاق إلى الصراعات الدولية ، لقد كان – رحمه الله – يرغب أن يكون الصراع العربي قاصراً على التسوية داخل البيت العربي .

أ‌-    الموقف العام :

1- في الرياض وما يتبعها من العارض إلى سدير فالوشم والقصيم وجنوب الرياض حتى وادي الدواسر : استطاع الملك عبد العزيز توحيدها وإشاعة الأمن والاستقرار والعدالة في أرجائها في ظل الشريعة السمحة ، لكن ما يعكر صفو الحياة هو الفوضى التي تعم الأحساء .

2- في الأحساء : كان الأمن معدوماً ، وكان الأتراك يسيطرون عن طريق إشاعة الفرقة بين الناس والقبائل والجماعات ، كما كانت التجارة كاسدة مما انعكس على أسعار السلع في نجد .

3- في حائل : ابن رشيد ينقض الاتفاق الذي وقع بينه وبين الملك عبد العزيز ، وبدأ يثير الفتن ، ويكاتب الدولة العثمانية ، ويحرضها ضد الملك عبد العزيز ، كما كان يستعدي أمراء القبائل وشريف مكة في الحجاز على القيادة في نجد .

4- في العراق : كان جمال باشا والياً من قبل الأتراك ، وكان يعقد الاتفاقات مع زعماء العرب ، لكن الملك عبد العزيز رفض عروضه التي تدعو إلى تدويل الصراع .

ب‌-    الموقف الخاص :

1- قرر الملك عبد العزيز الاستيلاء على الأحساء وتوحيدها مع نجد ، وطرد الأتراك، والقضاء على نفوذ العجمان وممارساتهم ، وذلك لاستكمال كيانه الإستراتيجي .

2- أخذ الملك عبد العزيز في جميع المعلومات وإجراء الدراسة الدقيقة للهدف ، فتعرف على التناقضات الاجتماعية والسياسية ، وعرف حجم القوات التركية، وردود الفعل الدولية والمحلية لخطته ، فعمد إلى تسوية جميع الأمور .

3-   بدأ الملك عبد العزيز يرسم خطته القتالية بمنظور إستراتيجي شامل ، وليس بمنطق تكتيكي ضيق كما كان يفعل ابن رشيد وغيره .

4- وجد أن المفاجأة الإستراتيجية للقوات التركية هي الأفضل ، حتى لا تتمكن القيادة التركية الإقليمية في العراق  من التدخل لإسناد إخوانهم في الأحساء ، كما أن تشابك المصالح بين الأتراك وبعض القبائل في المنطقة جعله يخطط لهجوم سريع يكســــب فيه الوقت ، ويعزل العجمان عن الأتراك ، كما وجد – رحمه الله – أن الهجوم غير المباشر هو الأفضل في مثل هذه الحالة ، وأن العمل الليلي هو الأسلـــم .

ج– خطة الهجوم القتالية :

في سبيل تحقيق المفاجأة الإستراتيجية قام الملك عبد العزيز بإخفاء نية الهجوم ، كما أخفى اتجاه الهجوم الرئيس ، وذلك بأن تحرك نحو الشرق لإيهام الأتراك أنه ما خرج إلا لتأديب بعض القبائل المنشقة في صحراء نجد ، وحاول عن طريق ذلك دفع قبائل عجمان بعيداً إلى شمال الأحساء .

لقد اضطره الأمر للهجوم على ( الكوت ) ، فقرر أن يبدأ هجومه في النصف الأخير من الليل متخذا هجوماً صامتاً ، وفي سبيل ذلك قسم القوات إلى ثلاثة فصائل قتالية:

الفصيل الأول : ويتولى الاقتراب من الباب الجنوبي للمدينة ، فيقضي على الحراس .

الفصيل الثاني : يتولى الهجوم على بيت المتصرف التركي لأسره .

الفصيل الثالث : يقوم باحتلال السور والأبراج للمراقبة لمنع أي قوة من التدخل .

د–  سير العملية :

توجه الملك عبد العزيز إلى أهدافه في ربيع الأول عام 1331 هـ متجهاً نحو الشرق، ونجح في إيهام القيادة التركية أنه خرج لتأديب القبائل المنشقة ، وتحققت المفاجأة الإستراتيجية حين تحول فهجم على مواقعهم .

لم يبلغ الملك عبد العزيز قواته بالهدف الحقيقي إلا وهم على مشارف ( الكوت ) حتى تتحقق المفاجأة ، وأوصاهم بالسرية والصمت .

استطاعت قوات الملك عبد العزيز الدخول إلى المدينة ، وفي داخلها أعلنوا : (إن الحكم لله ثم لابن سعود ) ، فأسرع الأتراك إلى الحصون ، واحتلوا حصن ( الهفوف ) و( الكوت ) .

ظل الملك عبد العزيز محاصراً الهفوف إلى أن نزلت القوات التركية عند شروطه ، وذلك بمغادرة الهفوف إلى ( العقير ) ، ومنها إلى البحرين ، ثم حاول المتصرف التركي القيام بهجوم مضاد في اتجاه العقير بعد وصول الإمدادات ، ولكن الهجوم فشل ، وتم استلاء الملك عبد العزيز على الأحساء .

بادر  – رحمه الله – بإرسال مفرزة إلى القطيف بقيادة عبد الرحمن السويلم ، فاستسلم أهلها رافضين الوقوف مع الحامية التركية ، فلم يسع الحامية التركية إلا الانسحاب إلى البحرين ثم إلى البصرة .

وبذلك تم فتح الأحساء بفضل التخطيط السليم والتنفيذ الدقيق والأخذ في الحسبان الإستراتيجية والاستفادة من الظروف الدولية .

6– الصدام مع السلطة الهاشمية :

الصدام لا يعني بالضرورة الحرب ، لكنه يدخل في مصطلح حوار الإرادات ، لهذا فإن الصدام قد يكون نوعاً من المناوشات الحدودية ، وهو ما حدث بين الملك عبدالعزيز والسلطة الهاشمية في تربة وبيشه والخرمة .

لقد كان طبيعياً أن تحدث هذه المناوشات بسبب التدخل في الحدود ، وانسياب القبائل ، وتلون المقاصد ، والدواعي الأمنية ، والتداعيات التاريخية ، لكن المناورات السياسية التي كانت ترسمها بريطانيا كان لها أكبر الأثر في اختلاف المفاهيم وتصادم المصالح .

كانت بريطانيا ترتبط بأحلاف مع بعض الزعماء العرب ، وحلفاؤهم أنواع : منهم الحليف الند ، ومنهم الحليف التابع ، فالحليف الند هو الذي وضع لسياسته ثوابت لا يقبل للغير أن يتدخل فيها ، ولا لأحد أن يتجاوزها .

فالملك عبد العزيز بفكره الإستراتيجي استطاع أن يضع له ثوابت لا يساوم عليها، لكنه يبدي مرونة فائقة في المصالح المشتركة مع الدولة والكيانات السياسية الأخرى ، لهذا كانت بريطانيا تتعامل معه من منظور يختلف في تعاملها عن بعض الزعماء العرب الآخرين .

لقد عرضت بريطانيا الخلافة على الملك عبد العزيز ، فأبى ؛ لأن في ذلك مندوحة كافية للفرقة بين المسلمين ، ولأن الخلافة لا تمنحها دولة أجنبية ؛ لأن من يعطي له أن يضع شروطه ، وله أن يمنع .

أما الشريف حسين فقد قبل العرض البريطاني بأن يكون ملكاً على العرب بناءً على معاهدة مكماهون ، ولعل هذا مما سبب للشريف حسين بن علي المتاعب على الرغم من علمه وورعه وفطنته .

أخذت قلوب القبائل في ( تربة ) تهفو إلى الدعوة السلفية التي ينادي بها ويطبقها الملك عبد العزيز ، وبدأت نفوس القبائل تمتلئ إعجاباً بانتصاراته ، لقد سارت بذكره الركبان ،وأصبح حديث المجتمعات داخل الجزيرة العربية وخارجها ، وغدا رمزاً للبطولات العربية والإسلامية .

بادرت القبائل في ( تربة ) وغيرها تتسارع إلى مبايعة الملك عبد العزيز ، وهذا ما أزعج الشريف حسين بن علي ، فجهز حملة تأديبية إلى تربة عام 1329هـ ، قادها بنفسه مصطحباً معه ابنيه علياً وفيصلاً  .

اتجه جيش الشريف إلى ( القويعية ) اعتقاداً منه أنها من بعض أملاكه ، فاصطدم بمفرزة الأمير سعد بن عبد الرحمن ، ومعه أربعون من الفرسان ، وتمكن الشريف من أسر الأمير سعد ، لكن الملك عبد العزيز استطاع أن يطلق سراحه بدهاء عندما طلب من الشريف حسين تحديد الحدود بينهما ، والاعتراف بنجد ومصالحها الحيوية .

أخذت الأوضاع الدولية والإقليمية تتطور ؛ فالحرب العالمية الأولى نشبت عام 1914م ، واختار الشريف حسين خط الحلفاء ، لكن تطوراً داخلياً مهما حدث في الحجاز ؛ فالشريف خالد بن لؤي خرج عن طاعة الحسين ، واستقل بتربة ، وتحالف مع الملك عبد العزيز ضد ابن عمه الشريف حسين بن علي الذي وجه حملة تأديبية إلى (الخرمه ) بقيادة ( حمود بن زيد بن فواز ) ؛ لكنها سقطت في كمين أعده لها خالد بن لؤي.

لقد قويت شوكة ابن لؤي عندما تحالف مع الملك عبد العزيز ، فكان ذلك سبباً في التفاف القبائل حوله ، فأرسل الشريف حسين حملة أخرى بقيادة الشريف ( شاكر بن زيد ) ، لكنها لم تكن أفضل حظاً من سابقتها ، ثم بعث الشريف بحملة ثالثة بقيادة صهره ( الشريف عبد الله باشا ) يرافقه ( شاكر بن زيد ) لفتح ( الخرمة ) وإخضاع (تربة) ، لكنها لاقت بعض النجاح .

أعد الأمير عبد الله بن الحسين بن علي العدة للقضاء على خالد بن لؤي ، ومن ثم تصفية الملك عبد العزيز ، وعمل الملك عبد العزيز على القضاء على جيش الأمير عبد الله بن الحسين وتلقينه درساً لا ينسى .

واشتبكت القوات ليلة 25 شعبان 1337هـ ، وكسر جيش الشريف ، ونجا الأمير عبد الله بأعجوبة ، وهرب مع فلول المهزومين إلى الطائف ، فانتشر الرعب بين السكان، وهاجر أهل الطائف إلى مكة المكرمة جماعات ووحدانا .

استنجد الملك حسين بالإنجليز ، وتدخل السفير البريطانى بجدة ( المستر بولار ) ، وبعث خطاباً إلى الملك عبد العزيز في 15 رمضان ، ولم يشأ الملك عبد العزيز تدويل الصراع ، فانسحب إلى الرياض ، وبذلك انتهت المناوشات بين الطرفين .

7 انتهاء حكم آل الرشيد :

يوشك الكيـــان السيـــاسي للملك عبد العزيز أن تكتمل ملامحه في نجد ، فحقق  – رحمه الله – الأمن بأن ضم اليه الأحساء ، وقضى على التهديد من الشرق ، فطرد الأتراك من المناطق الشرقية ، لكن الأمن السياسي بقي مهزوماً بسبب وجود آل الرشيد وتطلعاتهم إلى نجد .

كان لا بد لتحقيق أمن الملك عبد العزيز السياسي أن يضم حكم آل الرشيد ، وأن يستكمل توحيد نجد والشمال ، وبخاصة أن النفوذ التركي خرج من الجزيرة العربية ، ولم يبق له قاعدة إلا في حائل .

أ‌-            الموقف العام :

قاد الشريف حسين بن علي أمير مكة حركة الانفصال عن تركيا بعدما اتجه الأتراك نحو التتريك ، وتولى إخراجهم من شرق القناة بالاتفاق مع الإنجليز ، فاتصل بالجمعيات العربية في الشام والعراق ، وحرضهم على الثورة العربية .

أصدر الشريف حسين بيان الثورة العربية ضد الأتراك عام 1335هـ / 1916م ، فثار العرب ضد الأتراك ، وبذلك تمكن الجنرال البريطاني اللنبي من دخول القدس عام 1336 هـ / 1917م بمساعدة العرب الفلسطينيين ، وبذلك تم إخراج الأتراك من بلاد العرب .

لقد كانت بريطانيا تخدع العرب بعد ما ركنوا إليها ، فوقعت سراً اتفاق ( سايكس – بيكو ) سنة 1335هـ / 1916م ، وبموجب هذا الاتفاق قاسمت بريطانيا وفرنسا أملاك الإمبراطورية العثمانية ، لكن موسكو فضحت الاتفاق عام 1336هـ/ 1917م، ومع هذا فقد بدئ في تطبيق الاتفاق بعد سنة .

وفي مؤتمر الصلح في ( سان ريمون ) المنعقد في إبريل  عام 1920م  تقرر أن تلتزم الدول القائمة بالانتداب بتنفيذ وعد بلفور ، وذلك بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ، ومن يومها دخلت الأمة العربية في دوامة لم تنته بعد .

 

ب– سقوط حائل :

لقد تأكدت ملامح التكوين الإستراتيجي لسلطان الملك عبد العزيز في نجد ، لكن القلق ظل يأتي من قبل آل الرشيد في حائل ، لقد أخذ الأمراء في حائل يستعدون الشريف حسين بن علي على الملك عبد العزيز ، كما نسجوا علاقات مع أمير الكويت ضد الملك عبد العزيز وكيانه السياسي .

وحاول الملك عبد العزيز إيقاف هذه الممارسات بشتى الطرق ، كما فشل الشيوخ في شمر في تقريب وجهات النظر بين الطرفين ، فلم يجد الملك عبد العزيز مندوحة من التحرك بجيشه نحو حائل عام 1336هـ / 1918م ، واشتبك مع قوات ابن رشيد ، وهزمها ، ثم عاد إلى الرياض .

لقد اتسع حكم سعود الرشيد ، فضم الجوف ، وهزم نوري الشعلان ، ومع ذلك فإن الأمن الداخلي في حائل لم يستتب ؛ إذ قُتل سعود الرشيد ، وتولى الإمارة عبد الله بن عبد العزيز بن متعب الذي عقد اتفاقاً مع الشريف حسين بن علي .

وعندما خشي الأمير عبد الله بن عبد العزيز بن متعب من سطوة الملك عبد العزيز بعث إليه يطلب تجديد الصلح ، لكن الملك اشترط على ابن رشيد شروطاً خمسة ، يبقى آل الرشيد في الحكم بموجب حكم ذاتي يجعلهم أحراراً في إدارة شؤونهم الداخلية، لكن الشؤون الخارجية تصبح مقيدة بالعودة إلى القيادة السياسية بالرياض ، وعندما رفض حاكم حائل الطرح السعودي بدأ الاستعداد للحرب الفاصلة.

لم يكن عبد العزيز طامعاً في حكم في حائل ، بل كان راغباً في المحافظة على كيانه الإستراتيجي واستقراره الأمني ، فقرر – رحمه الله – أن يكون الهجوم على حائل حاسماً ؛ لأن في ذلك توحيداً لكلمة المسلمين .

ج– خطة الهجوم :

أعد الملك عبد العزيز خطته الهجومية على نسقين ، يتولى الملك عبد العزيز قيادة النسق الأول ، وأن يبقى في القصيم احتياطي إستراتيجي لاستغلال النجاح .

أما النسق الثاني فقد قسمه – رحمه الله – إلى قسمين : قسم يتولى قيادته ابنه الأمير سعود بن عبد العزيز ، ويتجه إلى الشمال الغربي في هجوم غير مباشر على حائل بادئاً بالقبائل المؤيدة لابن رشيد شمال شمر وشرقها .

أما القسم الثاني فيتولى قيادته الأمير محمد بن عبد الرحمن ، ويتجه إلى الغرب ، فيهاجم مدينة حائل بشكل مباشر يحتلها ، كما اتخذ – رحمه الله – قوة خفيفة الحركة ، وجعلها احتياطية جاهزة للهجوم ، تكون تحت يد القائد يدفع بها في أي اتجاه ، وجعل عليها فيصل الدويش .

د– سير العمليــة :

استعد الأمير عبد الله بن عبد العزيز بن رشيد للقاء القوات السعودية ، لكن الأمير سعود بن عبد العزيز آل سعود قام بتثبيت القوات المعادية ؛ حتى لا تتمكن من تقديم الإسناد والتعزيز لحائل أثناء الهجوم عليها .

أما الأمير محمد بن عبد الرحمن فما إن أيقن من فشل المواجهة حتى قام بتطويق حائل وفرض الحصار عليها مستخدماً في ذلك نيران الإزعاج ، حتى انهارت القوة داخــــل الأسوار ، فعرض أمير حائــــل الصلـــح على شروط الملك عبد العزيز ، لكنه – رحمه الله – رفضها ، وطلب الاستسلام دون شروط .

أعد الأمير محمد بن طلال الرشيد قوة كبيرة من الجوف ، وتقدم في اتجاه حائل، فخشي عبد الله بن عبد العزيز أميرها على نفسه من محمد بن طلال ابن عمه ، فآثر الهرب والالتجاء إلى الملك عبد العزيز .

سار محمد بن طلال بجيشه إلى القبائل التي أيدت الملك عبد العزيز ، فنكل بها ، فأصدر الملك عبد العزيز أمراً للقوة الاحتياطية الخفيفة بالتحرك ، ولما رأى فيصل الدويش قائد الاحتياط أن ابن طلال اتجه نحو ( الجثامية ) قرر الدويش التحرك سريعاً نحوها، لكن ابن طلال آثر البقاء في ( النيعية )  قريباً منها ، وعندما آنس بن طلال شيئاً من الضعف قد اعترى الدويش حاصره في  ( الجثامية ) .

أرسل الملك عبد العزيز ابنه سعود لرفع الحصار عن الدويش ، فنجح ، فتقدم الملك عبد العزيز على رأس القوة الرئيسة تجاه ( الجثامية ) ، فأنهى حصارها ، وأجبر قوات ابن رشيد على الارتداد إلى حائل .

عندئذ توجه الملك عبد العزيز إلى حائل ، وحاصر ابن طلال فيها ، فما وسع ابن طلال تحت وطأة الحصار إلا أن يطلب الصلح والاستسلام دون شروط .

وهكذا أعلنــــت حائل استسلامهــــا لابن سعـــود في 29 صفر 1340هـ الموافـــق 2 نوفمبر 1921م ، وبذلك انتهى حكم آل رشيد ، وعيَّن الملك عبد العزيز الشيخ إبراهيم السبهان أميراً على حائل ، وهكذا استطاع الملك عبد العزيز أن يستكمل تكوينه الإستراتيجي في نجد .

المرحلة الثانية : مرحلة الانتشار الإستراتيجي:

بعد أن استكمل الملك عبد العزيز كيانه الإستراتيجي نظر إلى واقعه ( الجيوبو لوتيكي ) ، فوجده واقعاً معزولاً في الصحراء ، تحف به الرمال ، فتطمس العالم ، وهو لا يرضى لكيانه السياسي ولا لدعوته السامية أن تكون في عزلة عن الأمة ، ففكر في الانتشار الإستراتيجي؛ حتى يصل بكيانه إلى البحار شرقاً وغرباً .

لم يكن فكره – رحمه الله – قاصراً يبحث عن مكاسب ذاتية لنفسه وأسرته ، ولم يكن فكره – رحمه الله – فكراً مستقبلياً ذاتياً يبتغي من ورائه المجد الزائف ، بل كان فكراً إستراتيجياً عميقاً يدرك الأمور بأبعادها الحقيقية .

كان – رحمه الله – على يقين تام بأن دعوة التوحيد هي في هذه الأمة ، ويجب أن توظف لتحقيقها جميع الإمكانات العسكرية والسياسية والاقتصادية ، فكان – رحمه الله – يتحمل بدعوته معاناة الأمة .

كان – رحمه الله – يرى أن الدعوة إلى التوحيد ليست مجرد نداء إلى الناس بالعودة إلى الله وحده ، ولا بهدم القبور فقط ومحاربة البدع فحسب ، بل إن الدعوة إلى التوحيد بمفهومها العميق تتمثل في رفع المعاناة عن الأمة العربية بصفة خاصة ، والأمة الإسلامية بشكل عام ، هذا المعاناة تتمثل في الشرك والجهل والفقر والاستعمار .

لقد تأسى بفكر النبي e وبمفهومه العميق لدعوة التوحيد ، لقد قال عليه الصلاة والسلام لقريش وهو يبحثون عن الذات: ( كلمة تسودون بها العرب ، وتحكمون بها العجم ) ، فقالوا له : ( وعشر كلمات وأبيك ) ، قال : تقولون : ( لا إله إلا الله ) ، فقال أحدهم : ( والله لا نطيق ذلك ) ، لقد أدركت قريش عمق المعنى ، لكنها لم تصل إلى أبعاد الحقيقة .

إن الأمم لا تسمو إلا بفكرها ؛ فالملك عبد العزيز – رحمه الله – لم يكن مجرد قائد إداري أو قائد عسكري ، بل كان أيضاً قائداً فكرياً عرف كيف يتعامل مع الاستعمار ، وعرف كيف يتعامل مع التمزق الذي كان تعيشه الجزيرة العربية ، وعرف كيف يتعامل مع الفساد الذي ألمَّ بكثير من الشعوب الإسلامية ، فمن أين جاءه الفكر وهو صبي في فجر العشرينيات من العمر ؟

لقد خرج والد الملك عبد العزيز الإمام عبد الرحمن من نجد إلى الكويت بأهله وعشيرته الأقربين ، لقد أخلى الساحة في نجد لابن رشيد ، خرج – رحمه الله – بإرادته، لم يكن مطروداً ولا مهزوماً ، فالفرصة للقتال كانت متاحة ، والمؤيدون له ولآل سعود ينتشرون في نجد وباقي مدن الجزيرة العربية ، لكن الإمام عبد الرحمن خرج ليعود بعد أن يعد نفسه وأبناءه من جديد ، لقد خرج لإعداد الرجال لتحمل المسؤولية وحمل الأمانة ؛ لأن أمانة الدعوة وأمانة القيادة ليست بالأمر الهين ولا باليسير .

لقد عاد الملك عبد العزيز بهؤلاء الرجال الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل الدعوة، حملوا على أعناقهم أمانة التاريخ ، فما منهم أحد إلا وله بطولات تسجل ، وعمل مجيد يذكر ، يتلألأ في صفحات التاريخ وفي سيرة الملك عبد العزيز .

لقد وجد أمير الكويت الشيخ مبارك الصباح في الإمام عبد الرحمن الفكر الثاقب والإدراك العميق ، فكان لا يقطع أمراً دون مشورته ، فكان الإمام عبد الرحمن نعم الأمين ونعم الصاحب .

لقد أسهم الإمام عبد الرحمن في حماية الكيان السياسي للشيخ مبارك الصباح بنفسه وأبنائه ، فقد بعث بالملك عبد العزيز – رحمه الله – مع حشد من عشيرته وأتباعه ومؤيديه إلى الرياض عام 1318هـ / 1901م للهجوم عليها لتخفيف وطأة الهجوم الذي شنه ابن رشيد على القوات الكويتية في معركة ( الصريف ) .

كما أنجده الإمام عبد الرحمن حين طلب منه الشيخ مبارك المعونة لإيقاف ابن الرشيد الذي اتجه مهاجماً للكويت إثر هزيمته أمام الملك عبد العزيز في ( معركة الدلم ) ومطاردته ، فاتجه الملك عبد العزيز بعشرة آلاف مقاتل ، ما إن سمع بها ابن الرشيد حتى ترك الهجوم على الكويت ، وعاد إلى حائل .

أخيراً استطاع الملك عبد العزيز أن يكفي الشيخ مباركاً تهديد آل الرشيد المزمن عندما فتح حائل في 29 صفر سنة 1340هـ الموافق 2/11/1921م .

وأخيراً واصل أبناء عبدالعزيز الأمانة والوفاء للكويت عندما قادت المملكة العربية السعودية بعد قرن من الزمان تقريباً في عهد خادم الحرمين الشريفين القوات الدولية لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي .

أراد الملك عبد العزيز أن يحقق الانتشار الإستراتيجي ، ويستكمل منظومته الإستراتيجية، فيكون هذا الكيان العربي المسلم منتشراً في أرجاء الجزيرة العربية .

لقد نظر – رحمه الله – إلى منطقة ( عسير ) ، فوجد أن الدعوة السلفية قد استوطنت فيها منذ الدولة السعودية الأولى ، لكن الظلم خيم على عسير في عهد الأمير حسن بن عائض ، فاستنجدت القبائل وأهل المدن بالملك عبد العزيز لإنقاذهم ، فبادر – رحمه الله – إلى التحرك تجاه عسير لفتحها بادئاً بالنصح .

ونظر – رحمه الله – إلى الحجاز ، فوجد بعض الوافدين والحجاج ينتهكون حرمات المشاعر ببعض الممارسات البدعية التي لا تتفق مع أصول الشريعة الإسلامية ، حتى ضـــاق بهم علماء الحجاز ، وعندما بدأ الشريف حسين بن علي بالتحرشات بادر – رحمه الله – إلى تخليص الحجاز من هذه الممارسات ، وضمه إلى مواكب التوحيد .

أما بالنسبة للجنوب وشرق الجزيرة فقد كانت واقعة تحت هيمنة الاستعمار البريطاني الذي كان يسيطر على الممرات البحرية ، ومن غير الحكمة الدخول في مواجهة مع بريطانيا قبل أن تتأهل الأمة لذلك .

لقد عايش الملك عبد العزيز انتزاع الشيخ مبارك الصباح الحكم من أخيه محمد عام 1897م ، وكان في الكويت عندما عرض القيصر الألماني على الشيخ مبارك فتح منفذ لخط برلين بغداد ، فرفض الأمير ، فعرض الأمر على السلطان العثماني الذي أمر بعزل الشيخ مبارك .

انتهزت بريطانيا الفرصة ، وتقدمت تعرض الحماية على الكويت ، فتم الاتفاق بينهما ، عندئذ عمدت تركيا إلى تحريض ابن رشيد على احتلال الكويت ، وبعد الحرب العالمية الثانية دخلت العراق تحت السيطرة البريطانية .

لقد بدأت فكرة الانتشار الإستراتيجي عند الملك عبد العزيز إثر سقوط حائل عام 1340هـ / 1921م ، واستغرقت عملية الانتشار ست سنوات ضم خلالها مقاطعتي عسير والحجاز .

1-       دخول عسير :

في أواخر عهد الأتراك كانت منطقة عسير عبارة عن متصرفية عثمانية ، مقرها مدينة أبها ، وبالرغم من مناهضة آل عائض للأتراك إلا أن الأتراك اختاروا واحداً من هذه الأسرة ؛ ليكون معاوناً للمتصرف في عسير .

وعندما غادر الأتراك المنطقة عام 1337هـ بسبب هزائمهم المتكررة في الحرب العالمية الأولى أصبح حسن بن عائض والياً مستقلاً في عسير ، فنسج علاقة ودية مع الملك حسين بن علي شريف مكة المكرمة ؛ لينال منه الدعم في حروبه ضد السيد محمد علي الإدريسي صاحب النفوذ في جازان .

لقد نجم عن الصدام بين قوات الملك عبد العزيز والملك حسين في خرمة وتربة انتشار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التي لقيت تقبلاً لدى قبيلتي قحطان وزهران وانعطافاً نحو شخصية الملك عبد العزيز مما أثار حفيظة الأمير حسن بن عائض ، كما أن عداء الأمير حسن بن عائض للسيد الإدريسي الذي يحتفظ بعلاقة ودية مع الملك عبدالعزيز أثار حفيظته ، رحمه الله .

وعندما كثرت الشكاوي من القبائل والمواطنين في عسير للملك عبد العزيز من قسوة تعسف الأمير حسن بن عائض بعث الملك عبد العزيز بوفد إلى الأمير حسن للتوسط بينه وبين القبائل الغاضبة ، فرفض الأمير التوسط في صلف بالغ ، كما ذكره أمين الريحاني في كتابه تاريخ نجد وملحقاته ، ومحمد بن أحمد العقيلي في كتابه تاريخ المخلاف السليماني .

أ‌-    الحملة الأولى :

سيَّر الملك عبد العزيز جيشاً قوامه ثلاثة آلاف مقاتل بقيادة الأمير عبد العزيز بن مساعد ، فانطلق الجيش إلى عسير في شهر شعبان عام 1338هـ / 1930م ، وانضم إليه بعض المؤيدين في عسير ، والتقى جيش الأمير حسن بن عائض في ( حجلى ) بين أبها وخميس مشيط ، وانكسر جيش الأمير حسن عائض الذي انسحب إلى أبها ، ثم لجأ إلى قصره في ( جبل حرملة ) ، ولم يعبأ الأمير عبد العزيز بن مساعد به ، بل راح يفتح المدن والقرى ، ولما لم يجد ابن عائض مندوحة من الحصار والبقاء في قصره استسلم مع باقي أسرته وأعوانه ، فبعث به الأمير عبد العزيز إلى الرياض ، فأكرمه الملك عبد العزيز وأسرته ، وأعاده أميراً على المنطقة ، ولما كثرت الشكاوي استبدل به آخر كما يقول خير الدين الزركلي في كتابه شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز .

ب‌-     الحملة الثانية :

كان الملك عبد العزيز قد فرغ لتوه من فتح حائل وتوحيد شمر ؛ إذ بلغه أن حسن ابن عائض قد قام بفتنة ضد الأمير السعودي بتحريض من الملك حسين شريف مكة ، فجهز – رحمه الله – جيشاً قوامه ستة آلاف مقاتل ، وأمَّر عليه ابنه فيصل بن عبدالعزيز، وكان ذلك في شوال 1340 هـ .

وقبل أن يصل الجيش إلى مدينة خميس مشيط حيث يرابط فيها محمد بن عائض انضم إليه المؤيدون من قبائل الجنوب من قحطان وزهران وشهران وغيرهم .

ما إن اقترب الجيش السعودي من خميس مشيط حتى غادرها محمد بن عائض إلى ( حجلى ) ، ولما لحقته مفرزة من الخيالة انسحب ابن عائض إلى أبها ، لكنه ما لبث أن غادرها مع أهله وأنصاره ، فدخلها الأمير فيصل بن عبد العزيز دون مقاومة في شهر صفر عام 1341هـ الموافق أكتوبر عام 1922 م .

لجأ حسن بن عائض إلى قصره في ( جبل حرملة ) الذي دارت حوله معركة حامية بين الجيشين ، لكن حسن بن عائض عندما وجد أن الموقف ليس في صالحه انسل من الجبل مع بعض أتباعه ، وهرب ، فهدم الأمير فيصل معاقلهم ، ثم عيَّن ( سعيد بن عصيفان) أميراً على أبها ، وترك معه حامية قوية ، وعاد إلى الرياض .

لكن آل عائض لم تهدأ نفوسهم ، وبخاصة أن تحريض الشريف لهم كان متواصلاً، فهاجموا أبها ، ولم يفلحوا .

ولما توفي ابن عصيفان عيَّن عبد العزيز بن إبراهيم أميراً ، فاستطاع بحكمته أن يقنع آل عائض أن لا فائدة من القتال والخروج على الدولة ، فأمنهم ، وجهزهم ، وبعثهم إلى الرياض ، فعفا عنهم الملك عبد العزيز ، وبذلك استتب الأمن في ربوع عسير .

ج– الدروس المستفادة ، وأهمها النقاط الخمس الآتية :

1-   أظهرت العملية أهمية التأييد الداخلي المبني على العقيدة .

2-   أظهرت العملية أهمية استغلال الجانب المعنوي في القتال .

3-   أظهرت العملية أهمية الاستطلاع الجيد ودقة المعلومات التي تبنى عليها القرارات السليمة .

4- أظهرت العملية أهمية مبدأ المحافظة على الغرض ، والاكتفاء بتكليف مفرزة للتعامل مع الأهداف الثانوية ، وهو ما فعله الملك فيصل عندما بعث بمفرزة من جيشه إلى تهامة لقتال المنشقين في القنفذة بقيادة محمد بن عائض .

5- أظهرت العملية أهمية الحكمة في التعامل مع المنشقين وتحويلهم من أعداء إلى أصدقاء ، وهو ما قاله إبراهام لنكولن : ( لقد انتصرت عليهم كأعداء حينما حولتهم إلى أصدقاء ) ، وهو ما فعله الأمير عبد العزيز بن إبراهيم .

2- ضم الحجاز :

كان طبيعياً أن يسعى الملك عبد العزيز لضم الحجاز إلى وحدة هذا الكيان ، فالهدف هو الدعوة إلى الله ، وهذا يقتضي أن تكون مكة المكرمة والمدينة المنورة هي المنطلق الطبيعي للدعوة ، وبخاصة أن الداعية ليس من السهل أن تسكن نفسه ، وهو يرى أن طريق الحج والعمرة والزيارة محفوظة بالمخاطر ، وليس على الداعية أن تطمئن نفسه ، وهو يرى قواعد الدين تنتهك من قبل الوافدين إلى الحرمين الشريفين ؛ لهذا كان التوحيد واجباً دينياً ، وليس مطلباً سياسياً أو اقتصادياً .

فالذين ينظرون إلى فتح الحجاز بأنه عمل تسلطي أو قضية حرب دعت إليها المنافسات الشخصية أو كانت من تداعيات الاشتباكات وغيره أناس يستهينون بالقيم وينظرون إلى الأمور بمنظار مسطح .

إن من ينظر إلى ما آل إليه الحرمان الشريفان اليوم من أمن ورخاء وتيسير يدرك أن الهدف الأساس للملك عبدالعزيز لم يكن لغاية دنيوية ، إنما هو عمل جهادي ابتغى فيه وجه الله عز وجل ، وكم كان – رحمه الله – يردد ذلك .

فلو كان – رحمه الله – يريد ملكاً لما نصره الله ، ولو كان طريق الحج سالكاً والعبادة تؤدى كما أمر الله –عز وجل – ورسوله e لما سار الملك عبد العزيز بجيشه إلى الحجاز ، لهذا تراه – رحمه الله – لم يدخل بجيوشه داخل مكة المكرمة أو المدينة المنورة، بل جعلها تستسلم دون قتال .

أ – أسباب القتال :

تأثر الملك حسين بالهزائم التي تعرضت لها جيوشه في تربة ، فقطع العلاقات التجارية مع نجد ومنعهم من أداء الحج كما يقول أحمد السباعي في كتابه (تاريخ مكة)، كما طلب من الملك عبد العزيز التخلي عن جبل شمر ومنطقة عسير ، وزاد الأمر سوءاً أن اعتدى أتباع أبنائه فيصل وعبد الله في العراق وشرق الأردن على قوافل التجارة السعودية كما يقول الدكتور عبد الله العثيمين في كتابه ( معارك الملك عبد العزيز المشهورة ) .

لكن إغارة أتباع الأمير عبد الله بن الحسين على وادي السرحان واحتلالهم قريات الملح دفعت الملك عبد العزيز للعزم على استردادها ولو بالقوة .

ب – المفاوضات :

لقد كانت بريطانيا برمة بتصرفات الملك حسين وتصرفات أبنائه الاستفزازية ، فدعت الطرفين إلى مؤتمر في الكويت للنظر في المشكلات بينهما ، فرفض الملك حسين الحضور مشترطاً أن ينسحب الملك عبد العزيز من جميع المناطق التي لم تكن تحت حكمه قبل الحرب العالمية الأولى ، وهو ما أكده الدكتور عبد الله العثيمين في كتابه (معارك الملك عبد العزيز ) مستنداً إلى كتاب ( مقبل الذكير ) و ( وترلو ) .

وعقد المؤتمر برعاية بريطانيا ، ولم يحضر ملك الحجاز ، على حين حضر الممثلون عن العراق والأردن ، وتوترت العلاقات بيَّن الملك عبد العزيز والملك حسين بفشل المؤتمر ، لكن الملك عبد العزيز أصدر بياناً بيَّن فيه ما حدث ، ونشر البيان في الصحف العربية والإسلامية ، وبذلك ارتفعت أسهم الملك عبد العزيز .

لقد ظهر الفارق الكبير بين تفكير الملك عبد العزيز وتحولات الملك حسين ، فكلاهما زعيم إسلامي له وزنه وقوته ، لكن الملك حسين كان يطمع أن يكون خليفة للمسلمين ، بل لقَّب نفسه في زيارة للأردن عام 1343هـ / 1924م بهذا اللقب ، على حين نجد أن الملك عبد العزيز يعتذر عن ذلك عندما عرض ذلك عليه ( السير بيرسي كوكس ) الخلافة حينما كانا معاً في جزيرة دارين ، وأشار عليه بعرضها على الملك حسين (4) .

أما الملك عبد العزيز فقد كان يدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه e في ظل دولة قوية، فالملك حسين له أهداف مبنية على رغبات ، والملك عبد العزيز صاحب رسالة ، وفرق بين صاحب الرغبة وصاحب الرسالة .

من خيار السلم إلى خيار الحرب :

تحول الملك عبد العزيز من خيار الصلح إلى خيار القتال ، فأعد نفسه للزحف على الحجاز إثر تضجر أهل نجد من حرمانهم من الحج مدة خمس سنوات متتالية (5) ، فعيَّن الأمير عبد العزيز بن مساعد على القصيم وشمر والشمال .

ثم تحول – رحمه الله – إلى الرياض فدعا إلى مؤتمر حاشد ، شارك فيه العلماء والأمراء وزعماء الأخوان ورؤساء القبائل ، وعقد المؤتمر في شهر ذي الحجة عام 1342هـ .

افتتح المؤتمر الإمام عبد الرحمن والد الملك عبد العزيز ، فأشار إلى منع الملك حسين السعوديين من أهالي نجد من أداء الحج ، ثم تكلم الملك عبد العزيز ، فشرح أبعاد الموقف ، وانتهى المؤتمر بقرار أوكل المؤتمرون الأمر للملك عبد العزيز ، وحمَّلوه أمانة تنفيذ الركن الخامس من أركان الإسلام عن طريق السلم أو الحرب ، وهو ما أشار إليه خـــير الدين الزركلى بشيء من التفصيـــل في كتابه شبه الجزيــــرة في عهد الملك عبـــد العزيز ، وكذلك أمين الريحاني في كتابه نجد وملحقاته .

بدأ زحف الملك عبد العزيز نحو الحجاز ، فأرسل قوات من الأخوان إلى العراق وشرق الأردن للحيلولة دون تدخل فيصل وعبد الله ابني الملك حسين ودعمه وإمداده، وهذه من سمات التخطيط الجيد وبعد النظر .

3– سقوط الطائف :

تقع مدينة الطائف على طريق القادم من نجد القاصد للبيت العتيق ، والطائف ترتفع مشمخرة تحملها الجبال على هاماتها ، فتصل إلى علو مقداره (1700 ) متر فوق سطح البحر ، كما تنأى الطائف عن مكة بمسافة لا تتجاوز الخمسة والثمانين كيلاً من المترات .

وتشكل الطائف عسكرياً الخط الأول للدفاع عن مكة المكرمة من جهة الشرق ، كما تمثل الطائف بالنسبة لسكان مكة المكرمة مصيفاً يقيهم وطأة القيظ .

وجه الملك عبد العزيز إلى تربة قوة قوامها خمسة عشر لواءً بقيادة خالد بن لؤي من أبناء عمومة الشريف حسين ، وقيادة سلطان بن بجاد أمير الأخوان من عتيبة .

اتخذت قوات الملك عبد العزيز من ( تربة ) منطقة للتجمع ، وكانت القوات من هجر مختلفة ، أغلبها من أهل الغطغط ، وقد قدرها مقبل الذكير في كتابه الذي استند عليه الدكتور عبد الله العثيمين بألفي مقاتل .

كان سلاحهم البنادق والسيوف ، وكانت مراكبهم الخيل والإبل ، وكان زحفهم في محرم عام 1343هـ / أغسطس 1924م.

لقد اطمـــأن الملك حسين لتحصينات الطائف ودفاعاتها ، فلم يقدر قوة الملك عبد العزيز حق قدرها ؛ إذ كان في الطائف قوة لا تتجاوز خمسمائة مقاتل مسلحين بالبنادق والرشاشات وبعض المدافع الجبلية ، وجعل الملك حسين القوة تحت قيادة اللواء (صبري باشا الغزاوي ) ، وكان أمير الطائف وقتها ( شرف بن راجح ) .

1- سير العملية :

بدأت القوة السعودية هجومها انطلاقاً من تربة بسرعة وسرية في معنوية عالية ، فاستولت على مخفر ( كلاخ ) و ( الأخيضر ) ، وانضم إليهم الأشراف الحُرَّث وبعض قبائل ثقيف .

وصلت القوة المهاجمة إلى ( الحوية ) على مشارف الطائف في صفر 1343هـ / سبتمبر 1924م، فنشبت في ( الحوية ) معركة مع قوات الشريف المدججة بالسلاح القليلة العدد .

تراجعت قوات الشريف إلى الغرب حيث المرتفعات ، فاستطاعت أن توقف تقدم القوات السعودية ، ولم تتمكن من هزيمتها ، لكن قوات الشريف فضلت التراجع إلى الطائف متخذة من الجبال مواقع لإطلاق النيران من المدافع والرشاشات ، وبخاصة أن البادية قد تفرقت عنهم .

وصل الأمير علي في نجدة من مكة ، واتخذ مواقعه في الهدا خارج الطائف تاركاً الطائف محاصرة دون خطة هجومية ودون ضغط على القوات السعودية .

خرج أمير الطائف ووزير الحربية والجنود النظاميون والأهالي والموظفون ، فالتحقوا بالأمير علي يوم الجمعة السابع من صفر عام 1343هـ / 1924م .

وكذلك أخليت الطائف ، ودخلتها قوات الملك عبد العزيز في اليوم التالي ، وتمت فيها السيطرة على المدينة ، فترك ذلك أثراً سلبياً على معنوية قوات الملك حسين ، وهذا ما جعل الأمير عليًّا يفضِّل الانسحاب إلى مكة مخلياً مواقعه في الهدا .

4– الدخول إلى مكة :

تركت أحداث الطائف صدى سرى بين القبائل في المنطقة ، فسارعت إلى الانضمام إلى الإخوان طمعاً في الغنائم ، وعلى الرغم من ذلك  فإن الزحف على مكة المكرمة توقف لأهمية المدينة المقدسة لدى العالم الإسلامي ، مما قد تتخذه بعض الدول الإسلامية وغير الإسلامية ذريعة للتدخل وتدويل الصراع ، وهذا ما يرغب عنه الملك عبد العزيز .

لقد ترك انتصار الأخوان في الطائف أثراً سلبياً في نفس الملك حسين وأتباعه انعكس على الروح المعنوية ، كما دفعت أخبار النهب والسلب والقتل الأعيان والأهالي في مكة إلى الهرب في اتجاه جدة تاركين وراءهم الملك حسين .

لقد تمخض وصول الأعيان إلى جدة ولقاؤهم برجالها أن عقدت عدة اجتماعات أفضت إلى تشكيل ( حزب وطني ) من الأعيان برئاسة السيد محمد كامل الدباغ ، فقرر الحزب وجوب تخلي الملك حسين عن الحكم لابنه علي أملاً أن ينتهي ذلك إلى حل سلمي مع الملك عبد العزيز .

استدعى أعيان الحجاز في جدة الأمير علي من مكة ، وأخبروه بقرارهم بوجوب تنازل الملك حسين لابنه علي ، فلم يقبل  ( الشريف علي ) ذلك القرار مراعاة لأبيه ، عندئذ أخبروا الملك حسين برغبتهم ، وأجرى الحديث معه مهاتفة الشيخ محمد سرور الصبان (6) ، وبعد تردد وافق الملك حسين ، وغادر مكة إلى العقبة ، ويرى بعض المحللين أن الأمر كان مصطلحاً عليه وإن كنت أستبعد ذلك .

في الخامس من ربيع الأول من عام 1343هـ بويع ( الشريف علي ) ملكاً على الحجاز مقيداً بالدستور ، ثم عاد إلى مكة المكرمة بعد خمسة أيام ، وعندما وصل الأخوان أتباع الملك عبد العزيز إلى ( الزيمة ) في طريقهم إلى مكة أدرك الشريف علي أن الموقف لا يمكن تداركه ؛ إذ لم يبق لديه من القوات ما يعتمد عليه في المواجهة ، ففضل الانسحاب إلى جدة ، وتم انسحابه بعد عشرة أيام .

لقد أخلى الشريف علي مكة المكرمة دون ترتيب أمني ، فخلفها بلقعاً ، لكن بعض من بقوا من رجال مكة بعثوا إلى خالد بن لؤي ، يطلبون منه استلام المدينة المقدسة وإيقاف الممارسات الخاطئة ، فتقدم خالد بن لؤي ، ومعه قوات الأخوان في 17/3/1343هـ الموافق 15/10/1924م محرمين مهللين ، فتولي خالد بن لؤي مقاليد الأمور .

5– الدخول إلى المدينة :

أذن الملك عبد العزيز بالزحف إلى جدة يوم السبت 7 جمادى الآخرة 1343هـ الموافق 3 يناير 1925م ، فبادرت قواته بالمناوشات ثم الحصار .

فيما كان الملك عبد العزيز حذراً من إصابة أحد رعايا الدول الأجنبية بسوء ملتزماً بالحصار معتصماً بالصبر معرضاً عن الاقتحام كانت الإمدادات العسكرية تتوالى على القوات الهاشمية قادمة من العقبة عن طريق البحر .

كان الأمير عبد الله بن الحسين في الأردن يجمع المتطوعين ، وكان الملك حسين يبعثهم من العقبة ،مما حدا بالملك عبد العزيز إلى العزم على إرسال قوة في اتجاه العقبة لضرب الإمدادات ، وقد أمرت بالزحف (7) ، فطلب الإنجليز من الأمير عبد الله إسداء النصح لأبيه بالمغادرة إلى قبرص وإيقاف الإمدادات ، فغادرها الحسين في أواخر ذي القعدة من عام 1343هـ / 1925م.

كانت قوات الملك عبد العزيز تقدر بستة آلاف مقاتل ، على حين كانت القوات الهاشمية لا تتجاوز الثلاثة آلاف تقريباً .

1- حصار المدينة :

فيما كان الملك عبد العزيز يحاصر جدة كانت قواته المكونة من ألفين وخمسمائة مقاتل تحاصر المدينة المنورة ، أما القوات الهاشمية المحاصرة داخل سور المدينة فلا تتجاوز أربعمائة مقاتل ، كانت المدينة المنورة تتمتع بالمكانة نفسها التي لمكة المكرمة في نفوس المقاتلين من قوات الملك عبد العزيز ، فكانت أوامره ألاّ يتعرضوا للأماكن المقدسة بسوء ، وألا يقتحموها عنوة ، خصوصاً أن زعماء الدول الإسلامية يضغطون بشدة على الملك عبد العزيز في هذا الصدد .

كان الشريف علي بن الحسين قد غادر المدينة إلى مكة مخلفاً عليها وكيله الشريف أحمد بن منصور والقائم مقام الشريف شحات بن علي والقائد العسكري عبد المجيد أحمد باشا ومدير السكة الحديدية عزت عمير بك .

لقد كان حصار الملك عبد العزيز للمدينة ينم عن إدراك الأمور بعمق عسكري؛ إذ المدينة هي المستودع الإستراتيجي للسلاح والذخيرة للأتراك والأشراف ، ويتركز المخزون في القلاع التركية ، وبخاصة قلعة باب الشامي وجبل سلع اللتين أعدتا إعداداً جيداً لذلك ، لهذا كان سقوط المدينة سوف يعجل في سقوط جدة .

2- تنظيم الدفاع عن المدينة :

كان عبد المجيد باشا من الكفاءات العسكرية العالية ، فحصن المدينة تحصيناً دقيقاً؛ إذ وزع قواته على منافذها ، وحفر الخنادق ، وأقام الكمائن ، وأشرك الشعب في الرأي ، فتدارس الدفاع مع وجهاء المدينة ، فتضامن معه الأهالي ، وفيهم من أهل القصيم مثل آل القاضي وآل الخريجي وآل الأطرم ، وقسم المدينة إلى ست مناطق دفاعية :

كانت المنطقة الأولى : شرقي المدينة عند شارع أبي ذر حالياً ، والمنطقة الثانية : ومركزها باب العوالي ، والمنطقة الثالثة : ومركزها بستان الماجشونية وتشمل قربان ، والمنطقة الرابعة : ومركزها باب قباء  ، والمنطقة الخامسة : ومركزها باب الكومة ، والمنطقة السادسة : ومركزها المساجد السبعة ، وتمتد حتى المنطقة الأولى شرقاً ، واتخذ من قصر الخالدية مركزاً قيادياً .

3- توزيع القوات السعودية :

تركزت قوات الملك عبد العزيز بقيادة صالح بن عذل شرق المدينة ؛ لتقطع الطريق على أي إمدادات قد تأتيها من الأردن (8) ، واستطاع أن يطوع القبائل هناك ، ثم كلف الملك عبد العزيز إبراهيم النشمي بحصار المدينة من شمالها ، فعسكر في بستان الزهرة ، وبقي الأخوان في جنوبها في العوالي بقيادة الدويش ، لقد وصل فيصل الدويش بعد حج 1343هـ ، فاشتد الحصار على أهل المدينة ، وكان إبراهيم النشمي رحيماً على أهلها، فكان يكرم من يتسلل إليه من أهل المدينة ، حتى سكن بعضهم قريباً من مواقع المقاتلين ، ومع هذا فإن الإمدادات كانت مقطوعة عن المدينة .

وفي سبيل الحصول على المال باعت القيادة العسكرية بالمدينة السلاح على الأهالي الذين باعوها على القوات السعودية ، أما الدويش فقد كان شديداً في مواقفه، ففي صباح 23 محرم من عام 1344هـ هاجمت قوات الدويش ( مخفر العيارية ) بجوار المدينة، فأصلتهم حامية المدينة غلالة من النيران ، فأرغمتهم على التراجع .

ثم كررت قوات الدويش المحاولة من شمال المدينة ، فردتها نيران الحامية ، لكن القيادة السياسية للأشراف (9) في جدة هولوا الموقف ، وصاغوا خبراً وصفوا فيه الحدث بأنه معارك ضارية ، وأن القصف كان على بيوت المدينة والمقدسات ، وأن القبة الخضراء في المسجد النبوي أصيبت بأضرار ، فأثار الخبر العالم الإسلامي ، وتحرك الزعماء من العرب والمسلمين ، لكنه تبين عدم صحة ما نشر .

فأمر الملك عبد العزيز الدويش بالتوجه إلى نجد ، وأمر قوة سعودية أخرى بقيادة (عبد المحسن الفرم ) لتحل محل قوات الدويش .

والفرم من قبائل العوالي من بني علي من قبيلة حرب ، بايع الملك عبد العزيز ، وقاتل معه ، فسكنت الأحوال بوصول الفرم، كما أرسل الملك عبد العزيز الشيخ (عمر بن سليم )؛ ليعظ المقاتلين ، ويذكرهم بفضائل المدينة المنورة .

4- تسليم المدينة :

اشتد الحصار على أهل المدينة ، ونفدت المؤونة ، ولم يبق منها ما يكفي إلا لثلاثة أيام ، كان الشريف علي بن الحسين يأمرهم من جدة بالصمود ، ويماطل في إرسال المؤونة ، عندئذ بدأ الشريفان أحمد وشحات يتداولان الأمر مع عبد المجيد أحمد باشا القائد العسكري وضباطه ، واتفقوا على التفاوض مع القوات السعودية ، وعزز ذلك رغبة الأهالي في التسليم ، ورفع الحصار ، واستقر الرأي على أن يرسل أحد تجار المدينة هو ( مصطفى عبد العال ) برسالة إلى الملك عبد العزيز في بحرة بطلب الصلح ، فكتبها الشريف شحات ، وتسلل المرسول من الحصار .

كانت شروط الصلح تقضي بتأمين أهل المدينة على أرواحهم وممتلكاتهم ، وكذلك المقيمون والموظفون والعسكريون ، وألا يُعاقب أحد بسبب المعارك ، وأن يتسلم المدينة أحد أبناء الملك عبد العزيز .

أمر الملك عبد العزيز ابنه الأمير محمداً ، فسار بصحبة مصطفى عبد العال في 23 ربيع الآخر عام 1344هـ مع رهط من الحاشية بلغوا مائتين ، لكن الشريف علياً أرسل برقية في 5 جمادى الأولى 1344هـ ، ووعد بإرسال طائرة بالمؤونة ، ولم تصل الطائرة؛ لأن الإنجليز تراخوا في إمدادها بالوقود ، فتأخر التسليم عشرة أيام .

عرضت القيادة في المدينة إرسال اثنين من الضباط للتفاوض ، فخرج عبد المجيد باشا قائد الحامية ونائبه عزت بك ، وتم الاتفاق على خطوات التسليم ، وبدأ العمل على تنفيذ ذلك ، في اليوم الأول سلمت المدينة ومرافقها بمراسيم معينة وتنظيم دقيق ، فدخلها الأمير ناصر بن سعود وعبد الله بن الفضل ، فكان كلما استلم السعوديون موقعاً انسحب رجال عبد المجيد من الموقع ، ولم يحدث ما يعكر صفو الأمن ، وكأنهم أصدقاء يتبادلون المواقع ، ثم كتبت وثيقة الصلح ، كتبها أهل المدينة ، وكان ذلك في 18/5/ 1344هـ الموافق 3/12/1925م .

وفي اليوم التالي دخل الأمير محمد بن عبد العزيز وحاشيته ، وكان في استقبالهم الشريفان أحمد وشحات وقائد الحامية ومعاونه وكبار الضباط ، وأعلنوا ولاءهم للأمير محمد ووالده ، ثم توجه الركب إلى المسجد النبوي ، بعدها توجه الأمير محمد إلى مقر الإمارة  ، فاستقبل الأهالي ، وظل الشريفان والقادة في معيته ، وتناولوا جميعاً طعام الغذاء ، واستبقى كل موظف على وظيفته ، وكل قائد على قيادته ، وخير من أراد الرحيل دون اعتراض ، واستأذنه الشريف أحمد في السفر إلى وادي فاطمة ، وكذلك رئيس ديوانه الخاص عبد الله بن عمير وعمر كردي وعبد المجيد باشا .

5- الدروس المستفادة :

1-   كان فتح المدينة يمثل قمة الأخلاق الإسلامية في الحرب والسلام .

2- بيَّن حصار المدينة أهمية تضامن القيادة العسكرية والقيادة السياسية والأهالي ، فكانوا في المدينة المنورة يداً واحدة  في اتخاذ القرار ، فكان من ثماره تسليم المدينة دون نهب أو سلب أو اشتباك .

3-  اهتمام الملك عبد العزيز بعدم الإساءة إلى المحاصرين ، وذلك بإرسال واعظ يؤكد على قدسية المدينة وفضائلها ، ويشرح لأفراد القوات السعودية .

 

 

6 – استسلام جدة :

لم تكن مدينة جدة أقل حساسية في موقفها من المدينة المنورة ومكة المكرمة ، إلاّ أن حساسية المدينتين المقدستين نشأت من الاعتبار الديني ، أما جدة فكان ناجماً من الاعتبارات السياسية ، حيث توجد السفارات والجاليات الأجنيبة ، فكانت أوامر الملك عبد العزيز ألا يقتحم المقاتلون هذه المدن الثلاث.

كانت المدينة المنورة تشكل أهمية كبرى في الصراع ،  ليس بسبب مكانتها الدينية فحسب ، بل لكونها تشكل مخزونا إستراتيجيا للحجاز منذ العهد العثماني .

 ما إن استسلمت المدينة حتى فتَّ  ذلك في عضد الملك علي بن الحسين ، فسارع إلى الاتصال بالمعتمد البريطاني طالبا منه التوسط في الصلح عارضا شروط الصلح .

  بادر المعتمد البريطاني بالذهاب إلى معسكر الملك عبد العزيز، وأطلعه على شروط الملك علي للصلح ، وتم الاتفاق  في أول يوم من جمادى الآخرة  من عام 1344هـ الموافق  17/ 12/1925م.

 

 المواقع السعودية حـول جدة :

  كانت القوات السعودية قد اختارت مواقعها حول جدة ،  وبخاصة في النزلة اليمانية ونزلة بني مالك والرويس، فحفرت الخنادق ، وأقامت الاستحكامات .

 بدأت القوات السعودية بعمليات الإزعاج والقيام بالمناوشات لقوات الشريف علي مستخدمة في ذلك  المدافع التي نصبتها شرق الكندرة , وكانت تطلقها في خطوط الدفاع  المقامة حول جدة ، وكانت الدوريات السعودية تنطلق ليلاً  لمهاجمة قوات الشريف علي، مما انعكس على معنويات المحاصرين بجدة .

 إن إعلان الملك عبد العزيز الأمان لمن يخرج من جدة فيذهب إلى أهله داخل الحجاز وخارجه  تسبب في خروج كثير من الأهالي من جدة .

2- المعارك والمناوشات :

لقد دارت بين الفريقين عدة معارك، أهمها معركة المصفحات في 18/8/1343هـ  الموافق13/3/1925م، سقط خلالها بعض القتلى والجرحى من الطرفين ، وعادت مصفحات الشريف إلى مواقعها ،  كما حاولت قوات الشريف لذلك  مهاجمة المواقع التي يعسكر فيها الملك عبد العزيز أثناء غيابه  للحج ، لكنه كان متحسبا لذلك، ففوجئت قوات الأشراف ، وكان ذلك في اليوم الرابع من شهر ذي الحجة .

3- تدهور الموقف بجدة :

كانت الأحوال تضيق بالمحاصرين ،  فكان كلما ضاقت حاول الشريف علي الظهور بمظهر القوي ، فقام بأعمال عسكرية أو تظاهرية ، ففي وقت الحج أرسل  طائرة حلقـــت في سماء مكة المكرمة , وألقت منشورات تحريضية ، مما أثار حفيظة الملك عبد العزيز . 

لكن الوضع في عام 1344 هـ  أظهر تحسنا كبيراً  في مواقف القوات السعودية ،  وزاد من ذلك وصـــول الأمير فيصــل بن عبد العزيز بقوات وإمدادات من نجد في الخامس من شهر جمادى الأولى , مما زاد الحالة سوءاً على المحاصرين من قوات الأشـــراف ، فدب اليأس في نفوسهم، وزاد الطين بلة استسلام المدينة بعد ثلاثة عشر يومـــاً من وصول الأمير فيصل، بعد أحد عشر يوما طلب الشريف علي الصلح من الملك عبدالعزيــز .

4- الاتفاق على الصلح :

لقد تم الاتفاق بين الطرفين على الصلح بالآتي :

1 – أن يتنازل الملك علي بن الحسين عن ملك الحجاز والرحيل بممتلكاته الشخصية وتسليم الملك عبد العزيز الأملاك الحكومية .

2 – أن يضمن الملك عبدالعزيز سلامة الموظفين والعسكريين والأشراف والأهالي والقبائل ، وإصدار العفو العام ،  وترحيل من يرغب من العسكريين والمدنيين إلى أوطانهم ، وتمت مغادرة الشريف علي في 6 جمادى الآخرة من عام 1344هـ  الموافق 22/12/1925م.

 

5- الدروس المستفادة :

1-         أظهرت عمليات الملك عبد العزيز في الحجاز القدرة على التعامل بجميع الطرق الهجوم والدفاع والمراوغة والاقتحام والحصار .

2-         أظهرت العمليات في الحجاز قدرة الملك عبدالعزيز على التعامل مع المناطق الأكثر حساسية سياسياً ودينياً .

3-         أظهرت العمليات كفاءة الملك عبدالعزيز وقدرته على تحييد الأطراف الدولية .

4-         استطاع الملك عبد العزيز الاستفادة من أخطاء الخصم العسكرية والسياسية والإعلامية .

5- استطاع الملك عبد العزيز إظهار الفوارق بينه وبين خصومه ؛ إذ يسر السبل للحج في أول سنة تسلم فيه المدينة المقدسة ، على حين لم يتمكن غيره من ذلك.

6-         استطاع الملك عبد العزيز تطمين القادة والزعماء العرب والمسلمين وإقناعهم بحسن نواياه .

7-         رفض الملك عبد العزيز قبول الخلافة ، وتلقفها الملك حسين ، مما أثار حفيظة بريطانيا وأوربا اللتين قضتا على الخلافة في تركيا .

8-         استطاع الملك عبد العزيز إقناع أتباعه ومؤيديه بعدالة القضية ، فتفانوا في خدمتها .

9-         أظهرت العمليات قدرة الملك عبد العزيز على استخدام جميع المهارات العسكرية والسياسية .

المرحلة الثالثة : المنظومة الإستراتيجية  في فكر الملك عبد العزيز

1- التعريف :

المنظومة الإستراتيجية: هي الإستراتيجية ، هي البيئة ( الجيوبوليتيكية ) التي تضم إليها عدداً من الكيانات السياسية في إقليم جغرافي واحد .

 

والمنظومة الإستراتيجية تتكون داخل إطار جغرافي ، تتوافق فيه العلاقات المتناقضة، وتنشأ فيه علاقات متوافقة على جميع المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية .

2- البعد التاريخي للمنظومة الإستراتيجية  :

تشكل الجزيرة العربية منظومة إستراتيجية واحدة ، تحفها البحار من جهات ثلاث، وانفتاح من الشمال يتصل بأكبر القارات ، هي آسيا وأفريقيا وأوربا .

وتطل الجزيرة على أكبر المحيطات من جنوبها ، فيكسبها ذلك إطلالة على العالم عن طريق البحر ، وهذا ما يعطي الجزيرة العربية قدرة على التحكم في معظم التجارة الدولية البحرية منها والبرية .

إن البحار الثلاثة التي تحف بالجزيرة العربية وتعطيها الأمن وتوفر لها الحماية لا تفرض عليها عزلة ، بل توفر لها أسباب الحركة والمرونة ، والجزيرة العربية تقع في "وسط الأرض"، فيطلق عليها اصطلاحاً :( The Center of the universe )، بالإضافة إلى ما تشكله الجزيرة العربية من نقطة التقاء للمواصلات بجميع أنواعها البرية والبحرية والجوية ، وقد اكتسبت في عصرنا أهمية كبرى بسبب وفرة الطاقة البترولية والمخزون النفطي .

قبل الإسلام بدأت ملامح التوحد الثقافي تتبلور في الجزيرة العربية ؛ إذ ظهر قصي ابن كلاب قبل البعثة النبوية بقرن ونصف من الزمان ، فبدأ في إجراء تنظيمات إدارية وثقافية وسياسية ، فأسس قاعدة سياسية إلى جانب القاعدة الدينية ، فأصبح في مكة قاعدتان : قاعدة سياسية تمثل ( دار الندوة ) ، وقاعدة دينية يمثلها ( البيت العتيق ) ، فانتظم الحج ، وتوحدت الثقافة العربية من خلال المراكز الثقافية التي يمثلها سوق عكاظ وسوق ذي المجنة وسوق المجاز وغيرها من الأسواق ، وأخذت التجارة الدولية تخترق الجزيرة العربية براً وبحراً في رحلة الشتاء والصيف .

 

عندما هاجر النبي e بدأ في تكوين منظومته الإستراتيجية  على مستوى الجزيرة العربية ، وقاعدتها المدينة المنورة ، فجعل ثقافتها الدينية واحدة ، هي الإسلام ، فمنع أن يعبد غير الله في جزيرة العرب .

لقد حدد النبي e هدفه الإستراتيجي ، فجعل ( لا إله إلا الله ) – أي الدعوة إلى التوحيد – هي الهدف ، ثم بدأ – عليه الصلاة والسلام – بعد أن شكل قاعدته الأساسية في المدينة يثبت كيانه الإستراتيجي  ، ففتح مكة والطائف ، وامتد شمالاً إلى تبوك ، ثم بدأ في الانتشار الإستراتيجي ، فعم الجزيرة العربية بالدعوة ، وتلقى البيعة دون قتال ، فما مات –عليه الصلاة والسلام – حتى كوَّن بإرادة الله – عز وجل – أول منظومة إستراتيجية قوية في التاريخ وأقواها .

3- الأسس التي بنى عليها الملك عبد العزيز منظومته الإستراتيجية  :

لم يكن عبد العزيز مجـــرد ملك من ملوك المسلمين ، بل كان إماماً ألم بأمور الدين وسياسة الدنيا ، لقد تأسى بالنبي e في تكوين منظومته الإستراتيجية داخل الجزيـــرة العربية ، لكن عدم انضـــواء بعض أجزاء شبه الجزيرة تحت لوائـــه لا يحول دون تكوين المنظومة ، فالوفاق الثقافي والسياسي والديني يجعل من الجزيرة منظومة واحـــــدة.

لقد وحَّد – رحمه الله – معظم الكيانات السياسية في منظومة واحدة ، وصل بها إلى البحر الأحمر غرباً ، والخليج شرقاً ، كما وحد الثقافات داخل المنظومة ، ووحَّد المذهب، كما وحَّد الاقتصاد أيضاً ، لقد شيَّد – رحمه الله – منظومته الإستراتيجية  على أسس ثمانية ، هي :

أ‌-            الهدف الإستراتيجي  :

لقد حدد الملك عبد العزيز الهدف الإستراتيجي في إعلاء كلمة ( لا إله إلا الله ) ، وصرَّح بها في كل مناسبة ، كما أثبتها عند تأسيس الجيش السعودي عندما قال : ( إن هذا الجيش أُسِّس لإعلاء كلمة لا إله إلا الله ) .

 

ب‌-       توحيد المنظومة :

استطاع الملك عبد العزيز أن يجمع شتات الجزيرة العربية ، فجعل من المملكة العربية السعودية قاعدة للإسلام ، فقام بالتوحيد السياسي والتوحيد الديني والأمن ، وعلى هذا يقول ( نول .إف . بوش ) رئيس تحرير مجلة " لايف " الأمريكية معلقاً في أول تحقيق صحفي غربي مع الملك عبد العزيز : ( وعلى مستوى الإنجازات يأتي أضخمها متمثلاً في جمع شتات وتوحيد أكبر مملكة في الجزيرة (10) العربية منذ عهد النبوة ) .

ويقول بوش صاحـــب كتاب ( الملك عبد العزيز رؤية عالمية ) : ( فالأهمية الحديثة بالنسبة للعالم تأتي من كون الملك عبد العزيز بنى دولته على أسس إستراتيجية سليمــــة).

ج –  وحدة العقيدة :

إن من أهم الدعامات للمنظومة الإستراتيجية هي وحدة العقيدة ، وهو ما حرص عليه الملك عبد العزيز .

لقد وحّد الملك عبد العزيز العقيدة في مذهب السلف ، ووحّد الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، مع الاستئناس ببقية المذاهب المعتمدة ، فبعد أن كانت الصلوات تقام في الحرمين الشريفين ومعظم المساجد على مذاهب أربعة بأئمة أربعة توحد الجميع تحت إمام واحد ، فوحّد الله قلوبهم .

د – استقلالية النظام :

استطاع الملك عبد العزيز أن يتخذ منهجاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً مميزاً ، لا ينتمي إلى رأسمالية ولا إلى اشتراكية متجاوزاً في ذلك جميع الأنظمة الوضعية ؛ لأن الأخذ بالأنظمة الوضعية يورث التبعية لها مهما كابر المتبعون .

لقد رفض الملك عبد العزيز جميع الأنظمة الوضعية ، واتخذ للملكة نظاماً قيمياً؛ فالأخذ بالنظم الوضعية يتيح للدول المتقدمة فرض الوصاية الثقافية على الدول الناشئة، وذلك من خلال السعي إلى التكيف مع الدول المتقدمة ، وهذا هو الاستعمار الثقافي الذي تحاول فرضة العولمة على جميع الأمم .

إن النظام القيمي هو تطبيق ما يجب أن يكون ، أما النظام الوضعي فهو تطبيق ما هو كائن ، لهذا يصبح من الخطأ أن نقيس أنظمتنا القيمية بأنظمة غيرنا الوضعية ، وفي هذا يقول الشيخ أمين الريس : ( لقد قطع ابن سعود الطريق على أوربا ، وأعلن في خطابه سياسته الصريحة ؛ أنه لا يريد تجديداً ولا إصلاحاً إلا مما في كتاب الله وسنة نبيه، وأن فيها كل الصلاح ) (11) .

هـ – الشخصية السياسية :

لقد بنى الملك عبد العزيز شخصية المملكة السياسية على تحديد الثوابت في العلاقات الدولية ، وهذا ما أكسبها احترام باقي الدول وسهولة التعامل معها ، لقد بناها على ثلاثة ثوابت ، هي :

1-   عدم التدخل في الشؤون الدينية .

2-   عدم المساس بالشؤون السيادية .

3-   عدم التدخل في الشؤون الأمنية .

وما عدا ذلك يصبح متروكاً لقواعد المصالح المشتركة والمعاملة بالمثل .

و– صناعة القرار :

هناك فرق بين الملكية الجائرة والملكية العادلة ؛ فالملكية الجائرة تسير بحسب الأهواء ، والملكية والعادلة تسير طبقاً لقواعد الحقوق والواجبات .

فالملك عبد العزيز بنى القرار في المملكة العربية السعودية على الشورى والإفتاء ، فالشورى هي ( استنطاق الرأي من الآخرين قبل العزم على القرار ) ، والإفتاء هو (عرض القرار على الشرع قبل تنفيذه للتثبت من مشروعيته) .

فالشـــورى فيما يمس الفـــرد سلــــوك إســــلامي ، والشـــورى كقرار يمـــس الغير ( إلــــزام بالأخذ بالشورى ، وليس التزاماً بالأخذ بالمشورة ) طالما كانت المصلحة تخالف ذلك الرأي ، وبهذا يكون الملك عبد العزيز قد رشَّد القرار السياسي ، وأسس ملكية عادلـــة .

 

ز– المجالس المفتوحة :

لقد سنَّ الملك عبد العزيز سنة حسنة ، فحدد يومياً ساعات يجتمع فيها بأبناء شعبه وبالعلماء وبالمستشارين ، وهذا ما جعل الحاكم في المملكة على دراية تامة بما يحدث ، وعالماً دقيقاً بأحوال الرعية .

وهذه المجالس تعد أكثر فعالية من الديمقراطية المباشرة التي لم يعد لها وجود في عصرنا الحاضر ، فقد كانت تطبق قبل الميلاد حينما كان الشعب في أثينا يجتمع في ساحة الكايبتول ، فتعرض عليه القرارات ، ويصوت عليها (12) .

 

الهوامــــش

 

(1)             عسير : محمود شاكر .

(2)             المخلاف السليماني : محمد العقيلي .

(3)             المخلاف السليماني : محمد العقيلي .

(4)             معارك الملك عبد العزيز د. عبد الله العثيمين .

(5)             شبه الجزيرة لخير الدين الزركلي .

(6)             مقال في المنهل بقلم محمد سرور الصبان .

(7)             شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز لخير الدين الزركلي .

(8)             جريدة أم القرى 15 جمادى الأولى 1344هـ الموافق 28 أغسطس 1925م .

(9)             مجلة " لايف " الأمريكية ، عدد مايو 1943 م .

(10)         جريدة القبس 29 مايو 1929م .

(11)         الأمير فيصل بن مشعل ، المجالس المفتوحة ، رسالة ماجستير ، جامعة شيكاغو بكالفورنيا 1988م .

 

مصادر البحث ومراجعه

§        ابن بشر عثمان بن عبد الله ، عنوان المجد .

§        بدر ، عبد الباسط، التاريخ الشامل للمدينة المنورة  .

§        بوفر ، أندريه ، مدخل إلى الإستراتيجية .  

§        بوفر ، أندريه ، الردع الإستراتيجي  .

§        بيار ، روفائيل ، صقر الجزيرة .

§        جريسون ، بنسون لي ، العلاقات السعودية – الأمريكية . 

§        الجاسر ، حمد ، مدينة الرياض .

§        حافظ ، علي عبد القادر ، فصول من تاريخ المدينة .

§        حمزة ، فؤاد ، قلب الجزيرة  .

§        خزعل ، حسين ، تاريخ الكويت  .

§        الدخيل ، سليمان ، القول السديد  .

§        ديورانت ، وول ، قصة الحضارة  .

§        رحمو ، محمد إبراهيم ، أضواء حول الإستراتيجية الفكرية للملك عبد العزيز .

§        الرشيد ، ضاري ، نبذة تاريخية عن نجد  .

§        الريحاني ، أمين ، تاريخ نجد وملحقاته . 

§        الزركلي ، خير الدين ، شبه الجزيرة  .

§        زيدان ، محمد حسين ، العهود الثلاثة  .

§        السباعي ، أحمد ، تاريخ مكة  .

§        السعدون ، خالد ، العلاقات بين نجد والكويت  .

§        آل سعود ، فيصل بن مشعل بن سعود بن عبد العزيز ، المجالس المفتوحة  .

§        آل سعود ، موضي بنت منصور ، الملك عبد العزيز .

§        شاكر ، فؤاد ، قلب جزيرة العرب .

§        الأصفهاني ، الحسن ، بلاد العرب .

§        آل عبد القادر ، محمد بن عبد الله ، تحفة المستفيد . 

§        العثيمين ، عبد الله صالح ، تاريخ المملكة العربية السعودية  .

§        عسة ، أحمد ، معجزة على الرمال  .

§        عشقي ، أنور ماجد ، فن الحرب في الأزمة القديمة  .

§        عشقي ، أنور ماجد ، البترول السعودي في الميزان الإستراتيجي  .

§        عشقي ، أنور ماجد ، القيم الإستراتيجية  في غزوة أحد  .

§        عطار ، أحمد عبد الغفور ، ابن سعود وقضية فلسطين  .

§        عطار ، أحمد عبد الغفور ، صقر الجزيرة  .

§        العقيلي ، محمد بن أحمد ، تاريخ المخلاف السليماني  .

§        العمري ، حسين ، المنار واليمن  .

§        ابن عيسى ، إبراهيم بن صالح ، تاريخ بعض الحوادث الواقعة في نجد  .

§        ابن غنام ، حسين ، تاريخ نجد  .

§        فاسيليف ، تاريخ المملكة العربية السعودية  .

§        كشك ، محمد جلال ، السعوديون والحل الإسلامي  .

§        كلاوزوفيس ، فون ، فن الحرب . 

§        لوريمر ، دليل الخليج .

§        الماوردي ، أبو الحسن ، الأحكام السلطانية  .

§        مجاهد ، حورية توفيق ، الفكر السياسي من أفلاطون إلى محمد عبده  .

§        مختار ، صلاح الدين ، تاريخ المملكة العربية السعودية  .

§        ابن مسفر ، عبد الله ، أخبار عسير  .

§        الأنصار ، عبد القدوس ، آثار المدينة المنورة . 

§        النعمي ، هاشم ، تاريخ عسير في الماضي والحاضر  .

§        هارت ، ب – هـ ليدل ، الإستراتيجية  وتاريخها في العالم  .

§        هارت ، ب ، هـ ليدل ، الاختيار الصعب  .

§        وهبة ، حافظ ، جزيرة العرب في القرن العشرين  .

§        ابن هذلول ، سعود ، تاريخ ملوك آل سعود  .

§        يوركارت ، وجوهان لودينج ، مواد لتاريخ الوهابيين .

 

الوثائــــق :

1-          وزارة المالية بالمملكة العربية السعودية ، مجموعة الأنظمة  .

2-          وزارة المالية بالمملكة العربية السعودية ، المعاهدات  .

3-          وزارة الخارجية ، الكتاب الأخضر للعلاقات السعودية – اليمنية  .

4-          لجنة من الضباط السعويين ، التاريخ العسكري للملك عبد العزيز  .

5-         عشقي ، أنور ماجد ، المعاهدات السعودية – الأمريكية.